الشهيد إبراهيم الرفاعى
وتحتفل مصر من كل عام فى 9 مارس بيوم الشهيد، وذلك تخليدا لذكرى استشهاد البطل الفريق عبد المنعم رياض فى يوم 9 مارس 1969، وكشفت المصادر التاريخية أنه فى وقت حرب الاستزاف، أصر الشهيد البطل عبد المنعم رياض على زيارة الجبهة على الرغم من خطورة الموقف كى يعاين بنفسه سير المعارك.
وزار عبد المنعم رياض كتيبة من المشاة على بعد 250 مترا من مرمى مدفعية الجيش الإسرائيلى، وعندما وصل هناك فتحت القوات الإسرائيلية المدفعية، ما أدى إلى استشهاده.
وأقيمت للشهيد البطل جنازة عسكرية كبيرة فى القاهرة حضرها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وجميع قادة القوات المسلحة آنذاك.
وسجلات القوات المسلحة مليئة بقصص وبطولات كثيرة من الأبطال والبواسل، وفى السطور التالية نسلط الضوء على بعض من هذه البطولات التى لا تنسى من ذاكرة المصريين.
إبراهيم الرفاعى .. أسطورة الصاعقة
ولد الشهيد البطل إبراهيم السيد محمد إبراهيم الرفاعى فى الـ 27 من يونيو عام 1931، بقرية الخلالة، التابعة لمركز بلقاس، بمحافظة الدقهلية.

التحق بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج منها عام 1954، وانضم عقب تخرجه إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة لقوات الصاعقة فى منطقة أبو عجيلة، لفت الأنظار بشدة خلال مراحل التدريب لشجاعته وجرأته منقطعة النظير.
تم تعيينه مدرسًا بمدرسة الصاعقة وشارك فى بناء أول قوة للصاعقة المصرية وعندما وقع العدوان الثلاثى على مصر 1956 شارك فى الدفاع عن مدينة بورسعيد الباسلة، وبعدها التحق بفرقة "مدرسة المظلات" ثم انتقل لقيادة وحدات الصاعقة للعمل كرئيس عمليات.

بعدها سافر إلى روسيا عام 1959، حيث حصل على دورة أركان حرب، وعقب عودته شارك فى حرب اليمن مع شقيقه الرائد سامح الذى استشهد خلالها ثم حصل على ترقية استثنائية عقب مشاركته فى عملية سرية، وواصل تأدية دوره خلال حرب يونيو عام 1967، وقام خلالها بأداء مهمات استطلاعية على المحور الشمالى.
وعقب الهزيمة وما أعقبها من إعادة تنظيم الجيش، تلقى الرفاعى تكليفًا من اللواء محمد صادق، مدير المخابرات الحربية وقتذاك، بتكوين مجموعة قتالية للقيام بمهام خاصة خلف خطوط العدو، وبدأ تشكيل المجموعة "39 قتال" التى كانت تابعة للمخابرات الحربية.
وكانت نيران المجموعة أول نيران مصرية تطلق فى سيناء بعد نكسة 1967، وأصبحت عملياتها مصدرًا للرعب والخوف في قلوب أبناء الاحتلال، حيث بدأت المجموعة عملياتها بنسف قطار للجنود والضباط الإسرائيليين عند منطقة الشيخ زويد.

وبعدها صدر قرار من القيادة المصرية بنسف مخازن الذخيرة التى خلفتها القوات المصرية إبان الانسحاب.. وكان نجاح هذه العملية ضربًا من الخيال، إلا أن الرفاعى ورجاله تمكنوا من الوصول إليها وتفجيرها حتى إن النيران ظلت مشتعلة فى تلك المخازن 3 أيام كاملة.
وفى مطلع عام 1968 نشرت إسرائيل مجموعة من صواريخ أرض – أرض لإجهاض أى عملية بناء للقوات المصرية.. وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت متشددة فى إخفاء هذه الصواريخ بكل وسائل التمويه والخداع.. إلا أن وحدات الاستطلاع كشفت عديدًا منها على طول خط بارليف.
ولذلك، فقد أمر الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، الرفاعى ومجموعته، قائلًا: "إسرائيل نشرت صواريخ فى الضفة الشرقية.. عايزين منها صواريخ يا رفاعى بأى ثمن لمعرفة مدى تأثيرها على الأفراد والمعدات فى حالة استخدامها ضد جنودنا".

ولم تمض سوى أيام قلائل لم ينم خلالها إبراهيم الرفاعى ورجاله.. فبالقدر الذى أحكموا به التخطيط أحكموا به التنفيذ.. فلم يكن الرفاعى يترك شيئًا للصدفة أو يسمح بمساحة للفشل.
عبر البطل الشهيد برجاله قناة السويس واستطاع أن يعود وليس بصاروخ واحد وإنما بـ 3 صواريخ.. كما نجح الرفاعى فى أسر جندى إسرائيلى عاد به إلى غرب القناة، كان هذا الأسير هو الملازم دانى شمعون، بطل الجيش الإسرائيلى فى المصارعة، وأحدثت هذه العملية دويًا هائلًا فى الأوساط المصرية والإسرائيلية على حد سواء حتى تم على إثرها عزل القائد الإسرائيلى المسؤول عن قواعد الصواريخ.
وصبيحة استشهاد الفريق عبد المنعم رياض فى 9 مارس عام 1969 طلب عبد الناصر القيام برد فعل سريع وقوى ومدوٍ حتى لا تتأثر معنويات الجيش المصرى باستشهاد قائده.. فعبر الرفاعى القناة واحتل برجاله موقع المعدية 6.. الذى أطلقت منه القذائف التى كانت سبباً فى استشهاد الفريق رياض.. وأباد كل من كان فى الموقع من الضباط والجنود البالغ عددهم 44 عنصرًا إسرائيليًا.

ومن هول هذه العملية وضخامتها تقدمت إسرائيل باحتجاج إلى مجلس الأمن يفيد أن جنودهم تم قتلهم بوحشية، ولم يكتف الرفاعى بذلك بل رفع العلم المصرى على حطام المعدية 6، بعد تدميرها وكان هذا العلم يرفرف لأول مرة على القطاع المحتل منذ 67.. وبقى مرفوعًا قرابة الـ 3 أشهر.
وبعدما اندلعت حرب أكتوبر المجيدة، واصل الشهيد الأسطورة ورجاله الأعمال البطولية فأباد عديد من الجنود الإسرائيليين، كما نجح فى إعادة الاستيلاء على حقل بلاعيم للبترول، وإعادته إلى مصر، وبعد حوالى 13 يومًا من اندلاع الحرب استشهد فارس القوات المسلحة إبراهيم الرفاعى يوم الجمعة 19 أكتوبر عندما حلَّ وقت الأذان بعدما أصابته إصابة مباشرة من دانة أطلقتها إحدى الدبابات، ليوارى جثمان الرفاعى الثرى ويبقى حيًا بسيرته العطرة تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.
الشهيد أحمد منسى
لم يكن مقاتلا من طراز فريد، ولم يكن مجرد قائد كتيبة وأحد أبطال الصاعقة المصرية، بل كان أيقونة فى القوة والشجاعة والإنسانية، كما أنه كان فى قمة التواضع والخلُق، لا يتحدث عن أى بطولات قام بها، ولا يشغله أى شىء سوى شىء واحد، وهو الوطن، إنه الشهيد البطل العقيد أركان حرب أحمد صابر المنسى، قائد الكتيبة 103 صاعقة، والذى استشهد هو ومعه عدد من أبطال القوات المسلحة فى منطقة البرث برفح فى 7 يوليو من عام 2017.

لم يخش منسى طوال فترة خدمته فى شمال سيناء حتى استشهاده، من التهديدات التى تلقاها من قبل العناصر التكفيرية والإرهابية، ولم يأخذ بعين الاعتبار كل المحاولات التى كانت تحدُث من أجل قتله، لأنه كان مؤمنًا بقضيته، وهى الدفاع عن مصر وشعبها الأبى ومؤمنًا أيضًا برسالته وهى رسالة الأمن والسلام.
فمنسى ورفاقه، سيكتب التاريخ عنهم الكثير والكثير، كيف لأبطال نجحوا فى مواجهة عدد من الإرهابيين، فى معركة شرسة بدأت منذ فجر يوم 7 يوليو، حتى الساعات الأولى من الصباح، واجهوا فيها سيارات مفخخة وأسلحة حديثة متنوعة بحوزة العناصر الإرهابية.
والشهيد أحمد منسى، وُلد فى مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية فى 4 أكتوبر عام 1978 والتحق بالكلية الحربية وتخرج ضمن الدفعة 92 حربية، ثم عمل ضابطًا بوحدات الصاعقة، كما خدم الشهيد لفترة طويلة فى الوحدة 999 قتال وهى وحدة العمليات الخاصة للصاعقة المصرية التابعة للقوات المسلحة.

التحق منسى بأول دورة للقوات الخاصة المعروفة باسم الـ "SEAL" عام 2001، ثم سافر للحصول على نفس الدورة من الولايات المتحدة الأمريكية عام 2006.
حصل الشهيد على ماجستير العلوم العسكرية "دورة أركان حرب" من كلية القادة والأركان وتولى الشهيد قيادة الكتيبة "103" صاعقة خلفًا للشهيد العقيد رامى حسنين الذى استشهد فى شهر أكتوبر عام 2016، والشهيد كان مشهودًا له بالكفاءة والانضباط العسكرى وحسن الخلق من الجميع وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال.
مواقفه الإنسانية
كان الشهيد أحمد منسى له العديد من المواقف الإنسانية التى لا تُحصى، سواء كان فى داخل نطاق عمله، أو مع أصحابه وجيرانه، أو مع أى فرد كان يحتاج لمساعدة، فكان يقدم المساعدة لأى إنسان محتاج، ففى نطاق عمله كان ودودًا للغاية مع ضباطه وجنوده، ويتعامل معهم كالأخ وليس القائد الذى يعطى أومرهُ، مما ساهم فى خلق حالة فريدة داخل كتيبته العسكرية وأصبح الجميع يعمل على قلب رجُل واحد، كما أن الشهيد كان يقوم بزيارة الضباط والجنود فى مدنهم وقُراهم ليطمئن على أحوالهم.
أما بالنسبة لمواقفه الإنسانية، فقد حكت زوجته السيدة منار فى إحدى الندوات التثقفية الخاصة بالقوات المسلحة أنه إذا كان يرى سيدة ومعاها أطفال، كان يقوم بتوصيلهم إلى باب المنزل الخاص بهم، كما أنه لم يبخل على أحد سواء كان مساعدات مادية أو معيشية أو نفسية، فى حالة فريدة نادرا ما توجد فى هذا الزمان.

علاقته بأهالى شمال سيناء
كانت علاقة الشهيد العقيد أحمد منسى بأهالى شمال سيناء، ذات طبيعة خاصة، إذ كان يلتقى أهالى وعواقل وشويخ القرى والمناطق فى مدن العريش والشيخ زويد ورفح، ويتعامل معهم باحترام وتقدير، كما كان يبحث مطالبهم ويرسلها للقيادة للعمل على حلها، كما أن الشهيد كان محبوبا من العرب والبدو فى سيناء وكانت له علاقات قوية وتعتمد على الثقة المتبادلة بينه وبين شيوخ القبائل.
كما أن للشهيد منسى العديد من المواقف مع أطفال سيناء، حيث كان يقوم بزيارتهم فى مدارسهم، ويلقى عليهم بعض الحكايات الوطنية عن سيناء والجيش المصرى فى أوقات راحته، كذلك كان يقوم بشراء الهدايا لهم، مما جعله يخلق حالة فريدة بين الأطفال والطلبة، ونجح فى توضيح الكثير من الأمور التى كانت غائبة عنهم.
الشهيد محمد أيمن شويقة
كتب اسمه فى سجل البطولات، وتساقطت الدماء لتروى ترابًا طاهرًا فى أرض الفيروز، استحق لقب "فدائى سيناء" بعد أن احتضن إرهابيا كان يحمل حزامًا ناسفًا، ليحمى زملاؤه من موت مُحقق، إنه الشهيد محمد أيمن شويقة.
فى 15 من ديسمبر 2015، كانت واحدة من أروع بطولات رجال الجيش والشرطة بسيناء فى حربهم ضد الإرهاب، حينما تمسك البطل محمد شويقة بالذهاب مع زملائه فى مداهمة ضد إرهابيين، مفضلًا ذلك عن مهمة أخرى لتأمين فوج الإجازات.

رغبة الثأر لمن استشهدوا قبله، كانت تدفعه للقصاص من القتلة، وكان له ما تمنى، وانطلق ضمن أفراد القوة لدك لمجموعة إرهابية بمنطقة المساعيد، وكان "شويقة" فى المقدمة، فانقض نحو إحدى العشش المشتبه فيها، وحينها شعر بحركة داخلها، وخرج الإرهابى منطلقًا نحو القوات، مرتديًا حازمًا ناسفاً لتفجيره بهم.
رغبة الثأر لمن استشهدوا قبله، كانت تدفعه للقصاص من القتلة، وكان له ما تمنى، وانطلق ضمن أفراد القوة لدك لمجموعة إرهابية بمنطقة المساعيد، وكان "شويقة" فى المقدمة، فانقض نحو إحدى العشش المشتبه فيها، وحينها شعر بحركة داخلها، وخرج الإرهابى منطلقًا نحو القوات، مرتديًا حازمًا ناسفاً لتفجيره بهم.
وأنتجت القوت المسلحة، فيلمًا عن الشهيد، أطلقت عليه "مارد سيناء" روى فيه قياداته حكاياتهم مع البطل الشهيد، ورغبته فى الثأر لزميله "بهاء".
حكى الشهيد لزملائه وقياداته ليلة استشهاده، أنه رأى زميله "بهاء" فى المنام داخل مزرعة، وكان واقفًا تحت شجرة، وأعطاه شئيًا فأكله، وتحققت رؤية محمد، ولحق بزميله.
وقال أحد الضباط، إنه لم يفسر نظرات محمد له وابتسامته سوى بعد استشهاده، مضيفًا أنه استيقظ يوم المهمة فى الخامسة صباحًا، وكان ينظر إليه مبتسمًا، وفجأة قفز من السيارة منطلقًا نحو أحد الأهداف "عشة" واحتضن الإرهابى الذى كان يرتدى عبوة ناسفة، ومنعه من الوصول لأفراد القوةـ "محمد مكنش بيجرى، ده كان طاير، كان المفروض يبلغ القائد بتاعه لما شاف الإرهابى، لكنه انطلق ومترددش إنه يحضن الإرهابى وياخده بعيد، عشان يحمى زمايله".