البث المباشر الراديو 9090
هجوم تونس
خيم شبح الإرهاب على الأرجاء التونسية من جديد، وجاءت التفجيرات الأخيرة لتعيد إلى الأذهان مشاهد لم ينسى التونسيون أثرها المرير، لتبدأ معاناة على كل المستويات، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية، أو حتى الأمنية.

وعلى بعد 100 متر من السفارة الفرنسية وقع التفجير الأول ضمن تفجيرى 27 يونيو 2019، مستهدفًا سيارة شرطة فى شارع ديجول، ليسفر عن مقتل رجل أمن وإصابة آخر، بالإضافة إلى إصابة 3 من المدنيين، أما الانفجار الثانى فكان أكثر جرأة، إذ استهدف وحدة مكافحة الإرهاب نفسها، حيث قام انتحارى بتفجير نفسه قبالة الباب الخلفى لإدارة الشرطة العدلية بالقرجانى فى العاصمة تونس، ليخلف 3 إصابات متفاوتة بين قوات الأمن، تم نقلهم إلى المستشفى على الفور.

وتأتى الضربات هذه المرة بعد أقل من سنة على مرور العملية الإرهابية التى نفذتها انتحارية بقلب شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، فى شهر أكتوبر الماضى، ليستفيق التونسيون، الخميس، على وقع العمليات الإرهابية الثلاثة الجديدة.

عمليات إرهابية أم حرب منظمة؟!

هذه المرة الإرهاب عاد إلى تونس بعد هدنة عام تقريبًا، وكأنه حرب منظمة، فبالتزامن مع التفجيرين، أعلنت وزارة الدفاع التونسية عن مجموعة إرهابية أقدمت على مهاجمة محطة الإرسال بجبل عرباطة فى قفصة، والتى تحرسها تشكيلات عسكرية، بإطلاق كثيف للنار فى الساعة الثالثة والنصف فجر الخميس 27 يونيو 2019.

فى الواقع لم تسجل هذه العملية أية أضرار بشرية حسبما أكدت الدفاع التونسية، إذ تدخلت التشكيلة العسكرية المتواجدة بالمكان فورًا بالرد، ما أجبر هذه المجموعة على الفرار بعمق الجبل، ما يعنى أيضًا أن خطرها مازال قائمًا ويهدد الأمن التونسى.

الخبير السياسى التونسى والدبلوماسى السابق عبد الله العبيدى، يؤكد أن "هذه الضربات لها أبعاد متعددة ستتضح أكثر بعد إجراء التحقيقات"، مشيرًا إلى أن "هذه الهجمات الإرهابية لها دواعى مختلفة فقد جاءت تزامنا مع تنقيحات (تعديلات) شملت القانون الانتخابى مؤخرا، وتونس على وشك تنظيم محطات انتخابية هامة".

كما أشار البرلمانى التونسى السابق إلى أن تلك "العمليات تأتى أيضا متزامنة مع الأحداث فى ليبيا، إلى جانب وجود تسرّب لعديد العناصر الإرهابية والجهادية لتونس وهناك منهم من أجريت معهم تحقيقات أمنية".

وشدد العبيدى على أنه "كما تم كشف عديد من مخابئ الأسلحة ولابد أن بعضها لم يتم اكتشافها مع تواجد عديد الذئاب المنفردة فى العاصمة، والتى تنشط ضمن مجموعات إرهابية وربما وقع التنسيق بينها".

ويرى أن "تونس تعيش حالة طوارئ ويقظة دائمة، كما أنها تشهد بداية موسم سياحى ايجابى فى ظل الحالة الصعبة التى يمر بها الاقتصاد، وهناك قليل من بصيص أمل لموسم سياحى هام يريدون (الإرهابيون) إحباطه"، هذا بالإضافة إلى أن "تونس تشكو من انعدام خطاب سياسى توافقى وسط تطفّل كثير من الهواة لمجال السياسة (لم يسمّهم) وهم لا يتقنون التعاطى مع هذه الأوضاع".

اقتصاد تونس

ضربات تستهدف قطاع السياحة

اللافت أن الهجمات الارهابية على الداخل التونسى هذه المرة جاءت فى وقت بدأت فيه مؤشرات قطاع السياحة تتعافى، إيذانا بانطلاقة جديدة بعد "ضربات موجعة" تلقتها نتيجة سلسلة من العمليات الإرهابية التى استهدفت أمنيين وسياحا أجانب منذ عام تقريبًا، كما أنها تأتى أيضا فى وقت تستعد فيه البلاد لتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ما يعنى أن أطرافًا شرق أوسطية ترى فى كساد تونس مصلحة لها..

وفى ظل تعافى مؤشرات قطاع السياحة، حيث تتوقّع وزارة السياحة التونسية استقبال 9 ملايين سائح العام الجارى.

ويشير محللون بالداخل التونسى إلى أن بلدهم تعد أحد أهم المنافسين فى الشرق الأوسط للسياحة التركية، وهى البديل لها لكثير من دول الخليج، علاوة على رغبة النظام التركى فى عرقلة المسار السياسى التونسى لحساب فصائل إخوانية تتبعها، ما يجعل أصابع الاتهام تشير إلى تركيا وبقوة فى تحريك العناصر الإرهابية فى هذا التوقيت تحديدًا، خاصة وأن النظام التركى تحالف كثيرًا مع عناصر من داعش لتنفيذ عمليات لحسابه فى المنطقة العربية.

السياحة فى تونس

محاولات لإرباك المشهد التونسى

وفى الوقت الذى تستعد فيه تونس نهاية عام 2019 إلى تنظيم ثانى انتخابات رئاسية، وثالث انتخابات تشريعية منذ ثورة يناير 2011، تأتى هذه الهجمات..

وهى، بحسب المحللين، محاولة لإرباك المشهد السياسى التونسى، حسبما أكده رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد فى تصريحات صحفية من مقر وزارة الداخلية، أمس الخميس، قائلاً إن "الحادثين الإرهابيين اللذين جدّا بالعاصمة هما عملية جبانة تدلّ على أنّ الإرهاب والإرهابيين فى حالة يأس بعد النجاحات الأمنية والعسكرية الكبيرة فى السنوات الأخيرة".

وأضاف الشاهد أن الهدف من العمليتين هو "إرباك التونسيين والإقتصاد التونسى والإنتقال الديمقراطى، خاصة وأن البلاد على أبواب موسم سياحى وبضعة أشهر من الانتخابات"، وشدد الشاهد على أن الحرب على الإرهاب التى تخوضها تونس هى حرب حياة أو موت، متابعًا: "لن يهدأ لنا بال حتى القضاء على اخر ارهابى فى تونس".

وأكد الشاهد أن الإرهاب "لا مكان له فى تونس"، داعيًا التونسيين إلى الوحدة الوطنية والثقة فى الدولة وعدم الخوف والالتفاف حول القوات الأمنية والعسكرية.

ليلة تونس الدامية التى شهدت قتل أحد المتظاهرين

بداية سياسية للإرهاب فى تونس

حادثى يوم الخميس أعادا إلى الذاكرة التونسية عددًا من الحوادث والهجمات الإرهابية الدامية التى شهدتها البلاد، وأودت بحياة الكثير من الأبرياء، فمنذ أحداث 2011، أصبحت الجرائم الإرهابية والضربات واقعًا لا خيار فيه للتونسيين، حيث تعدّدت العمليات الإرهابية التى ضربت البلاد، وتسارعت وتيرتها على مدى السنوات الأخيرة.

بدأ الإرهاب فى تونس سياسيًا، وهو النهج المتبع لدى جماعات الإسلام السياسى وأسلوبها المفضل فى تصفية الحسابات مع المعارضين، ففى 6 فبراير 2013، كان اغتيال الناشط السياسى شكرى بلعيد بالرصاص أمام منزله بولاية أريانة، ثم فى 22 يوليو 2013، اغتيال الناشط السياسى محمد البراهمى بالرياضة أمام منزله بولاية أريانة.

المعارض التونسى المُغتال شكرى بلعيد

هجمات تستهدف السياحة التونسية

وجاء الهجوم الإرهابى الأبرز الذى شهدته خلال الأعوام الأخيرة يستهدف قطاع السياحة، فكانت ضربة 18 مارس 2015 فى متحف باردو، عندما قام مسلحان باقتحام أهم المتاحف فى العاصمة، الأمر الذى أدى إلى مقتل 22 شخصا أغلبهم من السياح الأجانب، وجرح 45 آخرين، وقد قتلت القوات الخاصة المسلحين الاثنين داخل المتحف.

فى ذلك الوقت كان رد الفعل العالمى معاكسًا، إذ حظيت تونس حينها بحملة تعاطف دولية عقب الهجوم، ونظمت السلطات مسيرة بمشاركة عدد من زعماء العالم للتأكيد على الوحدة فى مواجهة الإرهاب، كما دعمت العديد من وكالات الأسفار حول العالم البلد برحلات إلى المعلم السياحى الذى تم استهدافه، تعبيرًا عن رفضها الخضوع للإرهاب، وحتى يومنا هذا، يمكن أن ترى نصبا تذكاريا فى مدخل المتحف بأسماء ضحايا الهجوم وجنسياتهم.

واصل الإرهاب مساعيه فيضرب السياحة والأمن التونسى، وفى 26 يونيو 2015، هاجم متشدد فندق امبريال فى محافظة سوسة الساحلية، فى واحدة من أكبر الضربات الإرهابية التى استهدفت القطاع السياحى بالبلاد، ليسفر الهجوم عن مقتل 39 سائحا من بينهم 30 شخصا من بريطانيا، وعدد كبير من الجرحى، وقد حققت الضربة هدفها هذه المرة، حيث فرضت السلطات البريطانية حظرا على السفر إلى تونس، ولم ترفعه إلا فى يوليو 2017.

تونس تفكك خلية إرهابية على صلة بالقاعدة

ضرب الأمن الرئاسى.. نقلة نوعية

وكان خلق التوترات السياسية هو الهدف الأول فى كل عملية إرهابية، ففى 24 نوفمبر 2015، تعرضت حافلة خاصة بالأمن الرئاسى التونسى فى شارع محمد الخامس، القريب من منشآت حيوية بالعاصمة، إلى تفجير أسفر عن مقتل 12 عنصرا من أفراد الأمن الرئاسى التونسى إلى جانب إصابة عدد آخر، وتبنى تنظيم داعش الهجوم فى وقت لاحق، فيما كشفت السلطات عن هوية منفذه الذى ينحدر من حى فقير غرب العاصمة تونس.

هذا الهجوم تحديدًا كان نقلة نوعية فى العمليات الإرهابية، فهو يستهدف رمزًا من رموز الدولة، إنه الأمن المكلف بحماية الرئيس شخصيًا والبرلمان والحكومة، لذا سارعت السلطات باتخاذ إجراءات عاجلة للتعامل مع الحادثة من بينها فرض حالة الطوارئ.

فى العام 2016، كانت مدينة بن قردان بولاية مدنين جنوب شرقى البلاد ساحة المواجهة الإرهابية الجديدة، حيث شنت الجماعات الإرهابية يوم 7 مارس، هجمات منسقة ومتزامنة منذ ساعات الصباح الأولى، على مراكز عسكرية للجيش والحرس الوطنى، إضافة إلى اقتحام المستشفى الجمهورى فى المدينة، وأسفر الهجوم عن القضاء على 49 مسلحاً والقبض على 9 آخرين، فى حين استشهد 18 شخصا من مدنيين وعسكريين وأمنيين.

تونس

انتحارية امرأة 

وفى 29 أكتوبر 2018، كانت سابقة فى تاريخ العمليات الإرهابية، إذ كانت منفذ العملية هذه المرة فتاة فى الـ30 من عمرها، والتى فجرت نفسها فى المسرح البلدى فى العاصمة التونسية، مما أدى الى سقوط 9 جرحى من بينهم مدنى و 8 أمنيين معظمهم من فرقة شرطة النجدة.

هذه العملية وصفها الرئيس التونسى الباجى قايد السبسى بالتفجير "بالفاجعة"، معتبرا أنه "موجه ضد هيبة الدولة"، وقال ساعتها: "ظننا أننا انتهينا من مكافحة الإرهاب فى المدن وما زال قائما فى الجبال، لكن ظهر من جديد".

منفذة الهجوم الإرهابى بتونس

تسلسل زمنى للحوادث الإرهابية فى تونس..

18 مارس 2015: مقتل 22 شخصًا معظمهم من السياح فى هجوم على متحف باردو فى العاصمة التونسية تونس

26 يونيو 2015: مقتل 40 سائحًا وإصابة العشرات أغلبهم من السياح فى هجوم على فندق فى سوسة

24 نوفمبر 2015: مثتل 12 فردًا من الأمن الرئاسى التونسى إثر تفجير استهدف حافلتهم وسط العاصمة

7 مارس 2016: مقتل 66 شخصًا بينهم مدنيون وعدد من قوات الأمن فى هجوم مسلح فى بن قردان

8 يوليو 2018: هجوم إرهابى يسفر عن مقتل عدد من عناصر الأمن فى شمال غرب البلاد

29 أكتوبر 2018: هجوم انتحارى نفذته امرأة استهدف قوات الأمن بشارع الحبيب بورقيبة فى العاصمة تونس

27 يونيو 2019: هجوم انتحارى استهدف دورية أمنية فى شارع ديجول وسط العاصمة تونس

27 يونيو 2019: هجوم انتحارى أمام مقر وحدة مكافحة الإرهاب فى العاصمة

وعلى هذا المنوال، فإن تحسن الوضع الأمنى، أو انخفاض عدد العمليات الإرهابية فى تونس، لا يعنى بالضرورة التعافى الكامل، إذ تبقى مخاطر الخلايا الإرهابية النائمة والمتواجدة بالمناطق الجبلية كالشعانبى والمغيله فى ولايتى القصرين وسيدى بوزيد، وهما منطقتين تعانيان الفقر الشديد، ما يجعل هذه المناطق حاضنة اجتماعية للجماعات الإرهابية التى تستغل وتيرة الفقر وهشاشة الأوضاع الأمنية فى تجنيد الانتحاريين وتنفيذ العمليات الإرهابية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز