ليبيا تُحيى الذكرى السادسة للثورة
إنها ليبيا.. تلك الكعكة النفطية التى سال لها لعاب العثمانيون الجدد، بزعامة رجب طيب أردوغان، وتحركت لأجلها المؤامرات والترسانات العسكرية، لتبقى البلد العربى جريحة فى الشمال الإفريقى، ودليلاً دامغًا على جريمة دولية منظمة، خطط لها الأتراك بأموال قطرية، وتورطت فيها دول "الناتو"، أكبر حلف عسكرى فى العالم، وليس كما زعموا عملاً إنسانيًا نبيلاً لحماية المدنيين أو زرع الديمقراطية كما خرج علينا الناتو بشعاراته..!
إن أحداث ثمانية أشهر عاشتها ليبيا وأهلها بدءًا من 19 مارس، تحت ضربات حلف شمال الأطلسى تؤكد أن المسألة برمتها كانت عملية عسكرية مرسومة بحرفية دولية، لتدمير بلد آمن وثرى وعضو فى الأمم المتحدة، وإسقاط نظامها السياسى، لتصبح ليبيا مشاعًا للميليشيات الإرهابية وسارقى النفط من القوى الرأسمالية الغربية، ومسرحًا للمساومات الدولية الكبرى.
وبعيدًا عن شعارات الناتو ودعايات زرع الديمقراطية واجتثاث الأنظمة الديكتاتورية، فإن مسألة النفط الليبى، ودور الرئيس الليبى المغدور معمر القذافى فى إفريقيا فى آخر سنواته، وهو ما يمثل تهديدًا لقوى الناتو الرئيسية وإرثها الاستعمارى فى القارة السمراء، وهدم ليبيا من أجل إعادة الاعمار وتشغيل محركات الشركات الأوروبية والتركية، والأهم هو استهداف ليبيا كامتداد للأمن القومى المصرى، ما يعنى أن القدرة على المساس بأمن مصر سيكون بداية لتداعى بقية المنطقة التى كانت مصر ولا تزال عمود خيمتها بحكم العوامل الجيوسياسية والتاريخية.

مجلس الأمن يتواطئ مع الناتو
عندما تدخل مجلس الأمن فى المسألة الليبية فى مارس 2011، كان أقصى ما يذهب إليه ذهن المتابع أن القرارات ستتعلق بإحالة الوضع فى ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو حتى حظر السفر والأسلحة، وربما يصل الأمر إلى تجميد الأصول الليبية فى الدول الغربية، وإقامة حظر طيران جوى حول الأجواء الليبية على أبعد تقدير ـ هذا على الرغم من أن مسوغات القرارين لم تكن تستدعى أبدًا أى من هذه التحركات، أما أن يتعلق الأمر بضربات عسكرية من قوى الناتو الدولية للجيش الليبى بزعم إقتلاع النظام السياسى للقذافى، فإن هذا لم يتصوره أحد!
إلا أن مجلس الأمن أصدر قراريه 1970 و1973، ليثبت بهما أن المجلس لا يتعدى أن يكون الذراع السياسية لحلف الناتو، ليصبح مجلس الأمن متواطئًا مع الناتو فى جريمة عنوانها "تدمير ليبيا ونشر الإرهاب على أراضيها".
وبكل جرأة خرج أمين عام حلف الناتو آنذاك، أندرسن فوج اسموسن، إلى الرأى العام يؤكد أن "تحرك الحلف ضد النظام الليبى كان بمقتضى تفويض قوى من مجلس الأمن، ودعم واضح من دول المنطقة"، لتكشف تصريحاته عن مخطط محكم لا علاقة له بمزاعم القوى الغربية الرأسمالية عن الديمقراطية أو حماية المدنيين فى ليبيا، ولم يكن غريبًا فى ظل هذا السياق أن تستهدف ضربات الناتو المدنيين قبل القواعد العسكرية للجيش الليبى.

مجلس الأمن الدولى
تلك الترتيبات بين الناتو ومجلس الأمن تعرض صورة من مزيج نادر لم يشهده العالم فى مواقف أخرى، ما يؤكد أن موقف الدول المشاركة فى الهجوم على ليبيا لم يكن مبنيًا أصلاً على الادعاءات التى روج لها الناتو آنذاك، بل كان تحرك مرسوم بإحكام لتنفيذ مخطط متكامل لتدمير بلد آمن وعضو بالأمم المتحدة، والإطاحة بنظام شرعى، فى انتهاك صارخ للقوانين والشرائع والتقاليد والأعراف الدولية.
وبوضوح، جاء قرارى الناتو لخدمة أهداف القوى الاستعمارية الغربية الكبرى، استكمالاً لما بدأته تركيا وقطر من تحريك لثورات أججتها تيارات الإسلام السياسى وجماعات المتطرفين، والتى تحولت فيما بعد إلى ميليشيات تخريبية ـ وكانت بمثابة حصان طروادة الذى اتخذته تلك الدول ذريعة للتدخل العسكرى فى ليبيا بقرارات أممية، وبدءًا من الصيغة المفتوحة فى قرارى مجلس الأمن، وانتهاءًا بما آل إليه الوضع فى ليبيا ونزاع حلفاء الناتو الحالى على نفط البلد المنكوب تتأكد ملامح جريمة دولية نكراء..

قطر تشارك عمليات الناتو لتسليح مليشياتها الإرهابية
فى 31 مارس سلمت فرنسا المهمة لحلف شمال الأطلسى "الناتو"، ليبدأ عملية عسكرية أطلق عليها اسم "الحامى الاوحد"، وشارك فيها 40 دولة، كان من بينها قطر، والمفترض أنها دولة عربية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مشاركة قطر فى ضرب ليبيا تميزت بكونها عملية نوعية، وكانت هذه هى الحيلة التى لجأت إليها إمارة الشر لتسليح الميليشيات الإرهابية على الأراضى الليبية، واتسمت عملياتها الجوية بنقل الاسلحة جوا بين المدن الليبية والدعم اللوجيستى بالسلاح والمال والمسلحين، ووفقًا للوثائق فإن قطر قدمت 4 مقاتلات ميراج 2000 للميليشيات الليبية والمنشقين عن القوات المسلحة، وهو العتاد العسكرى الذى دخل فى إسقاط سبها فى الجنوب الليبى فى أيدى المليشيات الإرهابية المدعومة من قطر.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العمليات القطرية والتركية فى الإمداد بالمسلحين والميليشيات لزرع الإرهاب فى أرض ليبيا كانت الطريقة التى خططت بها أنقرة والدوحة لتحويل الأرض الليبية إلى جحيم لا تملك مفاتحه إلا البلدين المحركان للميليشيات الإرهابية، وبالتالى تعود دول الناتو من حيث أتت، بعدما أدت مهمتها بالتسويغ لضرب وتدمير ليبيا وفق قرارات أممية، وتصبح وعود النفط من جانب "الوفاق" التى تحركها قطر وتركيا هى جُل أمال دول الغرب.
وانتهت عملية "الحامى الأوحد" بقتل الزعيم الليبى معمر القذافى، حيث استمرت الضربات على ليبيا حتى يوم 20 أكتوبر 2011، وانتهت باستهداف القذافى فى مدينة سرت عندما قصفت الطائرات الفرنسية موكبه الذى خرج به لفك الحصار المفروض على المدينة.

ورغم ما كان، لم يتوارى الجيش الوطنى الليبى عن المشهد واستطاع بقيادة المشير خليفة حفتر من إعادة بناء صفوفه واستعادة الأرض الليبية من براثن الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية، ولقنهم درسًا قاسيًا بمساندة ودعم الشعب الليبى الذى عان بكل طوائفه وقبائله وعوائله من ظلمة الإرهاب وسفك الدماء، ولم يبقى أمام الجيش إلا تطهير الجزء الأخير من ليبيا من الإرهاب، إلا أن الاختبار قد يتطلب المزيد من العمل والصبر هذه المرة، حيث التحم غطاء الشرعية الدولية الذى منحته دول الغرب لرئيس حكومة الوفاق فائز السراج مع الميليشيات الإرهابية الممولة من قطر، والمنشقين القدامى عن الجيش ممكن كونوا ميلشيات يتحكمون بها، وعمومًا فإن ما حققه الجيش الوطنى على مدار السنوات الأخيرة يؤكد أن استعادة كامل الأراضى الليبية لن يتأخر كثيرًا.
تركيا.. الإرهاب فى خدمة أطماع العثمانيين الجدد
إن أصدق ما يمكن أن يُقال عن دور الرئيس التركى رجب طيب أردوغان فى ليبيا، هو ما عبّر عنه المعارض كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعوب الجمهورى، عندما قال صراحة: "فلتتراجع عن إرسال شحنات الأسلحة إلى ليبيا، ويكفى ما أرسلته إلى سوريا، لقد جعلت الأخ يقتل أخاه، يكفى هذا الأمر فهذا الدم كله لمسلمين، وأنا لا أفهم بالتحديد ماذا تريد من ليبيا، بدلاً من أن تكون أداة لإحلال السلام وإنهاء الحرب، ترسل السلاح لفريق على حساب الآخر لتزيد العداء بينهم!".
ولم تأتى تصريحات كليتشدار أوغلو من فراغ، فإن تركيا التى توفر دعمًا غير محدود لميليشيات حكومة الوفاق فى طرابلس، وتزودها بجسر بحرى يضم مركبات مدرعة وطائرات مسيرة ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، هذا بالإضافة إلى المسلحين من المتطرفين وجماعات الإرهاب، بمعاونة قطر، وهو ما يخرق قرار مجلس الأمن فى مارس 2011 الخاص بحظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا.
ومنذ البداية، فى عام 2011، كانت تركيا فى قلب عملية حلف شمال الأطلسى "الناتو"، ومنذ ذلك الحين، عمدت أنقرة إلى دعم الميليشيات الإرهابية ضد الجيش الوطنى الليبى، ليتطور الأمر إلى حد العداء الصريح ضد الجيش الذى يقوده المشير خليفة حفتر.
وفى الوقت الذى تحولت فيه ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية، سعت أنقرة والدوحة لتحويلها إلى أكبر مستودع للإرهاب فى المنطقة، لإطالة أمد الحرب الأهلية التى تعصف بالبلاد منذ أكثر من ثمانى سنوات، فى محاولة للسيطرة على مقدرات وثروات ليبيا فى ظل حالة من الانشطار السياسى تعانيها البلد المكلوم.

ماذا يريد أردوغان من ليبيا؟!
ربما تبدو إجابات هذا السؤال واضحة فى كثير من جوانبها، إلا أن ليبيا تبقى كنز من الأطماع فى عين الإخوانى رجب طيب أردوغان، فى صدارتها سلب ثروات البلاد من النفط والعملة الصعبة التى تحصل عليها أنقرة من الميليشيات الإرهابية التابعة لحكومة طرابلس العميلة، وهى الثروات التى قدرها تقرير لـ"التايمز" بأنها تبلغ 18 مليار دولار سنويًا، علاوة على ترويج وبيع السلاح التركى، فضلًا عن دعم حلفائها من الإخوان بعد انهيار مشروعهم فى مصر، بالإضافة إلى مناوئة مصر واليونان وقبرص فى غاز شرق المتوسط، علاوة على استثماراتها الهائلة فى ليبيا، والتى تخشى من تجميدها للأبد، علاوة على مشروعات إعادة الإعمار التى تبدو كعكة يسيل لها لعاب الأتراك.
والأهم بالنسبة لتركيا وقطر فى كل هذا، هو الموقع الجيوسياسى لليبيا، والذى يجعل منها امتدادًا للأمن القومى المصرى، وبالتالى فتح الباب للجماعات الإرهابية التى تحركها أنقرة والدوحة لتنفيذ عمليات إرهابية بهدف النيل من استقرار مصر، سعيًا لتنفيذ بقية الحلم الاستعمارى للعثمانيين الجدد، بزعامة أردوغان.
وفى سبيل السيطرة على ليبيا، كانت أنقرة تتحرك وفق خطط أعدت لها سلفًا، أهم خطوات هذه التحركات كان نشر عناصرها الاستخبارية، وكذلك فتح جسر جوى وبحرى من السلاح والمتطرفين، فى محاولة للإبقاء على وضع من الفوضى والخراب يسمح لتركيا وقطر بتعميق دورهما داخل ليبيا.

ليبيا.. امتداد الأمن القومى العربى
لكن هيهات، فكلما أوقد أردوغان وأعوانه للحرب نارًا، أطفأها التحالف العربى، وفى مقابل المساعى التركية السافرة لضرب ليبيا وزعزعة الاستقرار على أراضيها، كانت دول التحالف العربى "مصر والسعودية والإمارات" تقف لها بالمرصاد، معلنين دعمهم لإستعادة الدولة الليبية من بين براثن الميليشيات الإرهابية والحكومة العميلة لحساب تركيا وقطر، والمسماة بحكومة "الوفاق"، برئاسة فائز السراج، حيث تدعم الدول الثلاث حكومة طبرق المنتخبة، والجيش الوطنى الليبى، بقيادة المشير خليفة حفتر، فى إطار سعيه لاستعادة السيطرة على الأراضى الليبية واسترداد العاصمة من الميليشيات الإرهابية لحكومة طرابلس المدعومة من تركيا. فقد أدرك الجميع أن ليبيا امتداد طبيعى للأمن القومى العربى.
والحقيقة على الأرض تؤكد أنه مهما طال آمدها، فلا تستطيع ميليشيات إرهابية أو جماعات متطرفة أو قوى غاصبة أن تبقى فى مواجهة جيش وطنى يسعى لتحرير بلاده، وهو ما أثبته الجيش الوطنى الليبى، بقيادة المشير خليفة حفتر، فقد تمكن بالفعل من تحقيق انتصارات ساحقة على الإرهاب فى ليبيا، حتى وقت قريب، وقد واصل زحفه من شرق البلاد، يحرر المدينة تلو الآخرى، حتى تمكن من حصر الجماعات المتطرفة والميليشيات الإرهابية المدعومة من قطر وتركيا داخل العاصمة طرابلس، التى تقبض حكومة الوفاق العميلة عليها، وتحرك من خلال الميليشيات الإرهابية، وتدور رحى المعركة حاليًا على أرض طرابلس لصالح الجيش الوطنى الليبى، الذى يكشف بتحركاته الجادة فى كل يوم عن أبعاد جديدة للمؤامرة التركية والقطرية على الشعب الليبى.

تحركات تركية وقطرية مشبوهة
والمشكلة الأهم التى تواجه الشعب الليبى هو أن أطرافًا خارجية ـ تركيا وقطر ـ تسعى لإطالة آمد الحرب والعمليات الإرهابية، بل إن تركيا وضعت ترسانتها العسكرية رهن إرهابيى طرابلس، خاصة وأن أردوغان يرى فى الجيش الوطنى الليبى تهديدًا خطيرًا لمصالحه وأطماعه فى ليبيا، فقد تحول غرب ليبيا إلى سوق للسلاح التركى الذى يشتريه الإرهابيون بالنفط والدولار.
وبالفعل سلمت أنقرة شحنات أسلحة مباشرة، منذ بدء عملية الجيش الليبى على طرابلس، بما فى ذلك الطائرات المسيرة والعربات المدرعة، إلى مجموعات تدعم الحكومة فى طرابلس، وقد أشارت بعض تقارير وسائل إعلام مختلفة فى مصر واليونان عن تورط الضباط الأتراك المباشر فى المعارك، وهو ما كشف عنه القبض على عدد من ضباط الاستخبارات التركية فى ليبيا، إذ سقطوا أسرى فى يد الجيش التركى أثناء تقدمه فى طرابلس.
ويشير عسكريون إلى أن فقدان الجيش الليبى سيطرته على مدينة غريان، البالغ عدد سكانها 200 ألف نسمة وتبعد 62 ميلاً إلى الجنوب من طرابلس، يُعزى بشكل كبير إلى حد كبير إلى الدعم العسكرى الهائل الذى تتلقاه التنظيمات المتطرفة والعناصر الإرهابية من قبل أنقرة.

عبر أوكرانيا.. «جسر إردوغان الجوي» لدعم الإرهاب
وفى ظل الهزائم المتتالية التى يتعرض لها غلمان إردوغان، فى حكومة الوفاق الإخوانية، على أيدى قوات الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر، اضطر الرئيس التركى لإرسال مزيد من الدعم، عبر أوكرانيا، وهو الدعم الذى تمثل فى دفعات من أسلحة وطائرات ومقاتلين.
وبحسب صحيفة "المرصد" الليبية، فقد سخر إردوغان طائرة لإمداد حكومة الوفاق الإخوانية بالأسلحة والطائرات بشكل مستمر عبر الخطوط الجوية الأوكرانية، حيث كشفت معلومات نُشرت فى 6 يوليو الجارى وتداولتها بعض التقارير أن الخطوط الجوية الأوكرانية نقلت معدات عسكرية ثقيلة من تركيا إلى ليبيا.
وأكدت التقارير والمعلومات أن تركيا استخدمت طائرة من نوع "إليوشن إى أل-76" للتنقل بين مطار إسبنوغا الدولى فى تركيا ومطار تابع لشركة "the SkyAviatrans” فى أوكرانيا لتحط المعدات التركية التى من بينها طائرات مسيرة، لينتهى بها المقام فى مطار مصراتة الدولى فى ليبيا.
الأمر أكدته تقارير حركة الملاحة الدولية بشأن مسار الطائرة الأوكرانية عبر الأقمار الصناعية، والتى أكدت الأمر، حيث تبين أن الرحلة "KTR 7220" أقلعت من 03:07 إلى 06:07 بين تركيا وليبيا، عبر شركة "the SkyAviatrans التى تتخذ من العاصمة الأوكرانية كييف مقرا لها.
مسار الرحلة المشبوهة يكشف أن مطار Kryvyi Rih Lozuvatka (كريفى ريه الدولى) فى أوكرانيا انطلقت منه طائرة "إليوشن إى أل-76" التابعة لشركة "the SkyAviatrans" إلى تركيا لتحميل بضائع ثم إلى ليبيا حيث حطت فى مطار مصراتة.
كما أكدت تقارير الملاحة أن الطائرة الأوكرانية تركت مطار إسبنوغا الدولى التركى فى أنقرة، حيث تدير الشركة التركية لصناعات الفضاء (TAL) عدة منشآت ومطار فى شمال غرب أنقرة، وتؤكد التقارير أن بعضا من الرحلات التى تحلق فوق تركيا يتم حجب نظام التحديد الخاص بها (IFF)، على الأرجح لإخفاء مساراتها الحقيقية.
كما كشفت تقارير الملاحة الدولية فى 6 من يوليو الجارى، وجود صور للطائرة "إليوشن إى أل-76" فى مطار مصراتة (وليس مطار معيتيقة)، ليتأكد بهذا ما نشر من تقارير حول تسلم حكومة الوفاق الوطنى طائرات دون طيار ومعدات عسكرية من قبِل تركيا صحيح بكل تفاصيله.

الجيش الليبى يلاحق الإرهاب ومموليه
منذ بدا الجيش الليبى عمليته العسكرية "طوفان الكرامة" فى أبريل الماضى، لتحرير أرض الغرب اللييبى من الميليشيات الإرهابية، نسمع يومًا بعد يوم عن سقوط وهزائم تركية على أرض ليبيا، وما بين سقوط عناصر الاستخبارات التركية والمعدات العسكرية التركية أو الطائرات التركية، تلاحق الهزائم أردوغان وميليشياته الإرهابية فى الداخل التركى.
وأعلن سلاح الجو بالجيش الوطنى الليبى فى يوليو الجارى عن تدمير غرفة التحكم الرئيسة للطائرات الدرونز (دون طيار) تركية الصنع بمطار معيتيقة فى العاصمة طرابلس، بحسب المتحدث باسم سلاج الجو، لدرجة أن فائز السراج لم يعد يرى فى هذه الطائرات المسيرة أملاً، ويرغب فى الحصول من تركيا على المال والتدريب لميليشياته لوقف زحف الجيش الوطنى الليبى، وهو ما وعد به أردوغان، لذا يتوقع المراقبون أن تتزايد عمليات الجسر الجوى الذى يتحرك عبر أوكرانيا لمد الميليشيات بمزيد من السلاح والمقاتلين، والذين يسعى أردوغان لنقلهم من منطقة الشمال السورى.
وقد كشف موقع "Africaintelligenc" القريب من الاستخبارات الأوروبية والإفريقية عن تفاصيل لقاء أجراه السراج مع أردوغان فى قصر "دوله بهتشمة" فى تركيا مؤخرًا، مشيرًا إلى أن السراج وصل إلى إسطنبول على تمام الساعة 4:30 مساء الجمعة بالتوقيت المحلى لليبيا، فى زيارة غير مخطط لها تم الترتيب لها على عجل من أجل الحصول على مزيد من المساعدات العسكرية والمالية من حكومة إردوغان.
وكشف الموقع نفسه عن توجه تركى لتسليم حكومة السراج فى طرابلس دفعة جديدة من الطائرات المسيرة دون طيار، فى خرق جديد للقرارات الدولية بشأن حظر توريد السلاح إلى ليبيا.
وعلى الرغم من الدعم التركى الذى لا يتوقف، فإن الجيش الليبى أصبح يسيطر بالفعل على نحو 7 محاور للعاصمة طرابلس، إضافة لتحقيق تقدم إلى داخلها، إلا أن المشير حفتر يفضل التحرك بخطوات بطيئة، حرصًاعلى حياة المدنيين الذين تستهدفهم الميليشيات الإرهابية بالطائرات والصواريخ، ويسعى الجيش لتطوير هجماته لحصار ميليشيات الوفاق ودخول قلب طرابلس فى الوقت الراهن.

كيف عاد «جيش ليبيا الوطني»؟!
بعد ضربات حلف شمال الأطلسى على ليبيا، استفاق المواطن الليبى على واقع أليم، ففى العاصمة حكومة لا علاقة للمواطن الليبى بها، تم تعيينها فى غفلة من الزمن، بدعم من تركيا وقطر بما لهم من مصالح وأطماع داخل الأراضى الليبية، وبمباركة غربية، وهى مساومات تمت فى الخفاء لتجلب الإخوانى فائز السراج رئيسًا لما يسمى بـ"حكومة الوفاق"!
وكان الواقع فى طرابلس أكثر مرارة، فقد أصبحت العاصمة ليبيا تحت سيطرة ميليشيات إرهابية مسلحة، وكأن الدولة عضو الأمم المتحدة لا تعرف شيئًا عن الدول النظامية أو الجيوش والحكومات.
جيش وطنى فى مواجهة ميليشيات إرهابية
وفى الوقت الذى كان فيه المشير خليفة حفتر ومساعدوه يعيدون بناء الجيش الليبى من جديد، كانت هناك أربع ميليشيات فى طرابلس تابعة لما يسمى بحكومة الوفاق، واعتمدت الحكومة المزروعة فى ليبيا على تلك الميليشيات التى تكونت فى الأساس من متطرفين وإرهابيين دوليين، من أجل توفير الحماية وضبط الأمن وتنفيذ مخططات أخرى بوازع من قطر وتركيا لاستهداف دول الجوار الليبى.
وتمركزت ميليشيات الوفاق فى طرابلس، لا سيما عندما استشعرت نهايتها بعد النجاحات التى حققها الجيش الليبى فى طول البلاد الليبية وعرض، وبات قريبًا من القضاء على أذيال تلك الميليشيات الإرهابية تمامًا فى مصراتة ودرنة والشرق الليبى كله، وهو ما دفع الميليشيات الأربعة للإعلان فى ديسمبر 2018 عما أسمته تحالف الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق، فى محاولة للبقاء والتشبث بالحكومة العميلة التى زرعتها دول الغرب بمعاونة تركيا وقطر للاستيلاء على مقدرات النفط الليبى.

وضع معقد يحكمه الردع العسكرى
إن المعاناة التى وصلت إليها ليبيا حد انتشار العصابات والميليشيات جعل الحديث عن حل سياسى على أرض ليبيا درب من دروب الخيال، فالواقع فى المشهد الليبى يحكى عن أوضاع شديدة التعقيد، بدءًا من العصابات المسلحة التى تتحرك وفق إيديولوجيات دينية متطرفة، وعصابات سياسية تسعى لمزيد من المكاسب، وعصابات إجرامية تستحل دماء الليبيين وأعراضهم وأموالهم.
هذا إلى جانب هموم أخرى تتعلق بالفساد المتشعب والنهب السرقة لثروات ليبيا وتحويلها إلى مشاع لكل مرتزق وطامع، وهو مشهد كلى يحكى ضرورة التصدى بالردع العسكرى وتوحيد قيادة بلد شرذمته الصراعات والحروب.
والمشكلة الحقيقية التى قد يواجهها القائد العسكرى القوى هو توريط بعض شباب ليبيا فى الانضمام إلى تلك العصابات والحروب تحت شعارات جوفاء، لتصعد جماعة الوفاق والميليشيات المسلحة على جثث هؤلاء الشباب وجراحهم وإعاقتهم.

الجيش الوطنى على أبواب طرابلس
فى 27 مارس، أعلن المتحدث باسم الجيش الليبى اللواء أحمد المسمارى، أن الجيش لن يسمح بتكوّن حزب مسلح كميليشيا حزب الله فى ليبيا.
وأكد المسمارى، فى كلمته خلال اجتماعات الجيش مع وزارة الخارجية التابعة للحكومة المؤقتة فى شرق البلاد، أن "الجيش لن يرضى بحزب مسلح فى العاصمة الليبية طرابلس ترعاه الأمم المتحدة"، فى إشارة إلى التشكيلات المسلحة فى العاصمة طرابلس، والتى تعمل بعثة الأمم المتحدة على إدخالها فى حوار سياسى والمشاركة فى السلطة.
وأعلنها المسمارى صراحة: "الجيش سيدخل العاصمة طرابلس ولكن فى الوقت المحدد والمدروس".

فشل رهانات الميليشيات
وبعد أسابيع قليلة من تحرك الجيش الليبى صوب طرابلس، تأكد من واقع المعايشة والاشتباكات المستمرة أن ممارسات الميليشيات التابعة لحكومة فائز السراج، تؤكد مرّة أخرى أن سلطات طرابلس الحالية حشرت نفسها فى زاوية ضيقة، وباتت مجرد أداة فى يد جماعات الإسلام السياسى والميليشيات المتطرفة المتحالفة معها.
ويشير المطلعون على الوضع فى قلب طرابلس، وتحديدًا فى قاعدة بوستة البحرية، أن الحاكم الفعلى الآن فى مجلس الوفاق وحكومته، هو فتحى باشا أغا وزير الداخلية المفوض، الذى عينه السراج فى هذا المنصب فى أكتوبر 2018 من أجل ضمان ولاء ميليشيات مصراتة، فأصبح الحاكم بأمره فى العاصمة، وفى المجلس والحكومة.
ففى أحد الأيام استفاق الليبيون على خبر سيطرة قوة حماية الجنوب التابعة لحكومة الوفاق على قاعدة تمنهنت الجوية، جنوب شرق سبها، واندفعت وسائل إعلام الإخوان لا سيما الجزيرة القطرية تهلل للخبر، وتباركه، وتعتبره خطوة فى طريق انتصار الوفاق وبسط نفوذها على الجفرة، وما هى إلا ساعات قليلة حتى انتهى الحلم الإخوانى وتحول إلى كابوس، فقد حرر الجيش قاعدة تمهنت فى يناير 2019، وسلمها إلى جهة مدنية للإشراف عليها وتسييرها، وتم تشغيل المطار بقوة مدنية طبيعية.
وتكرر التهليل الإخوانى للوفاق فى قرية العزيزية، الواقعة بين طرابلس وغريان، ليتبين لاحقًا أن الأمر لم يعدو كونه محاولة اعتداء من إحدى ميليشيات الوفاق على قوة تابعة للحكومة المؤقتة التى شكلها الجيش، وتم التصدى لمسلحى الميليشيات وكان يقودهم أسامة الجويلى وعماد الطرابلسى، وكانت عملية حصاد واسعة للإرهابيين المنضوين تحت لواء الميليشيات المسلحة.
نظرة مستقبلية.. عين على الصراع
باختصار أصبحت الانتصارات العسكرية على أرض ليبيا للجيش الوطنى تؤكد أن المسألة لم تعد حربًا بقدر ما هى مطاردة لجيوب إرهابية تتمثل فى ميليشيات إرهابية مسلحة، على الرغم من الدعم الذى تلقاه من أنقرة، ويبدو أن الموقف الدولى بدا فى الإقرار بواقع وقوة الجيش الوطنى الليبى وقدرته دون غيره على السيطرة على الوضع المتأزم داخل بلد ضربته الحرب والميليشيات الإرهابية والعصابات.
لقد أوشكت طبول الحرب على وقف قرعاتها فى غرب ليبيا لصالح الجيش الوطنى، فى إعلانٍ صريح لهزيمة عملاء رجب إردوغان وميليشياته، واقتراب الليبيين من استعادة بلادهم كاملة موحدة، بعد التخلص من الميليشيات الإخوانية الممولة من أنقرة، إعلانًا لنجاح عملية "طوفان الكرامة" التى أطلقها الجيش الليبى، منذ أبريل الماضى، لتحرير العاصمة طرابلس من الإرهابيين.
وقد اعترفت مصادر عسكرية بحكومة الوفاق الإخوانية، المدعومة من أنقرة والدوحة، بأن قواتهم فقدت تمركزاتها فى محور عين زارة، بعد أعنف يوم من القتال شهدته طرابلس، هذا بالإضافة إلى استرداد الجيش الليبى معسكر اليرموك جنوب العاصمة وعدة محاور أخرى.
وتمكنت قوات الجيش الوطنى من تحرير العديد من مدن الغرب، من أيدى الإرهابيين الذين يعملون وفق توجيهات تركيا وتحت قيادة فريقها العسكرى، المكون من 21 ضابطاً يقودون العمليات، مستخدمين أسلحة تركية الصنع وعربات وطائرات مسيرة ترسل علناً من أنقرة.

ويكفى أن القوات الليبية تمكنت من إسقاط سبع طائرات تركية من دون طيار منذ 4 أبريل الماضى، والتى أسقطت الدفاعات الجوية ست طائرات منها فى ضواحى طرابلس وأخرى جنوبى البلاد.
ولم يعد فى الأمر مواربة، ويمكن القول بأن بيان الإعلام الحربى للجيش الوطنى الليبى باتت مؤشرًا على عودة الدولة الليبية، وانتهاء دور الميليشيات وداعميها قريبًا، فقد أشارت الشعبة الإعلامية فى بياناتها الأخيرة إلى أن القوات المسلحة الليبية دفعت بكافة الإمكانيات والخبرات العسكرية المُتاحة لتأمين المجال الجوى الليبى.
وبمنطق القوة الوطنية فى الردع، يؤكد الإعلام العسكرى، أنه لن يُسمح للميليشيات المسلحة بانتهاك سيادة المجال الجوى الليبى، وتهديد المدنيين والمنشآت الحيوية، تزامنًا مع حصول ميليشيات الوفاق، خلال الأيام الماضية، على شحنة جديدة من الطائرات التركية من دون طيار، على متن طائرة أوكرانية تحركت من أنقرة إلى مصراتة، وقد أسقطت عدة طائرات تركية مسيّرة من دون طيار، تستخدمها قوات الوفاق لاستهداف عناصر الجيش والمدنيين.
ويبدو أن إعلان نهاية الميليشيات على أرض ليبيا بات قاب قوسين أو أدنى، لتبدأ بعدها سلسلة من الإجراءات الليبية لاستعادة الدولة بكل كياناتها ومؤسساتها الرسمية، وتبدأ محاسبة كل من سولت له نفسه نشر الإرهاب والدم على أرض ليبيا، ما يعنى أن استثمارات تركيا فى ليبيا لم يعد لها مكان.