ترامب وروحانى
وسربت وسائل إعلام ألمانية خطة برلين المقرر تقديمها إلى طهران فى محاولة من جانب ألمانيا وشركائها الرئيسيين فى أوروبا، وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا، لإيجاد حل عملى للأزمة المشتعلة فى المنطقة بين إيران والولايات المتحدة على خلفية الملف النووى المثير للجدل لدولة الملالى.
ومن المقرر أن يصل ماس إلى طهران بعد غدا الإثنين، حيث سيقدم للمسؤولين هناك خطة محددة الملامح تستهدف من وجهة نظر بلاده تجنيب إيران التعرض لضربة عسكرية أمريكية، فضلًا عن السيطرة على آثار العقوبات الاقتصادية الكبيرة التى تفرضها واشنطن على البلاد.

وقالت صحيفة "دى فيلت" الألمانية إن خطة ماس المقدمة لإيران تستند على بنود عدة رئيسية، أهمها التشبث بالهدوء وضبط النفس وتطليق سياسة التصعيد الكلامى وعلى الأرض وبخاصة فى الخليج وسوريا والعراق، فضلًا عن مطالبة إيران بالبقاء ضمن خطة العمل الشاملة المشتركة الخاصة بالاتفاق النووى الموقع فى 2015، والمعروفة اختصارًا بـ "JCPoA".
بنود مثيرة للجدل
بنود الخطة الألمانية تتضمن كذلك تخلى طهران عن التهديد بالانسحاب من الاتفاق النووى فى غضون شهرين، وهى المهلة التى كان الرئيس حسن روحانى قد منحها للأوروبيين الشهر الماضى ليتدخلوا لكبح جماح التصعيد الأمريكى.
وتشمل الخطة بندًا مثيرًا للجدل سيثير حتمًا غضب واشنطن، ويتعلق برغبة برلين تقديم ضمانات تدعم إبقاء آلية دعم التبادل التجارى الأوروبى الإيرانى، وهى الوسيلة التى قدمتها كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لتحفيز إيران على البقاء فى الاتفاق النووى عقب الانسحاب الأمريكى أحادى الجانب قبل عام.
يشار إلى أن ألمانيا تأخذ احتمالية اندلاع حرب بالشرق الأوسط على محمل الجد، ومن ثم تنسق مع فرنسا وبريطانيا لأجل الضغط لسحب الإيرانيين مجددًا إلى طاولة المفاوضات، استنادًا إلى حقيقة تدهور الوضع الاقتصادى لطهران، وعدم قدرته على تحمل تبعات معركة عسكرية محفوفة المخاطر فى الوقت الراهن.
وعلى ما يبدو أن واشنطن نفسها لم تعد ترغب فى ممارسة تصعيد كبير، ومن ثم أعلن وزير خارجيتها، مايك بومبيو مؤخرًا، أن بلاده لا تمانع فى حوار غير مشروط مع إيران.

بالتوازى مع ذلك تواصل وزارة الخزانة الأمريكية فرض مزيد من العقوبات على قطاعات البترول والبتروكيماويات والمصارف الإيرانية وغيرها.
وعلى أى حال، فإن الصفقة النووية مع إيران على وشك الانتهاء. ولن يمثل ذلك الصراع الوحيد الذى تواجهه طهران مع الغرب، فمن البحر الأحمر إلى الخليج الفارسى، هناك العديد من المصالح التى تتصادم.
إن تحريك حاملة الطائرات الأمريكية "إبراهام لنكولن" الشهر الماضى من البحر الأبيض المتوسط مرورًا بالبحر الأحمر، حتى رست أخيرًا فى الخليج العربى، إنما له الكثير من التبعات.
وهذه ليست المرة الأولى التى تتخذ فيها السفينة مسارًا إلى الخليج، ففى التسعينيات من القرن الماضى، تم نشر حاملة الطائرات عدة مرات فى المنطقة، فى ذلك الوقت، للإشراف على منطقة حظر الطيران فوق جنوب العراق المفروضة على صدام حسين. ومرة أخرى رست "إبراهام لنكولن" فى 2012 فى الخليج العربى، ثم فى سياق مكافحة الإرهاب الدولى ضد القاعدة.
واشنطن مجبرة وبشدة على العودة إلى طاولة المفاوضات
المهمة قبالة الساحل الإيرانى، والتى باتت وشيكة الآن، مختلفة عن المهام السابقة: بالنسبة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب يبرر نشر حاملة الطائرات بزعم أن إيران تهدد المصالح الأمريكية فى المنطقة. للسبب نفسه، نشر البنتاجون عدة قاذفات بى 52 فى قاعدة العديد العسكرية الأمريكية فى قطر، والتى تقع على بعد مئات الكيلومترات فقط من الساحل الإيرانى. والآن أصبح من المعروف أن الولايات المتحدة تنقل سفينة حربية أخرى إلى إيران.
ومع وجود القوات الأمريكية، يزداد خطر المواجهة العسكرية أيضًا، فقط بسبب سوء التفاهم المحتمل فى مضيق هرمز. ويبلغ عرض بوابة الخليج العربى، الذى ينقل أكثر من ربع احتياجات العالم من النفط، 55 كم فقط فى أضيق نقطة له.

وبعد أن أنهى ترامب الصفقة النووية مع إيران قبل عام وفرض بعد ذلك عقوبات صارمة على طهران، وبعد أن أعلن الرئيس الإيرانى حسن روحانى ردًا على ذلك أنه لا يريد تنفيذ عدة بنود حيوية فى الصفقة، فإن خطر تصعيد النزاع لم يعد كبيراً كما كان منذ إبرام الاتفاق فى 2015. كما أن أطرافًا عدة معنية باتت تنظر للأمر من زوايا مغايرة.
مفاجأة فى تل أبيب
لقد ظلت الحكومة الإسرائيلية هناك تحذر منذ سنوات من أن طهران ليست شريكا تفاوضيا، وأنها يجب أن تظل منبوذة من جانب المجتمع الدولى. وفقًا لصحفى التلفزيون الإسرائيلى باراك رابيد، حذرت وكالات الاستخبارات الإسرائيلية نظيراتها الأمريكية مؤخرًا من الهجمات الإيرانية على المؤسسات الأمريكية.
وتقوم إسرائيل بتخريب البرنامج النووى الإيرانى لسنوات، على سبيل المثال عن طريق قتل العلماء النوويين عن قصد أو إصابة أنظمة التحكم فى العديد من المنشآت النووية ببرنامج Stuxnet الضار.
امتداد طهران
فى الشهر الماضى فقط، أطلقت حركة حماس الحاكمة فى غزة وحركة الجهاد الإسلامى نحو 700 صاروخ على إسرائيل.
وظهر الجهاد الإسلامى فى أواخر سبعينيات القرن الماضى، أى بعد الثورة الإسلامية فى إيران، عبر الفرع المحلى لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، عرابة حماس. منذ ذلك الحين، يعتبر الجهاد الإسلامى امتدادًا لطهران.

وتدعم الدولة الإيرانية الشيعية، المتطرفين السنة الذين يقع مقرهم فى دمشق. على الرغم من أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين كان سارى المفعول لبضعة أيام، إلا أن متحدثًا باسم الجهاد الإسلامى حذر قبل بدء وقف إطلاق النار بوقت قصير: "لا تحلم بالسلام طالما أن الشعب الفلسطينى عليه أن يدفع الثمن".
البحر الأحمر.. إيران وإسرائيل فى نزاع كبير
يربط البحر الأحمر بين المحيط الهندى والبحر الأبيض المتوسط، وبالنسبة للشحن التجارى الدولى، تتمتع المياه بين إفريقيا وآسيا بأهمية جغرافية استراتيجية.
وقد هاجمت ميليشيا الحوثيين التى ترعاها إيران فى اليمن سفينتين قرب مضيق باب المندب فى الصيف الماضى، فيما فكرت المملكة العربية السعودية فى تعليق عمليات نقل النفط مؤقتًا فى المستقبل.
وفيما يتعلق بالسياسة الإقليمية، كانت إيران أكبر المستفيدين من الغزو الذى قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003. ومنذ ذلك الحين، هيمنت على بغداد حكومات يسيطر عليها الشيعة، وكانت صديقة لطهران. لسنوات، كانت الولايات المتحدة وإيران تتعاونان ضمنيّاً ضد تنظيم "داعش" الإرهابى. قصفت الولايات المتحدة مواقع الجهاديين من الجو، بينما تقدمت الميليشيات الشيعية بقيادة إيران على الأرض. وعلى الرغم من أن هذه المجموعات القوية أصبحت الآن تحت سيطرة الحكومة فى بغداد، إلا أن طهران تسيطر عليها بحكم الواقع.
أوروبا بقيادة ألمانية لا تزال تراهن على الحل السياسى
إضافة إلى ذلك، قامت الميليشيات الموالية لإيران، مثل "حزب الله" فى لبنان، بتثبيت نفسها فى النظام السياسى، وكانت قائمة زعيم الميليشيا المدعومة من طهران هادى الأميرى فى المرتبة الثانية فى الانتخابات البرلمانية لعام 2018.
فى الوقت نفسه، لا يزال لدى الولايات المتحدة أكثر من 5000 جندى يتمركزون فى العراق وفى الأسابيع القليلة الماضية، كثفت الولايات المتحدة جهودها للاحتفاظ بالقيادة العراقية، وكانت أحدث إشارة على ذلك الزيارة الخاطفة التى قام بها وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو فى الثلث الأول من مايو الماضى إلى بغداد.

سوريا: إيران حليف وثيق للنظام فى دمشق منذ عقود
تصالح العرب والولايات المتحدة وإسرائيل مع بقاء بشار الأسد فى السلطة. ومع ذلك، فهم قلقون من أن دولة الحرب الأهلية أصبحت بشكل متزايد منطقة انطلاق للحرس الثورى الإيرانى.
وتخوض إسرائيل حربًا فى الظل مع الجمهورية الإسلامية فى سوريا، وفى السنوات الأخيرة، هاجم الجيش الإسرائيلى مئات الأهداف الإيرانية هناك وفى يناير فقط، أصدرت إسرائيل خريطة تزعم أن إيران لديها الآن عشر قواعد فى سوريا.
لبنان: إيران متحالفة مع ميليشيا حزب الله الشيعية فى لبنان
المجموعة التى أسسها الحرس الثورى الإيرانى فى الثمانينات بعد الغزو الإسرائيلى لدولة الأرز، تعمل الآن فى أجزاء من البلاد كدولة داخل الدولة. فى تل أبيب، يقال إن "حزب الله"، بمساعدة إيرانية، قد نشر أكثر من 100 ألف صاروخ قصير ومتوسط المدى فى لبنان، تستهدف إسرائيل. منذ حرب يوليو 2006، ظلت الأجواء هادئة على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الميليشيا مشغولة بالحرب السورية. بالإضافة إلى ذلك، أسس "حزب الله" نفسه فى العقود الأخيرة كقوة سياسية فى بيروت ويمثله وزيرين فى مجلس الوزراء الذى يقوده رئيس الوزراء سعد الحريرى.
من ناحية أخرى يحاول تحالف عسكرى بقيادة المملكة العربية السعودية منذ 2015 طرد المتمردين الشيعة من السلطة. وقد أطلق الحوثيون المرتبطون بالإسلام الشيعى، من جانبهم، صواريخ متكررة صممتها إيران على الرياض وغيرها من المدن السعودية.

تلك هى تشابكات المصالح والأوراق الإيرانية الحرجة فى المنطقة، وعليه ربما باتت واشنطن أكثر قناعة بأن تصعيدها السياسى والعسكرى إنما هدفه الأساسى العودة إلى المفاوضات وفرض اتفاق نووى جديد على طهران بشروط أمريكية منفردة، لا هدفه الحرب.
وعلى ما يبدو أن واشنطن نفسها تفاجأت بهرولة إيران نحو تعليق بعض من التزاماتها فى الاتفاق النووى، ومن ثم قد بات حتميًا على إدارة ترامب أن تلجأ إلى سيناريو هادئ لحل الأزمة، متمثلًا فى العودة إلى التفاوض والتباحث السياسى بعيدًا عن لغة التصعيد العسكرى.