الأنبا غريغوريوس
وعن حياة الأنبا غريغوريوس.. أكد منير عطية، سكرتيره الخاص الإكليريكى، أن نيافته عاش حياة البتولية قبل رهبنته، عن حب ودعوة، إذ نما فيه نموًا طبيعيًا، ويذكر فى خطاب أرسله إلى الأب ببنوده المحرقى فى 15 أبريل 1991 قال فيه: "كنت صبيًا فى نحو الرابعة عشر من عمرى أو أقل، وصحت فى أختى وأهل بيتى أنى سأترهب فى الدير المحرق، قلتها ولم أدر كيف قلتها، ولم أكن آنذاك أعرف الأديرة ولا زرت منها ديرًا"، ولكن عاطفته نحو الإكليريكية وشغفه بالدراسات اللاهوتية دعته أن يرجئ الرهبنة، ثم ترهبن فى 16 سبتمبر 1962 بالدير المحرق باسم الراهب باخوم المحرقى.
الرهبنة
عاد الراهب باخوم من الدير إلى القاهرة فى 25 أكتوبر 1962 ليكمل رسالته فى الإكليريكية، وكان يتردد على الدير فى الإجازات، إجازتى نصف السنة والإجازة الصيفية، حتى رسامته أسقفًا فى 10 مايو 1967، كما جاء فى كتاب السيرة الذاتية لنيافته.
وإذا كان الواقع المنظور يُحصى حياة الأنبا غريغوريوس داخل الدير بعد رهبنته وحتى نزوله للتدريس بالكلية الإكليريكية بحوالى 40 يومًا، ثم تردده على الدير من عام 1962 حتى رسامته أسقفًا عام 1967 بحوالى أربعة شهور كل عام، وقد تكون هذه الفترات بسيطة لطالب الرهبنة لكى يعيش الرهبنة الحقة، ولكن هذا الوضع يختلف اختلافًا كبيرًا جدًا بالنسبة الأنبا غريغوريوس، لأنه كان يعيش الرهبنة لكل معانيها وشروطها، وهو فى قلب العالم من قبل رهبنته وبعدها، وكان يؤدى خدمته أيضًا على أكمل وجه، حتى بعد رسامته أسقفًا، إذ كان الأنبا غريغوريوس يعيش الرهبنة بصورة قد يعجز الراهب المتفرغ للرهبنة أن يعيشها.
عاش غاية الرهبنة فانحل من الكل وارتبط بالله الواحد، وكانت علاقته بالله الواحد بلا حدود، فلا يوجد شيء ما يقف حائلاً بينه وبين الله، كان يواصل صلواته ويمارس حياة الانسكاب أمام الله فوصل إلى مقامات روحانية عالية.
كان يعيش فى عزلة الرهبان وهو فى وسط العالم، فكان له ساعاته المحددة للعبادة والصلاة ودراسة الكتاب المقدس والقراءة والاطلاع.. قال منير: "كان الأنبا غريغوريوس يصلى صلوات الساعات الأجبية كل يوم فى مواعيده المحددة، وبطريقة منتظمة، قد لا يستطيع أحد من الرهبان الذين يخدمون فى العالم حسب درجاتهم الكهنوتية أن ينظم بين خدماته وبين مواعيد عبادته كالأنبا غريغوريوس".
وأضاف سكرتيره الخاص الإكليريكى: "كان فى صلواته متأنيًا، يصلى الأجبية كلمة كلمة وببطء، فليس للوقت قيمة عنده وهو بين يدَىّ الله، بل كان أحيانًا كثيرة يعيد الجملة مرتين، وكأنه يلح على الله أن يسمعه ويستجيب له.. كنت مضطر أحيانًا لو جاءه أسقف يريد مقابلته أن أفتح السكن وأدخل بهدوء لأعرف أين هو لأخبره. وعندما أراه فى مخدع الصلاة أعود معتذرًا".
وتابع: "كان فى قراءته للكتاب المقدس يفرق بين القراءة بصفة منتظمة فى أثناء الصلاة وهو واقف فى ركن الصلاة الخاص به، وبين القراءة للدراسة والبحث الذى يجريه على مكتبه".
الزاهد
كان الأنبا غريغوريوس زاهدًا ومتقشفًا.. زاهدًا فى أكله فغذاؤه يتكون من نوع واحد من الطعام المسلوق يضيف إليه الزيت بعيدًا عن النار، وكان لا يأكل اللحوم بأنواعها، أما ملابسه فكثيرة جدًا وهى من عطايا الناس وهداياهم، ولكنه لم يكن يلبس إلا عددًا محدودًا جدًا، ولعل الكثيرين بسبب مرضه دخلوا حجرة نومه ورأوها على الطبيعة، فهى حجرة متواضعة جدًا تتكون من سرير ودولاب خشبى قديم ودولاب صاج وشماعة وتسريحة.
أما الفقر الاختيارى، قال منير: "حياة ارتضاها لنفسه وعاش فيها، فلم يضع قلبه على الماديات، فكان يرفض أخذ أى مادة يقدمها له الآخرون رغم احتياج الأسقفية لذلك، فقلنا للناس قولوا له هذا تبرع لطبع الكتب، وبالفعل بعد تحديد الغرض من التبرع كان يقبل منهم، ويكتب إيصالاً بالمبلغ، ويستدعينى لاستلامه والتوقيع على الإيصال وتوصيل الإيصال لصاحبه مع إهداء مجموعة من الكتب، لذلك كان يسعى إليه البسطاء والفقراء لأداء خدمات لهم لأنهم يعلمون أنها بلا مقابل مثل صلاة الإكليل أو معمودية بلا مقابل أو زيارة مريض للمستشفى للصلاة".
وعن نقوده الخاصة، أكد سكرتيره أن معظمها يصرفها على المحتاجين أو ذوى الظروف الخاصة من الآباء الكهنة وأسرهم الذين تشردوا وطردوا من كنائسهم، وبعض العائلات من القاهرة ومن بلاد الصعيد كنت أرسل لهم الحوالات البريدية.. هكذا كانت رهبنة الأنبا غريغوريوس رهبنة فعلية حقيقية، عاش الحياة الرهبانية بطولها وعرضها وعمقها وزهدها وتقشفها من قبل أن يترهبن وبعد رهبنته، وبعد رسامته أسقفًا حتى نياحته، نفعنا الله ببركاته، وقبل شفاعته عنا.
الكتب
كتابات وأقوال الأنبا غريغوريوس تملأ الدنيا شرقًا وغربًا، وستظل دائمًا وأبدًا تراثًا مقدسًا خالدًا للكنيسة وفى الكنيسة.. فهو من القلائل الذين أثروا المكتبة القبطية بعدد كبير من الكتب والمؤلفات التى يحتاجها كل مسيحى بل كل خادم وكل دارس.. إلى جانب مقالاته وأبحاثه فى كثير من الدوريات والمجلات العالمية والمصرية.
الأنبا غريغوريوس لم يكن رجل دين فحسب، بل كان موسوعة بكل معانى الكلمة، فهو صاحب منهج، إذا تكلم فى موضوع يضمنه كل ما يمت إليه من جميع النواحى المختلفة الروحية والعقائدية والطقسية والتاريخية حتى الطبية والعلمية، لذلك كان قارئًا جيدًا لكل الكتب التى كانت تصدر فى جميع مناحى الحياة، وكانت له قراءاته اليومية المختلفة.
قد يكون أسلوبه صعب الفهم بعض الشىء لأنه لا يتكلم فى النطاق الروحى فقط، ولكنه يمتد لغيرها من النطاقات الأخرى، ولكنه أسلوب مميز لموضوعات مميزة، فله كتاباته الكثيرة فى الموضوعات الروحية والعقائدية والطقسية والتاريخية والأسرية والشبابية وما يخص المجتمع، أما أعداد الكتب التى كتبها لا يقل عن 90 كتابًا وعدد المذكرات لا يقل عن الأربعين مذكرة، كان يُدّرس معظمها فى الكلية الإكليريكية، وبعد نياحته تم جمع كل كتاباته وطبعت فى موسوعات وصلت الآن إلى 55 مجلدًا من الحجم الكبير.. أما عظاته ومحاضراته على شرائط الكاسيت فتعد بالآلاف، ولولا الإمكانيات المادية الضئيلة للأسقفية لخرجت على شكل سيديهات من فترة طويلة.
وتذكر سكرتيره الخاص أن أول هيئة دينية تنشئ مكتبة صوتية كانت أسقفية البحث العلمى، مؤكدًا أنه عرض هذه المكتبة فى أول معرض للكتاب أفتتحه قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث، وقد ذهل وقتها من الفكرة إذ وجد لكل شريط كاسيت كارت سجل عليه بيانات الشريط.
واختتم قائلاً: "نعم.. وإن رقد الأنبا غريغوريوس فستبقى كتاباته وأقواله فى كتبه وفى المجلات والدوريات المصرية والعالمية، وأقواله على أشرطة الكاسيت تنطق وتتحدث وتملأ الدنيا، وتشهد أن هذا الرجل لن يعوض ولن يموت".