هالة السعيد
لن ننسى دور المرأة المصرية فى الثورة على حكم الإخوان، حينما وقفت فى مقدمة الصفوف، معلنة أن لهذا الوطن ضمير حى، ضمير يستطيع أن يقول "لا" لمستقبل مظلم كانت الجماعة الشاذة - فكرًا وانتماءً - تريدنا جميعًا أن نذهب إليه.
لقد اكتشفنا قوة لسان المرأة وعقلها فى قول الحق، وفعل كل ما هو فيه صالح للوطن.
اكتشفنا ذلك أيضًا مع الثقة الكبيرة التى منحها الرئيس عبدالفتاح السيسى، لعدد من سيدات مصر المخلصات، فى أن يتولين حقائب وزارية، ليثبتن كفاءة منقطعة النظير، ليثبتن نجاحًا كبيرًا على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
من بين هؤلاء النابغات بالتأكيد، الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى.

اختيارها لم يكن صدفة أو حظ، بل لعدة أسباب، لا شك أن أولها هو مؤهلاتها الكبيرة، فهى حاصلة على دكتوراة فى الاقتصاد من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة فى العام 1989، كما شغلت عددًا كبيرًا من المناصب المهمة ومنها، المدير التنفيذى للمعهد المصرفى المصرى بالبنك المركزى المصرى، وأستاذًا بقسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى جامعة القاهرة، ومستشارًا لوحدة التمويل الدولى بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء فى التسعينيات، ومن قبلها كانت رئيس قسم الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز، بالمملكة العربية السعودية.

ومن بين الأسباب أيضًا انتمائها لعائلة سياسية كبيرة ومهمة، حيث أن جدها قد شغل منصبًا وزاريًا فى إحدى الحكومات الوفدية خلال الحقبة الملكية، كما أن والدها هو المهندس حلمى السعيد، وزير الكهرباء والسد العالى بوزارة محمود فوزى، سنة 1970.
ومثلما كان قدر والدها تولى هذا المنصب المهم فى وقت كانت مصر فيه تموج بتغيرات كبيرة على المستويين المحلى والإقليمى، لا سيما أن مصر فى هذا الوقت كانت فى أوج معركة تحرير الأرض من المغتصب الإسرائيلى، فإنها تولت أيضًا حقيبة "التخطيط" فى فترة تحارب مصر فيها على جبهات متعددة، خصوصًا جبهتى مكافحة الإرهاب الإخوانى، ومعركة البناء التى عزمت عليها الدولة المصرية أخيرًا.
السعيد، تخوض معركتها، والتى هى معركة مصر كذلك، من خلال إيقاع هادئ ومتزن فى إدارة ملفات وزارة التخطيط، كأنها تعزف سيمفونية من تأليف كبار مؤلفى الموسيقى العالميين، بالفعل استطاعت أن تنجز وتحل بعض المشكلات التى واجهتها الدولة بسلاسة وسهولة، لا سيما فى ضوء علاقاتها السابقة بالمؤسسات العالمية، إضافة إلى استعانتها بأهل الخبرة.

هى بالفعل عقلية رفيعة المستوى، نبغت فى الاقتصاد، وسلكت مسيرة تعليمية كبيرة، توجتها بفترة مزدهرة فى المؤسسات التى عملت بها فى مصر والعالم، واستخدمت كل خبرتها فى إعداد رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030، التى قدمت للأمم المتحدة، مترجمة الجهد السابق فى إصلاح منظومة الأصول المملوكة للدولة، من خلال تفعيل فكرة تأسيس صندوق مصر السيادى.
هى ترى أن خطة التنمية لها أبعاد ثلاثة، اقتصادية واجتماعية وبيئية، فالأولى تتحقق بجهد الدولة، وهى أحد أفراد المنظومة النابهين ولا شك، وذلك لتوفير فرص عمل، وهو الذى تعتبره الهدف الأساسى لأى خطة تنمية.
ترى كذلك أن هدف تحقيق العدالة بين الجنسين وتمكين المرأة يعد واحدًا من الأهداف المتكاملة والمتقاطعة فى كافة أهداف التنمية المستدامة، مؤكدة أن حصول المرأة على كافة حقوقها فى جميع الأهداف يضمن العدالة والاندماج الاجتماعى وجنى جميع المواطنين والأجيال القادمة ثمار التنمية المستدامة.
وعلى ذكر المساواة، فإن السعيد، إحدى المحاربات البارزات فى مجال تمكين المرأة المصرية، والمطالبة بالمساواة بين الجنسين فى كافة المجالات منها الصحة والتعليم بما يعد أحد أهم الطرق المباشرة الفعالة للتقليل من أوجه التفاوت فى المجتمع، فضلاً عن المساهمة فى زيادة فرص تشغيل المرأة وتمكينها، معتبرة أن حصول المرأة على وظيفة لائقة أمر جوهرى لنمو شامل ومستدام، الأمر الذى ينتج عنه نمو الاقتصاد ويساهم بشكل إيجابى فى تحقيق رفاهية الأطفال.
ترى السعيد، ذلك من أجل الأجيال القادمة، من أجل مستقبل مصر، الذى وضعته نصب أعينها وقت توليها الحقيبة الوزارية، لا بل ربما من قبل ذلك بكثير.
الفقر كذلك أحد أعداء هالة السعيد، فمكافحته هى أول أولوياتها، حيث تعتبر أن معالجتها بمنظور شامل، لا يقتصر فقط على رصد معدلات الفقر المادى الذى يقصد به عدم قدرة الفرد على الوفاء بالاحتياجات الأساسية من طعام وملبس ومسكن وتعليم وصحة ومياه نقية، بل الاهتمام برصد الفقر متعدد الأبعاد، وهو الحرمان من أوجه الحياة الكريمة مثل، الالتحاق بالتعليم والوصول للخدمات الصحية وعدم توافر المسكن الجيد، أى التغير فى الجوانب الاجتماعية بالإضافة إلى الاحتياجات الأساسية.
ساهمت السعيد، فى هذا الأمر من خلال منصبها الحكومى فى اتخاذ العديد من إجراءات الحماية الاجتماعية ومنها زيادة مخصصات الدعم، والتوسع فى برنامج "تكافل وكرامة"، وكذلك اتخاذ الإجراءات التى تتسق فى مجملها مع منظومة الحماية الاجتماعية، ومنها رفع الحد الأدنى للمعاشات والأجور وتطبيق قانون التأمين الصحى الشامل، وإنهاء قوائم الانتظار بالمستشفيات، والتوسع فى خدمات الصحة الإنجابية، والتوسع فى علاج فيروس سى، وإتاحة برامج إقراض متعددة وذات قواعد ميسرة، والعمل على الانتهاء من تطوير المناطق العشوائية غير الآمنة.
هالة السعيد، ليست مجرد وزيرة، بل تنتمى إلى طبقة المفكرين الاقتصاديين، الذين يحاولون ابتكار الحلول للمشكلات الصعبة، هى ليست "مرأة حديدية" كما يحاول البعض أن يطلقوا عليها، بل هى "المرأة كما يجب أن تكون"، مخلصة لوطنها ولشعبها ولقادتها، وقبل ذلك كله إلى عقلها وضميرها الوطنى.