قمة بوتين وكيم
وبينما ينشغل العمال الروس بنقل قطع الأثاث إلى مكان القمة المرجح فى المجمع الرياضى فى جزيرة روسكى، تنشغل وسائل إعلام عالمية باستدعاء لقاءات سابقة بين الثعلب الروسى بوتين، والزعيم الكورى الشمالى السابق، ووالد الزعيم الحالى، كيم جونغ إيل، وهى اللقاءات التى كانت قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عن قرار نهائى بنزع السلاح النووى من كوريا الشمالية، إلا أن الزعيم الأب وافته المنية قبل إكمال المشوار.

تاريخ من اللقاءات واتفاقات قديمة
تاريخ تلك اللقاءات يؤكد إلى حدٍ بعيد أن لقاء بوتين وكيم الابن تأخر بعض الشئ، هذا بالرغم من علاقات دافئة نسبيًا بين البلدين، إلا أن قرار القمة جاء أخيرًا ووسط ظروف مثالية للطرفين، الروسى والكورى الشمالى، إذ أن حالة من العطب أصابت المحادثات الكورية مع الولايات المتحدة فجأة ودون إنذار خلال القمة الأخيرة فى العاصمة هانوى، فلم تعد واشنطن قادرة على إدراك طبيعة الاحتياجات لدى بيونج يانج، وكيف أن الزعيم الشاب يبحث بشكل جاد عن تنمية اقتصادية تنتشل بلاده من وضع قاس.
وبالرغم من مؤشرات تؤكد أن البلدين سيجدان ضالتهما لدى بعضهما البعض، إلا أن الإعلان عن القمة المرتقبة يأتى على استحياء، ووسط تروى يصل إلى حد الحذر من الجانبين، ففى كوريا الشمالية كان البيان الصادر عن حاكم بيونج يانج، مكتفيًا بخبر مقتضب مفاده: "كيم سيزور روسيا الاتحادية قريبا بدعوة من بوتين لإجراء محادثات"، وكأن كيم يرغب فى إبقاء الباب مواربًا مع واشنطن.
وعلى الجانب الروسى أيضًا، اكتفى الكرملين بالإعلان عن الزيارة دون الإعلان عن تفاصيل الزيارة أو مكان انعقادها، بل وكان الموعد مبهمًا "فى النصف الثانى من أبريل"، إلا أن ذلك الأمر قد يبدو نوعًا من طبيعة واستراتيجية عمل بوتين، رجل الاستخبارات الذى يفضل العمل فى هدوء قبل الإعلان عن النتائج، كما أن اللقاء يأتى بعد أقل من شهرين من انتهاء القمة الثانية بين كيم والرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى هانوى دون التوصل إلى اتفاق بشأن الترسانة النووية لكوريا الشمالية.
ووفقًا لمحللين، فإن كيم يبحث عن دعم دولى أوسع فى مواجهة واشنطن، حيث التقى الرئيس الصينى شى جين بينج 4 مرات فى غضون عام، لتأتى زيارة الدب الروسى، المنافس الأول لأمريكا سياسيًا وتسليحيًا.

قدم روسى فى شبه الجزيرة الكورية
عمومًا، فإن كيم يظهر احترامًا لروسيا ودورها كمشارك نشط ووسيط محترم فى حل القضايا الكورية، وهو اعتراف كفيل بأن يدفع روسيا لمد يد العون والتدخل بثقل دولى لحل المسألة الكورية، فأهم ما تبحث عنه روسيا هو قدم ومكانة فى شبه الجزيرة الآسيوية، لتناوئ بذلك الغريم الأمريكى.
وفوق الهوس الروسى بالمكانة، فهناك قضايا عملية مهمة مرتبطة بالمشاريع الاقتصادية واستراتيجية التفاوض المستقبلية لكوريا الشمالية، وهى أول ما يمكن طرحه على أجندة القمة بين بوتين وكيم، حسبما يؤكد الموقع المتخصص فى القضايا الكورية الشمالية "38 شمالاً".
والقمة لا تقل أهمية لدى بوتين، إذ أن موسكو تستدعى دائمًا علاقاتها طويلة الآمد مع كوريا الشمالية، وبالتالى لعب دور فى "عملية السلام" الكورية، خشية تهميشها فى إعادة تشكيل الأمن الإقليمى فى شمال شرق آسيا، وبالتالى آسيا على نطاق أوسع.
وعليه، فإن دور روسى فى المسألة الكورية يضمن مكانة محلية لروسيا كقوة عظمى آسيوية أو عالمية، ما يبشر بيونج يانج بنجاح فى الحصول على دعم دبلوماسى واقتصادى من خلال هذه القمة، وهو الهدف الأساسى لكيم منذ جلس على مائدة المفاوضات مع واشنطن.

100 طن دقيق.. مأساة كوريا الشمالية
إن ثمة إعلان ظهر فى كوريا الشمالية عن حاجة البلد المعزول بالعقوبات إلى 100 ألف طن من الدقيق، كفيل بإعطاء مؤشرات عن احتياجات كوريا الشمالية من موسكو، وهو ما يفسر أيضًا سر جنوح الزعيم الكورى للتفاوض مع أمريكا مؤخرًا على أمل الحصول على إنهاء العقوبات والتنمية الاقتصادية.
وبالرغم من الحاجة الكورية الملحة للطعام، إلا أن كيم لن يجعلها أولوية أجندته، فهو يستطيع تفسير هذه الاحتياجات داخليًا بأنه نقض حدث كنتيجة للأولويات والحصار. وبالتالى، سيسعى كيم للحصول على مساعدة أكبر وإجراءات للعمل بها للتعامل مع العقوبات الحالية أو التحايل عليها.

تعسف واشنطن.. "كل شىء أو لا شىء"
تلك الأوقات العصيبة التى تمر بها بيونج يانج تؤكد فداحة تأثير العقوبات الأمريكية والدولية على البلد الآسيوى، وكانت نوايا وتوجهات واشنطن واضحة بأنها لن تقدم أى دعم إلا بعد إنهاء وتدمير كافة المنشآت النووية الكورية، وظهرت السياسة الأمريكية واضحة "كل شىء أو لا شىء"، وهو أمر لا تضمن بيونج يانج عواقبه، وبالتالى يبحث كيم عن خطوات للتغلب على العقوبات للتعايش معها، معولاً فى ذلك على دعم موسكو وبكين.
والمعروف أن موسكو وبكين عملتا على دعم الاستراتيجية الكورية الشمالية فى المحادثات، وهى أن تكون التنازلات مرحلية ومتزامنة ومتبادلة بين واشنطن وبيونج يانج. وأوضحت موسكو أنها لا تتوقع أن توافق بيونج يانج على نزع السلاح النووى بشكل كامل وفورى ، وتفضل فى الواقع مفاوضات طويلة لبناء الثقة المتبادلة مع واشنطن، بينما تحتفظ بيونج يانج على الأقل ببعض أسلحتها خشية تنصل الإدارة الأمريكية من عهودها فى أى وقت.

موسكو واستكمال السيطرة الاقتصادية فى آسيا
وعلى الجانب الروسى، فإن موسكو لن تدعم التجارب الباليستية لكوريا الشمالية بأى حال، فهى ترى أنها تؤدى إلى زيادة التوترات، وتوفر حافزًا للعقوبات الأمريكية والأمم المتحدة على بيونج يانج دائمًا، وبالتالى تبرير المزيد من نشر العمليات العسكرية الأمريكية حول كوريا الشمالية، مثل الدفاع عن منطقة الارتفاع العالية الطرفية "THAAD"، وهو مالا تريده موسكو، أو بمعنى أوضح تريد الخلاص منه.
أما موسكو، فمن المحتمل أن تسعى إلى الحصول على التزامات محددة من كوريا الشمالية لا رجعة فيها، لدعم المقترحات الروسية الطويلة الأمد لخط أنابيب الغاز والسكك الحديدية عبر سيبيريا، ومن ثم عبر كوريا، واستخدام الطاقة الروسية كأساس لشبكة شمالية فى شمال شرق آسيا، "لتزويد المنطقة بأكملها بالطاقة الكهربائية"، إذ أن هذه البرامج هى حجر الزاوية الاقتصادى لروسيا، وأملها لاستخدام قوتها الاقتصادية فى الطاقة، وخلق مكانة لنفسها كقوة رئيسية معترف بها فى شبه الجزيرة وفى شمال شرق آسيا، وهى أمور كانت كوريا الشمالية أساس لعرقلتها فى الماضى.

استعادة الأطراف الستة
ومن الناحية السياسية، تسعى موسكو لاستعادة عملية "الأطراف الستة"، وهى مجموعة خاصة بشمال شرق أسيا، وهى أفضل طريقة لضمان ضم روسيا إلى أى نوع من العملية التى ستغير الديناميات الإقليمية، حيث كانت روسيا رئيس لجنة فرعية خاصة بإنشاء آلية أمنية متعددة الأطراف للمنطقة.
ولا يتوقع المحللون المطلعون أن يعود كيم من موسكو ببرنامج تفاوضى جديد مقبول لدى الولايات المتحدة، إلا أنه من المحتمل أن يصبح لديه رؤية أكثر وضوحًا لما يمكن أن يقترحه على جارته كوريا الجنوبية وواشنطن، وهو ما سيمكّن الصين وروسيا من توفير الدعم الكافى لتخفيف المصاعب الداخلية فى كوريا الشمالية ودعم أى موقف تفاوضى يختاره.
الواقع يقول بأن بوتين سيصغى إلى كيم بأذان متعاطفة خلال اللقاء المرتقب، إلا أنه سيسعى لضمان توقف كيم عن عرقلة مشاريع روسيا فى منطقة شمال شرق آسيا، ومن المرجح أيضًا أن يكون التعاون الاقتصادى والمساعدة الاقتصادية على رأس أجندة اللقاء.
