الحرب التجارية
وبجدية، تمكنت الولايات المتحدة، بما لها من سلطات، من تحويل منظمة التجارة العالمية إلى حبر على ورق، فهى لا تقبل بتحكيم المنظمة التى قبلت 134 شكوى خلال الأعوام الماضى ضد المارد الأمريكى، ولم تعد المنظمة بكل ما احتوته من قوانين ذات جدوى فى مواجهة النزاعات التجارية الكبرى، لا سيما تلك النزاعات التى تكون الولايات المتحدة الأمريكية طرفًا أصيلاً فيها.
ويبدو أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قرر فتح الدفاتر التجارية ومراجعة حسابات جميع الدول المتشابكة تجاريًا مع الولايات المتحدة فى آنٍ واحد، فما يلبس أن ينتهى من إثارة النزاع التجارى مع أوروبا، إلا ويكون قد فتح جبهة جديدة بشأن المعاملات التجارية مع دول أمريكا الجنوبية وكندا، أو ما يعرف بدول "النافتا"، إلا أنه على كل حال يبقى النزاع التجارى الأمريكى ـ الصينى هو الأكثر ضراوة وصعوبة من بين النزاعات وأثرها على الاقتصاد العالمى.

نزاعات تجارية حول العالم
وعلى غرار سلوكيات الولايات المتحدة، جاء النزاع التجارى بين اليابان وكوريا الجنوبية، وهو صراع له جذور تاريخية وسياسية، وكذلك النزاع بين أوروبا والصين، علاوة على النزاع الأوروبى ـ الأوروبى المرتقب بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبى فى أعقاب إقرار "البريكست" ـ الخروج البريطانى من الاتحاد.
وتصاعدت على مدار العام الأخير الحرب التجارية والتوترات بين قطبى التجارة العالميين، أمريكا والصين، ما أسهم فى خلق أزمات وضغوط على الاقتصاد العالمى برمته، وأفرز الصراع بين البلدين عن تدهور الآفاق الاقتصادية فى جميع أنحاء العالم، وهو ما يؤكده المسح الفصلى الذى أجراه معهد "إنفو" الألمانى للاقتصاد.
ويؤكد معهد إيفو أن مسحه الفصلى الذى يشمل نحو 1200 خبير فى أكثر من 110 دول أظهر تدهورًا فى الربع الثالث من العام الجارى 2019 فيما يتعلق بالأوضاع الحالية والتوقعات الاقتصادية، إذ يوضح كليمنس فوست، رئيس المعهد، أن الخبراء يتوقعون نموًا أضعف بكثير للتجارة العالمية، كما بلغت التوقعات أدنى مستوياتها فيما يخص التجارة بسبب الرسوم الجمركية الانتقامية فيما بين الدول، لا سيما الولايات المتحدة والصين،
كما يتوقع المشاركون فى المسح الذى أجراه "إنفو"، أن يسود ضعف أكبر للاستهلاك الخاص، وانخفاض أكبر لأنشطة الاستثمار، وتراجع فى أسعار الفائدة القصيرة والطويلة الأجل.
استشعار الخطر تجاه الحرب المشتعلة بين القوى التجارية تسرب بتداعياته القلقة إلى الوكالات الاقتصادية العالمية الكبرى، وعلى رأسها صندوق النقد الدولى الذى خفض توقعاته للنمو العالمى هذا العام والعام المقبل، محذرًا من أن المزيد من الرسوم الجمركية الأمريكية والصينية، أو "بريكست بدون اتفاق" ـ خروج غير منظم لبريطانيا من الاتحاد الأوروبى، سيؤدى بطبيعة الحال إلى المزيد من التباطؤ فى النمو، وإضعاف الاستثمار، وتعطيل سلاسل الإمداد.
2019.. عام المخاوف الاقتصادية الكبرى
وتخيم المخاوف الاقتصادية منذ بداية 2019 على كافة البيانات المرتبطة بعالم المال، وسط مخاوف من التوترات التجارية والتكنولوجية وضغوط انكماش الأسعار المتنامية، ما يؤدى إلى مزيد من المخاطر المحتملة فى المستقبل.
وتطالب جيتا جوبيناث، كبيرة الاقتصاديين فى صندوق النقد الدولى، بضرورة التخلى عن سياسة فرض الرسوم الجمركية لمعالجة الخلافات التجارية الثنائية الدولية، مؤكدة أن اللجوء لهذه السياسة "يضع الاقتصاد العالمى عند مفترق طرق حساس"، وتقول تعقيبًا على هذا النهج: "تبقى سياسة الحمائية والرسوم الانتقامية أحد المخاطر الرئيسية التى تشوش على التوقعات الاقتصادية، ويظهر أثر ذلك فى تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية التى يمكن أن تعطل سلاسل الإمداد العالمية بشكل كبير"، محذرة من توقعات هائلة باحتمالات حدوث تباطؤ مفاجئ فى الصين، وعدم تعافى منطقة اليورو، وخروج بريطانيا دون اتفاق من الاتحاد الأوروبى، وتفاقم التوترات الجيوسياسية، فى إشارة منها إلى التوترات التى شهدتها منطقة الخليج مؤخرًا.باختصار.. «هذه السياسات الانتقامية ستكلف الإنسانية ثمنًا مروعًا، بدءًا من ضغوط الهجرة إلى تقلبات فى أسواق السلع الأساسية».

حرب «أمريكا ـ الصين».. كل شىء أو لا شىء
على الرغم من التصريحات الودودة والمتفائلة التى تتابعها وكالات الأنباء العالمية قبل وبعد كل محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلا أن المحصلة النهائية تكون صفر اتفاق، بل وتتضاعف الحرب بين البلدين لتفرض كل منهما رسوم جمركية انتقامية جديدة، يمتد أثرها للتأثير على الاقتصاد العالمى، وليس السوق الصينى والأمريكى فقط.
والحقيقة أن الحرب التجارية التى اندلعت بين ماردى التجارة العالمية، الصين والولايات المتحدة، ليست تجارية بحتة، فهى أيضًا حرب سياسية وصراع نفوذ على المناطق الجديدة، وربما هذه هى النزاع الذى يقوده الرئيس ترامب فى مواجهة نظيره الصينى شى بينج، وهو ما يصعب من الوصول إلى اتفاق تجارة صاف بلا كدر، فنجد فى كل مرة تصريحات هادئة، ثم اتهامات قاسية، يعقبها رسوم انتقامية على بضائع متبادلة بين الطرفين بمئات المليارات من الدولارات.
وتبادلت الصين والولايات المتحدة رسوما جمركية انتقامية فيما بينهما، كل على واردات الآخر فى حرب تجارية متصاعدة، ويرى المحللون الاقتصاديون انه لا يوجد أطراف فائزة من تلك الحرب التجارية فالجميع مهدد بالخسارة، وسيحاول الطرفان هنا ضمان البقاء وتحقيق مكاسب مالية على حساب الطرف الآخر، وهذا ما بدأت الصين القيام به بالفعل ردًا على موقف أمريكا بفرض رسوم جمركية على بضائعها، ومن المتوقع أن تتأثر عدد من الشركات الكبرى والصادرات بهذه الحرب، مثل ما يحدث فى حبوب الصويا الأمريكى الذى تعتمد عليه الصين كمصدر رئيسى للغذاء تستورده من أمريكا بنسب كبيرة وتصل القيمة لأكثر من 12.3 بليون.
وجاء الرد الصينى بفرض رسوم مثيلة على البضائع الأمريكية ليؤكد أنه لا نهاية تلوح فى الأفق لتلك الحرب، فقد دخلت الحرب بين الماردين العالميين إلى منعطف خطير، وفى النهاية تخضع بضائع بقيمة 300 مليار دولار للتبادل بين البلدين لرسوم جمركية ضخمة، قادرة على تقويض تلك التعاملات من أساسها، ويبدو أن الصين تبحث عن حلول بالبحث عن بدائل تجارية، بينما يجد ترامب نفسه متورطا فى التعاملات التجارية المعقدة مثل التكنولوجيا، وفى النهاية لجأ إلى مطالبة الشركات الأمريكية لسحب استثماراتها من الصين، وهو أمر صعب على العقلية البرجماتية للتاجر الأمريكى الذى يجد فى الصين سوقًا ضخمًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
وبالنهاية أصبحت الرسوم الجمركية المتصاعدة عبئًا على الاقتصاد العالمى، إذ أنها تزيد الضغوط وتضع العالم على شفا موجة من الركود التضخمى، ويؤكد الخبراء أن عدم القدرة على الوصول إلى حل تفاوضى فى ظل منظمة التجارة العالمية ـ التى بدت مهمشة فى هذا الصراع ـ واستعراض العضلات السياسى المتبادل بين الإدارة الصينية والأمريكية بفرض الرسوم الجمركية، فإن الحرب بين البلدين ستشهد تصاعدًا أكبر دون نهاية محتملة.

بالنفط والأحذية.. الحرب التجارية تضرب سوق السلع الاستهلاكية
وللمرة الأولى، تستهدف الرسوم الأمريكية سلعًا استهلاكية، ما يعنى أنها الرسوم هذه المرة ستطال المواطن العادى، إذ سيكون التجار والمواطنين الأمريكيين ضحية لعملية ارتفاع الأسعار على المدى المتوسط، فقد جاءت زيادة الرسوم هذه المرة بنسبة بلغت 15%، وتستهدف بضائع مستوردة من الصين بقيمة 112 مليار دولار.
جاءت هذه الرسوم كأحدث الخطوات فى سلسلة أحداث الحرب التجارية المستمرة بين الصين والولايات المتحدة منذ عام، وسط توقعات بتباطؤ الاقتصاد العالمى، خاصة وأن المؤشرات تؤكد أن هذه الرسوم تكون الأخيرة من نوعها بين البلدين، إذ أنه من المقرر دخول رسوم جديدة قيمتها 15% إلى حيز التنفيذ بحلول 15 ديسمبر المقبل، وهى الجمارك التى ستطال بضائع بقيمة 160 مليار دولار، وتستهدف سلعًا استهلاكية جديدة مثل "الهواتف المحمولة الذكية، وأجهزة اللاب توب، والملابس".
وكان ترامب قد أرجأ تفعيل الرسوم الإضافية، التى كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ فى هذه الأثناء أيضا، من أجل تجنب الإضرار بمبيعات موسم عيد الميلاد، إلا أنه بحلول أول ديسمبر المقبل ستصبح جميع الصادرات الصينية للولايات المتحدة، والتى تبلغ قيمتها نحو 540 مليار دولار، خاضعة للرسوم.
وعلى مدار الفترة الماضية كانت واشنطن فرضت بالفعل رسوما على بضائع صينية بقيمة 250 مليار دولار، مما دفع الصين لفرض رسوم على واردات أمريكية تقدر قيمتها بـ 110 مليار دولار.

أزمة 2008 تلقى بظلالها
ويرى كثير من الخبراء أن أزمة 2008 التى شهدتها الأسواق العالمية، ولم يتعافى منها السوق تمامًا حتى يومنا هذا، تلقى بظلالها على الحرب التجارية الحالية، فإن تصاعد الحرب إلى أبعد من الوضع القائم يعنى إلحاق الضرر باقتصادات جميع الدول المنضوية تحت لواء منظمة التجارة العالمية، وهو ما سيؤدى إلى انهيار جديد للبورصات وأزمة مصرفية عالمية، وإذا كانت الحرب تطال العملة الأمريكية بالرسوم، فلا يمكن استبعاد انهيار نظام الدولار نفسه، وقد خطا ترامب أولى خطواته فى هذا الصدد.
وإذا كان العالم لايزال يعيش بالفعل أثار الأزمة العالمية التى لحقت بالاقتصاد فى 2008، فإن إجراءات ترامب تجاه الكيانات الاقتصادية، وعلى رأسها الصين وروسيا وأوروبا، تعنى إشعال فتيل الأزمة مجددًا، ليبقى شبح التضخم العالمى يهدد الاقتصادات الدولية كلها، فلم تعد العولمة تفرق بين متحارب ومسالم فى عالم التجارة، ويمكن وصف قواعد اللعبة هذه المرة بالتأكيد على "ريموت" التحكم فى الاقتصاد العالمى يوجد 50% منها فى أمريكا، والبقية الأخرى موزعة بين الصين روسيا وأوروبا واليابان ونافتا والاقتصادات الناشئة، ولا يمكن الفصل بين مصير الـ50% الأولى عن الـ50% الثانية، فالعالم كله محكوم ببنوك مركزية تعمل وفق خطوط ائتمانية مفتوحة..!
إن قواعد اللعبة الأمريكية هذه المرة تبدو وكأنها تعمل بمنطق "شمشون الجبار": "علىّ وعلى أعدائى"، مجازفة المارد الأمريكى محسوبة على أساس أن الطرف الأخر لن يرضى بالدمار الاقتصادى.

«بريكست» بريطانى دون اتفاق خطر آخر للتجارة العالمية
يبقى الحديث عن التجارة مرهونًا بملفات أخرى إلى جانب الصراعات التجارية الثنائية، حيث بقيت مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى ـ ما يعرف بالبريكست ـ أزمة أخرى، نظرًا للارتباط التجارى بين الطرفين وبعضهما البعض من جهة، وبين الطرفين وكيانات دولية من جهة أخرى، ما يجعل من المسألة خطرًا كامنًا ينتظر العلاج.
وكان بنك "جولدمان ساكس" قد رفع تقديراته لاحتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى دون اتفاق من 20% إلى 25%، مؤخرًا، مشيرًا إلى تعليق البرلمان لفترة طويلة، إذ أنه كان من المفترض أن يحدد النواب مصير خطط الخروج التى تعدها الحكومة.
وقال "جولدمان ساكس"، إن احتمال موافقة مجلس العموم على نسخة مشابهة للاتفاق الراهن، والذى رفضه البرلمان لثلاث مرات من قبل، يظل 45%. كما خفض البنك تقديراته لاحتمالات عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى إلى 30% بدلاً من 35%.
ولأجل البريكست أعلنت بريطانيا من ذى قبل عن نيتها استحداث كيان للتحقيق فى حالات التجارة غير العادلة، مثل الإغراق، وهو ما كشف عنه إعلان وظائف نشر على موقع إلكترونى حكومى فى بريطانيا.
وقالت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماى، إن بريطانيا ستغادر الاتحاد الجمركى للاتحاد الأوروبى عند الانفصال عن الأخير لكى تدخل فى اتفاقيات تجارة خاصة بها مع دول حول العالم. ويجرى التعامل مع السياسة التجارية البريطانية حاليا من خلال الاتحاد الأوروبي.
وقالت الحكومة فى إعلان "نحن بحاجة لتطوير نهج المملكة المتحدة تجاه التعامل مع اتهامات المنافسة غير العادلة وبناء القدرة على التحقيق فى الشكاوى وإنفاذ القواعد".
وستضم "منظمة التعويضات التجارية البريطانية" نحو 130 موظفا وستكون جزءا من وزارة التجارة الدولية وسينص عليها مشروع قانون جديد للتجارة سيرفع للبرلمان فى سبتمبر.
«نافتا».. اتفاق بديل بين الولايات المتحدة وكندا
حتى وقت قريب كان الصراع التجارى والمشاحنات بين الولايات المتحدة وشركائها فى اتفاقية نافتا، وعلى رأسهم كندا، قد وصل إلى ذروته، إلا أن هذه الحرب التجارية الوحيدة تقريبًا التى انتهت إلى هدوء كبير، وربما ما ساعد فى ذلك هو حجم التبادل التجارى بين الولايات المتحدة وكندا، الأكبر عالميًا، علاوة على تلبية رغبات ترامب بتعديل الاتفاق.
وتوصلت الولايات المتحدة وكندا إلى اتفاق تجارى جديد، إلى جانب المكسيك، ليحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، وتشير تقارير إلى أن الاتفاقية الأمريكية المكسيكية الكندية تتضمن فتح سوق الألبان الكندية بشكل أكبر أمام الولايات المتحدة، ووضع حد أقصى لصادرات كندا من السيارات إلى الولايات المتحدة، وهى جميعها بنود أصر ترامب على تحقيقها.
وكان الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، يسعى منذ وقت طويل إلى تغيير اتفاقية "نافتا"، التى كانت تحكم عمليات تجارية تتجاوز قيمتها تريليون دولار.
وقال بيان الإدارة الأمريكية وقت صدور الاتفاقية، أنها "ستمنح عمالنا ومزارعينا ومربى الماشية والأعمال التجارية اتفاقية تجارية رفيعة المستوى ستؤدى إلى أسواق أكثر حرية وتجارة أكثر عدلاً ونموًا اقتصاديًا قويًا فى منطقتنا"، وسيتاح للمزارعين الأمريكيين الوصول إلى حوالى 3.5 فى المئة من سوق منتجات الحليب فى كندا، حسبما نقلت وكالة رويترز للأنباء.

أوروبا وترامب.. تهديدات الرسوم المتبادلة بمئات المليارات
فتح ترامب جبهة الرسوم الجمركية على شركائه التجاريين توازيًا، يطالب فى الوقت ذاته بخفض الصادرات الأوروبية إلى السوق الأمريكية من السيارات ومكوناتها، وهى بقيمة 20 مليار يورو حسبما تؤكد وكالة "بلومبرج"، الأمر الذى دفع الاتحاد الأوروبى لفرض رسوم مضاعفة على السلع الأمريكية تصل إلى 35 مليار يورو، ما يعادل 39 مليار دولار، حال فرض رسوم على المنتجات الأوروبية.
وإلى جانب رسوم جمركية بقيمة 350 مليار دولار على واردات السيارات الأوروبية، أعدت الولايات المتحدة قائمة منفصلة بسلع أوروبية قيمتها 25 مليار دولار ستخضع لرسوم إضافية، فى حين من المتوقع أن يرد الاتحاد بفرض رسوم قيمتها 11 مليار دولار على سلع أمريكية، فى إطار النزاع بين واشنطن وبروكسل بشأن الدعم الحكومى غير القانونى المتبادل لشركتى صناعة الطائرات الأمريكية بوينج والأوروبية إيرباص.
هذا بالإضافة إلى تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على النبيذ الفرنسى، وهو ما هدد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بالرد عليه بفرض رسوم على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.

كوريا الجنوبية واليابان نزاع تجارى جديد وأصول تاريخية
ولا تنفك الحروب التجارية أبدًا عن الأمور السياسية، إلا أن الأمر فى حالة كوريا الجنوبية واليابان يرجع إلى أسباب تاريخية وسياسية، فقد كانت المسائل التجارية تصفية حسابات بين البلدين بعدما صدر حكطم قضائى فى سول يدين شركات يابانية بسبب أحداث التشغيل القسرى لنساء كوريا الجنوبية فى الدعارة خلال فترة الحرب العالمية الثانية، الأمر الذى أثار نزاعًا اقتصاديًا وتجاريًا وسياسيًا بين البلدين.
وتوالت أحداث الصراع ذى الأصول التاريخية، فقد فرضت طوكيو، شهر أغسطس الماضى، إجراءات صارمة بشأن المصادقة على صادرات بعض المواد الكيميائية إلى كوريا الجنوبية، واحتدم الخلاف بعدما اعتمدت اليابان شطب خطة كوريا الجنوبية من القائمة البيضاء، وهى قائمة الدول التى تتمتع بوضع تفضيلى لشراء العناصر الحساسة التى يمكن تحويلها للاستخدام العسكرى.
ووفقًا لوكالة الأنباء العالمية "بلومبرج"، شجبت حكومة كوريا الجنوبية هذه الخطوة، وأعلنت عزم سول على شطب اليابان من قائمة شركاء التصدير الموثوق بهم، ولم تمر إلا أيام قليلة حتى أعلنت سول إلغاء اتفاقية التعاون الاستخبارى بين كوريا الجنوبية واليابان، على الرغم من تشارك البلدين فى مخاوف أمنية حيال تطوير كوريا الشمالية لصواريخ بالستية تهدد كلاً منهما.
الاقتصاد العالمى فى مهب النزاعات
المؤشرات السالف ذكرها دفعت بمنظمات دولية ومالية عدة لخفض توقعات النمو، فجاء تقرير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادى لمرتين على التوالى يخفض التوقعات بشأن النمو العالمى عام 2019، ودعت المنظمة الدول للاستعداد لـ"أوقات عصيبة" وتعزيز التعاون بينها بوجه مخاطر كثيرة أبرزها الحرب التجارية الجارية.
وجاء تقرير المنظمة فى سبتمبر يخفض توقعات النمو العالمى إلى 3.5%، بعدما كانت 3.9% فى يونيو الماضى، لتبقى توقعات النمو منخفضة لهذا العام عند 3.7%. وقالت لورانس بون، رئيسة قسم الاقتصاد فى المنظمة، إن "الهبوط بشكل ناعم لطالما كان عملية دقيقة، لكنها على قدر خاص من الصعوبة اليوم"، مشيرة إلى تراكم المشاكل فى الأفق، وعددت المخاطر الثلاث الكبرى التى سبق أن ذكرتها فى سبتمبر، وهى التوتر التجارى وزيادة أقوى من المتوقع لمعدلات الفائدة الأمريكية ستؤثر سلبا على الدول الناشئة، وتباطؤ كبير للاقتصاد الصينى.
ودعت المؤسسة الحكومات إلى "تعزيز تعاونها والاستعداد لأوقات أكثر صعوبة" ولا سيما للرد بشكل منسق من خلال "الإنعاش المالى".
الاتحاد الأوروبى وإصلاح منظمة التجارة العالمية
إلى هنا، انتبهت دول الاتحاد الأوروبى إلى أهمية منظمة التجارة العالمية وضرورة إصلاحها، فدعت المفوضة الأوروبية للتجارة، سيسيليا مالمستروم، الصين إلى الالتزام إلى جانب أوروبا فى إصلاح منظمة التجارة العالمية، فى مواجهة خطر فرض الولايات المتحدة بالتوازى نظامها التجارى الخاص.
وأكدت المفوضة خلال كلمتها بمؤتمر حول إصلاح المنظمة، أن "الصين استفادت كثيراً من منظمة التجارة العالمية وندعوها إلى الالتزام إلى جانبنا لإصلاح وتحديث النظام، بهدف خلق شروط منافسة صحية".
وأضافت مالمستروم: "إذا لم يحصل ذلك، فإن الولايات المتحدة ستخلق قواعدها الخاصة خارج النظام"، ودعت المفوضة إلى جانب وزير الاقتصاد الفرنسى برونو لومير والمدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبيرتو أزيديفو إلى تعديل قواعد التجارة العالمية، فقالت "القواعد بحاجة إلى تحديث. عندما وضعناها فى العام 1995، كان هناك نظام اقتصادى آخر فى ذهننا. وتابعت "اليوم لم يعد مطابقاً للواقع".
وأعلن مسؤولون تجاريون بارزون من 12 دولة والاتحاد الأوروبى دعمهم القوى لإصلاح قواعد منظمة التجارة العالمية فى مواجهة إجراءات أمريكية تهدد فعليا بتعجيز المنظمة، وقال المسؤولون، فى ختام اجتماع استمر يوما واحدا فى العاصمة الكندية أوتاوا، إنهم يتشاطرون فى "تصميم مشترك من أجل إجراءات سريعة ومنسقة" للتصدى للتحديات التى تواجه منظمة التجارة، وجاء البيان الختامى "الوضع الحالى فى منظمة التجارة العالمية لم يعد قابلا للاستمرار. تصميمنا على التغيير يجب أن يكون مقرونا بإجراءات".

حروب التجارة والعملات وإصلاح القواعد العالمية
حذرت كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى يوم الخميس الدول من الانخراط فى حروب التجارة والعملات التى تلحق الضرر بالنمو العالمى وتعرض أطرافا "بريئة" غير معنية للخطر، وحثت لاجارد خلال التدشين الرسمى للاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين فى منتجع جزيرة بالى الإندونيسية على "تهدئة" النزاعات التجارية وإصلاح قواعد التجارة العالمية بدلا من التخلى عنها.
وفرضت الولايات المتحدة والصين رسوما جمركية متبادلة على سلع بمئات المليارات من الدولارات خلال الأشهر القليلة الماضية، مما أثار قلق الأسواق المالية مع تخوف المستثمرين من أن تصاعد النزاع التجارى قد يؤثر سلبا على التجارة والاستثمار العالميين.
وانخفضت أسواق الأسهم فى آسيا يوم الخميس لأدنى مستوى فى 19 شهرا بعد أن تكبدت وول ستريت أسوأ خسائر فى ثمانية أشهر الليلة الماضية مما أدى إلى عزوف واسع عن المخاطرة، لأسباب منها توترات التجارة العالمية وكذلك الزيادة السريعة فى العائد على الدولار.
وقالت لاجارد فى مؤتمر صحفى "نأمل بالتأكيد ألا نتحرك فى اتجاه حرب تجارية أو حرب عملات. سيلحق ذلك الضرر على كلا الصعيدين لجميع المشاركين". وأضافت "وسيكون هناك أيضا الكثير من غير المعنيين الأبرياء" بما فى ذلك الدول التى تورد السلع الأولية والمكونات إلى الصين مثل إندونيسيا.
وفى الأسابيع الأخيرة، أبدى مسؤولو وزارة الخزانة الأمريكية قلقهم حيال ضعف اليوان الصينى فى الوقت الذى تعد فيه الوزارة تقريرها نصف السنوى بشأن التلاعب فى العملات، ويتهم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الصين بتعمد التلاعب فى عملتها لكسب ميزة تجارية، وهى اتهامات تنفيها الصين باستمرار، وشاركت لاجارد فى الجدل بشأن العملة، وبدت منحازة إلى جانب الصين، قائلة إن ضعف اليوان مقابل الدولار مدفوع بقوة العملة الأمريكية مع زيادة مجلس الاحتياطى الاتحادى (البنك المركزى الأمريكى) لأسعار الفائدة، واليوان منخفض بوتيرة أقل أمام سلة عملات.
وقالت "دعمنا تحرك الصين صوب مرونة (العملة) ونريد تشجيع السلطات للاستمرار على هذا المسار"، وخسر اليوان ما يزيد على ثمانية بالمئة فى الفترة بين مارس وأغسطس آب عندما كان قلق السوق فى ذروته، لكنه قلص خسائره فى الوقت الذى كثفت فيه السلطات إجراءات دعم.
صندوق النقد الدولى يحذر
وإلى جانب الأثار الاقتصادية المتوقعة على جميع الدول التجارية الكبرى، فقد حذر صندوق النقد الدولى من أن الرسوم الجمركية الأمريكية الصينية الحالية، أو التى يهدد بها الطرفان، ستعمل على تقليص الناتج الاقتصادى العالمى 0.5 بالمئة فى 2020.
وقالت كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد، فى مدونة ومذكرة إحاطة لوزراء المالية ومحافظى البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، إن فرض رسوم على كامل التجارة بين البلدين، كما يهدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، سيؤدى إلى تبخر نحو 455 مليار دولار من الناتج المحلى الإجمالى، فى خسارة تتجاوز حجم اقتصاد جنوب إفريقيا عضو المجموعة. وقالت لاجارد فى مدونة للصندوق "تلك جروح ذاتية يجب تجنبها.. كيف؟ بإزالة الحواجز التجارية الموضوعة فى الآونة الأخيرة وتفادى مزيد من الحواجز بأى شكل كانت".

50 تريليون دولار قروض مرتقبة
وجاءت توقعات "ستاندرد آند بورز جلوبال" للتصنيفات الائتمانية، لتؤكد المخاوف، محذرة من قفزة جديدة فى اقتراض الحكومات سترفع جبل الدين السيادى العالمى إلى 50 تريليون دولار هذا العام.
وتتوقع الوكالة أن تقترض الجهات السيادية ما يعادل نحو 7.78 تريليون دولار هذا العام، بزيادة 3.2 المئة عن 2018.
وقال كارين فارتابيتوف، المحلل لدى "ستاندرد آند بورز"، إن "نحو 70 بالمئة، أو 5.5 تريليون دولار، من إجمالى الدين السيادى سيكون لإعادة تمويل دين طويل الأجل يحل استحقاقه، مما سينتج عنه صافى متطلبات اقتراض بنحو 2.3 تريليون دولار، أو 2.6 بالمئة من الناتج المحلى الإجمالى للدول ذات التصنيفات"، ما يعنى أن ارتفاع الدين السيادى إلى 50 تريليون دولار ينطوى على زيادة 6% عن العام الماضى، ويرجع جزئيا إلى تقلبات أسعار الصرف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر الدراسة:
معهد إنفو الألماني للدراسات الاقتصادية:
Discussion: Trade Growth, Past, Present and Future? A View from the WTO
https://www.ifo.de/en/node/41053
The US-China Trade War: Effects on Europe
https://www.ifo.de/en/node/41000
تقارير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي
تقارير إخبارية من وكالات: "بلومبرج، ورويترز، الوكالة الألمانية، فرانس برس"
شبكة يورونيوز:
الوطن:
كتيب صادر عن البنك الدولى:
لماذا نحتاج إىل سياسة لتسوية المنازعات؟ - World Bank ...
سلسلة الوساطة ـ نحو إطار تشريعي للوساطة
كتيب: «دور منظمة التجارة العالمية في تسوية المنازعات التجارية» ـ الدكتور عبد الوهاب عبد الله أحمد المعمري
جريدة الاقتصادية:
http://www.aleqt.com/2019/09/06/article_1671236.html
شبكة التلفزيون الصينية:
CGTN Arabic
https://www.facebook.com/cgtnarabic/posts/1330453693802403
شبكة النبأ المعلوماتية:
https://annabaa.org/arabic/economicreports/17371
الحرة:
https://www.alhurra.com/a/uk-brexit/381511.html
الاقتصاد:
إرم نيوز:
https://www.eremnews.com/economy/markets/1480115
bbc:
http://www.bbc.com/arabic/business-45708889
العين:
https://al-ain.com/article/europe-trump-threatens-39-dollars-us-goods
crime russia
Global economy to lose $850 billion due to US-China trade war
Money Morning Australia
Trade War of Ideology
https://www.moneymorning.com.au/20190907/trade-war-of-ideology.html