ميركل والرجافات الغامضة
- ميركل تستعين بتجربة كاتبة أمريكية لقهر نوبات "الرعشة" المفاجئة
- احتمالات قوية لعدم بقاء المستشارة الألمانية فى الحكم حتى 2021
- مخاوف من إصابتها بنوع من الصرع أو تلف الدماغ أو أزمة نفسية
وضربت نوبات ارتجاف غامضة واهتزازات جسدية مبهمة ميركل بغتة ودون أى مقدمات، بيد أن ما زاد الأمر تعقيدا وفتح بابا للتكهنات السياسية ليس فقط فى برلين ولكن فى عواصم كبرى عدة من موسكو شرقا إلى واشنطن غربا، مرورا بلندن وباريس وبروكسل، أن فتاة هيلموت كول المدللة، ربما تكون مجبرة على التخلى عن الحكم قبل نهاية ولايتها بعامين كاملين.
وفى أقل من شهر واحد، تعرضت ميركل لنوبات ارتجاف غير مفهومة الأسباب، وجميعها فى أثناء مراسم استقبال رسمية لضيوف أجانب، أو خلال فاعليات حكومية ذات أهمية.
فى الكتاب الذى سيشارك ميركل عطلتها تتحدث المؤلفة الأمريكية، حسب مجلة دير شبيجل، عن تجربتها الذاتية فى الإصابة بنوبات ارتجاف مشابهة للحالة التى ظهرت عليها المستشارة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وذلك خلال الظهور فى مناسبات عامة، حيث بدأ أمر النوبات خلال قراءتها كلمة عن والدها بعد وفاته بعامين.

المثير أن ميركل نفسها فقدت والدتها فى شهر أبريل الماضى، ما يزيد من التكهنات بأن الحالة الصحية غير المستقرة لها إنما تعود لأسباب نفسية وطبيًا، قد تتعدد أسباب تلك الرجافات، كالإصابة بالجفاف أو المعاناة من نقص المياه فى الجسم أو الإجهاد أو انخفاض السكر فى الدم، والأخطر أن تلك النوبات ربما تكون نتيجة لأمراض خطيرة مثل الصرع، أو اضطرابات الدورة الدموية، أو جراء حدوث تلف فى الدماغ.
على هذا النحو يقف الجميع فى ألمانيا وفى خارجها، على أطراف الأصابع، فالمرأة الحديدية التى تقود أحد أقوى اقتصاديات العالم، قد تضطر لمغادرة المسرح فجأة، ما قد يخلط الأوراق على مستوى السياسة الدولية.
فى حين تنصح الكاتبة الأمريكية ميركل، بالحصول على عقاقير مثل مجموعة "بروبرانولول"، والمشهورة بأن كثيراً من الموسيقيين يتناولونه قبل الظهور أمام الجمهور.

وقد بدا المشهد مرعبا فى المرة الأولى التى ارتجفت فيها ميركل على هذا النحو المخيف، أثناء عزف السلام الوطنى على هامش استقبالها لرئيس أوكرانيا الجديد، فولوديمير زيلينسكى، فى الـ 18 من شهر يونيو الماضى، وقد علقت المستشارة الألمانية على الأمر بأنها أصبحت على ما يرام بمجرد شربها كمية من المياه، بما يوحى أن القصة كانت مجرد أمر عابر يتعلق بشعور عام بالجفاف.
غير أن النوبة الغامضة تكررت مرتين، فى 27 يونيو الماضى أثناء مراسم تنصيب وزارى جديد بالحكومة بحضور الرئيس الألمانى، فرانك فالتر فون شتاينماير، وقد سيطرت ميركل عليها عبر ضم ذراعيها إلى الصدر والتحرك بضع خطوات بسيطة، فيما رفضت تناول المياه هذه المرة، قبل أن تسافر إلى أوساكا اليابانية لحضور قمة العشرين، حيث سارت الأمور على ما يرام ودون أى مشاكل.
أما المرة الثالثة والأخيرة، فكانت الأربعاء الماضى، 10 يوليو، أثناء استعراض حرس الشرف واستقبال رئيس وزراء فنلندا، أنتى رينى، غير أن متحدث حكومى سارع بطمأنة الجميع بأن الأمر كان تحت السيطرة، وأن قليل من المياه والطعام ساعدا ميركل على استكمال لقائها بالضيف دون عوائق.
إلا أن المستشارة ظهرت فى اليوم التالى، الخميس، وفى لقطة نادرة تمامًا، وهى جالسة لا واقفة، خلال عزف السلام الوطنى واستعراض حرس الشرف فى استقبال رئيسة وزراء الدانمارك، ميت فريدريكسن.
عند تلك النقطة، بدت ميركل مجبرة على عدم ترك باب اللغط مفتوحًا وعلى مصرعيه دون تعليق مباشر وأكثر تفصيلًا من جانبها، لكن كلماتها وعلى ما يبدو قد ضاعفت الغموض، إذ قالت: "إننى على وعى بمسؤولية منصبى أولا، وبالتالى أتصرف بناء على ذلك فيما يتعلق بحالتى الصحية".. "ويمكنكم افتراض أننى كإنسانة لدى مصلحة شخصية كبيرة فى أن أتمتع بصحة جيدة وأن أعتنى بصحتى".
واختتمت تعليقها بنبرة مرح وسخرية من قرب عيد ميلادها الـ 65 : "إننى أدرك كل عام فى عيد ميلاى أننى تقدم فى العمر".
كلمات تعكس تفهم المستشارة للحساسية المضاعفة لملف صحتها الشخصية نظرا لأهمية وتأثير المنصب الذى تتولاه منذ العام 2005 وحتى الآن، إلا أنه لم يكشف بوضوح عن أى سبب لنوبات الارتجاف.
ويتعامل الألمان بصفة خاصة مع المرض الشخصى للوزراء والمستشارين ورؤساء وزراء الولايات وغيرهم من أصحاب الوظائف الرسمية الرفيعة بنوع من التقدير للخصوصية، فلا يهتم أحد أو يسعى حتى إلى معرفة أى تفاصيل شخصية فى هذا الشأن، طالما أن صاحب الأمر يتخذ من الاجراءات الصحية والرسمية ما يساعده على ممارسة مهام عمله دون عوائق، وطالما أن المسؤولين المعنيين وفق القانون العام وقبله القانون الأساسى "الدستور"، على دراية واضحة بالمعلومات كافة.
وكشف استطلاع رأى لمعهد سيفى الشهير لقياس توجهات الرأى العام نُشرت نتائجه السبت، أن "59% من الألمان أعربوا عن معارضتهم لأن تدلى المستشارة أنجيلا ميركل بمعلومات علنية مفصلة عن حالتها الصحية، معتبرين ذلك شأنا شخصيا للمستشارة"، حسب هيئة الإذاعة الألمانية، دويتشه فيله.

وبدت الصحافة ووسائل الإعلام فى ألمانيا، بالإضافة إلى مختلف النوافذ الحزبية والسياسية هناك، أكثر تحفظًا فى محاولة استجلاء حقيقة مرض ميركل، غير أن البعض كان له رأيا آخر، فذكرت صحيفة "بيلد" واسعة الانتشار، المستشارة بمقولة شهيرة لها كانت قد أعلنتها فى العام 1997، حينما كانت تتولى آنذاك منصب وزيرة البيئة فى حكومة هيلموت كول: "أرغب فى اختيار الوقت الصحيح لاعتزال السياسة، هذا أمر أصعب بكثير مما كنت أتخيله فى السابق، لا أرغب فى الانتظار حتى أتحول لحطام بالكاد يقدر على الحراك"، ومن ثم قالت الصحيفة بحسم إن " المستشارة وعلى كل ليست حطامًا، لكن يبدو أنها فوتت التوقيت المناسب للاعتزال، الارتجاف الذى لا يمكنها السيطرة عليه هو إشارة كاشفة سيئة".
وكشفت "بيلد" كذلك أن قلقا كبيرا يتصاعد حاليا فى أروقة حزب ميركل "الاتحاد المسيحى الديمقراطى"، خشية ألا تتمكن من استكمال مدتها الحالية كمستشارة لألمانيا والتى من المقرر أن تنتهى فى العام 2021.
وكانت ميركل تنحت عن رئاسة الحزب الخريف الماضى، وذلك بعد 18 عاما كاملة فى موقعها الأثير، لتخلفها تلميذتها المقربة، أنجريت كرامب- كارينباور "تولت وزارة الدفاع مؤخرًا"، غير أن سيدة ألمانيا القوية قررت الاحتفاظ بمنصب المستشارة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر حزبية داخلية، أن "الارتعاشات أشعلت النقاش الداخلى فى الحزب بشأن إمكانية صمود الجدول الزمنى المتفق عليه بين ميركل وكرامب- كارينباور المتعلق بعدم تسليم السلطة قبل 2021"، لكنها نوهت إلى أن الجناح المحافظ داخل الحزب يدعم إصرار المستشارة وخليفتها المحتملة على استكمال الترتيبات الزمنية دون أى تغيير، فهل تصمد ميركل؟.
لكن تصعيد كرامب- كارينباور فى الحكومة الألمانية قد يكون ضمن خطة تمهيد الحكم لسياسية من مدرسة ميركل.