البابا كيرلس السادس
الأنبا إبيفانيوس، الأسقف الشهيد رئيس دير القديس أبو مقار، وصف البابا كيرلس السادس بأنه مارس بكل أمانة ما تعلمه من قديسى الكنيسة، واقتنع أن سر قوة حياته يكمن فى اقترابه من المذبح، وفى الاتحاد بالمسيح كل يوم فى سر التناول.
وأضاف إبيفانيوس: "لم يدرس البابا كيرلس السادس دراسة أكاديمية فى المعاهد اللاهوتية المتخصصة، مثله مثل الكثير من أبناء جيله، لكنه تعلم كل المفاهيم اللاهوتية من الصلوات الليتورجية التى كان يمارسها كل يوم أمام المذبح، خصوصًا صلوات القداس الإلهى، والتسبحة اليومية، التى كان يعشق تلاوتها كل يوم".
البابا كيرلس .. الخبرة
لم تكن معرفته اللاهوتية معرفة نظرية عقلية، بل كانت خبرة حياة عاشها وسلمها لتلاميذه ومحبيه، فكل من تلامس معه عشق الكنسية، وأحب صلواتها، وحفظ نصوص تسابيحها، فحفظته وكانت له حصنًا أمام تجارب العالم ومحارباته وشكوكه.
البابا كيرلس .. ليس من هذا العالم
أوضح يسرى عازر صموئيل، الباحث فى علم الآباء، أن البابا ليس من هذا العالم، فقد قال: "أود أن أعيش غريبًا، وأموت غريبًا".. مضيفًا "الله أراد للقمص مينا البرموسى المتوحد أن يصبح البابا كيرلس السادس، بابا وبطريرك الكرازة المَرقسية السادس عشَر بعد المائة، الذى نحتفل بذكراه هذه الأيام".
السيرة أطول من العمر
ولد عازر يوسف عطا ببلدة طوخ النصارى فى الثامن من أُغسطس عام 1902م، من أبوين مسيحيين أرثوذكسيين، وكان الثانى بين إخوته.. وقد عاشت أسرته فى دمنهور، ثم فى الإسكندرية حيث حصل على البكالوريا وفى عام 1921م.
عمل بعد حصوله على الشهادة فى شركة كوك شيبينج للملاحة بالإسكندرية، وكان مشهودًا له فيها بالأمانة والإخلاص، ونال ثقة رؤسائه وتقديرهم فى العمل، حتى قال عنه المدير العام للشركة، وكان أستراليًّا متشددًا يخشاه الموظفون: "إن هذا الشاب علمنى كيف أحترمه، وأعجبنى فيه رِباطة جأشه، وحسن تصرفه، ولم يتجنب مقابلتى كما يفعل زملاؤه".
وفى تلك الأثناء، درب نفسه على حياة النسك تمهيدًا لدخول الرهبنة، وكان يشعر بآلام الآخرين وحاجاتهم، وقد حدث يوم رِفاع "الصوم الكبير" أن وجد المائدة ممتلئة بأفضل أنواع الطعام، فطلب من والديه تقديم الطعام لإحدى العائلات الفقيرة المجاورة لهم، وكان له ما أراده.
وفاجأ عازر الجميع بتقديم استقالته، التى أدهشت مديره فحاول صرف عزمه عنها لكنه لم يفلح، وقد زكاه البابا أنبا يوأنس، البابا الثالث عشر بعد المائة، للرهبنة بدير السيدة العذراء الشهير بالبرموس، فسيم راهبًا فى 25 فبراير عام 1928م باسم مينا البرموسى.
بعدها، التحق بالمدرسة اللاهوتية فى حلوان ليدرس بها، ثم سِيم قسًا فى يوليو عام 1931م، وفى عام 1934م، أراد البابا يوأنس سيامته مطرانًا للغربية والبحيرة، فما إن علم بذلك حتى هرب إلى دير القديس أنبا شنودة رئيس المتوحدين فى سوهاج، وبعد عودته إلى ديره، توحد فى مغارة فى الصحراء تبعد عن الدير مسافة ساعة سيرًا على الأقدام.
وعندما طرد سبعة من رهبان الدير، خرج معهم لخدمتهم، وقابل البطريرك وأوضح له الأمر، فعاد الآباء إلى ديرهم، وانتقل هو ليعيش فى طاحونة بصحراء مصر القديمة.
فى الطاحونة بدأ كثيرون يسعون للتبرك من الراهب مينا البرموسى المتوحد، وأسندت إليه رئاسة دير أنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون، ورقى قمصًا، فاهتم القمص مينا البرموسى بالدير، وعمره ورمم الأسوار المتهدمة، كما عمر كنيسة الدير ببلدة الزورة، وكان يتنقل بين الطاحونة والدير.
ومع بدء الحرب العالمية الثانية، ترك الطاحونة وعاش متنقلاً بين دير الملاك القبلى، وكنيسة العذراء ببابليون الدرج.. ثم بنى كنيسة على اسم القديس الشهيد مار مينا العجائبى الذى كان يحبه كثيرًا، وأقام مسكنًا للطلبة، وأعاد إصدار مجلة ميناء الخلاص، وكان مرشدًا للشباب والخدام ذلك الوقت.
نقطة تحول
بعد رحيل البابا يوساب الثانى، الـخامس عشر بعد المائة، زكاه القائم مقام البطريرك أنبا أثناسيوس مطران بنى سويف، دون علمه، وكان الخامس فى الترتيب.
وبعد الانتخابات، فى السابع عشر من إبريل 1959م، كان الثالث، وأعلنت القرعة الهيكلية اختياره بطريركًا للكرازة المَرقسية فى التاسع عشر من إبريل 1959م، ليصير البابا كيرلس السادس السادس عشَر بعد المائة.
ولهذا قصة: فقد ظهر له فى حلم البابا كيرلس الخامس، وقال له: "أنظر يا أبونا مينا عصا الرعاية انكسرت منى أثناء صعودى الجبل، فأنا حزين عليها جدا". فقال له: "يتفضل سيدنا ويتركها لى قليلاً"، فأعطاه إياها، فأصلحها وأعادها له. ففرِح البابا وقال له: "خذها يا أبونا مينا، قد وهبتها لك"، فتسلمها من يده. وقضَّى على الكرسى المَرقسى 11 سنة و9 أشهر و29 يومًا، وتوفى فى التاسع من مارس عام 1971م.
كانت آخر زياراته فى دير مارمينا بمريوط، فى مايو عام 1970م. ويذكر تلميذه القمص رافائيل آڤا مينا عن وداع قداسته: "ودع البابا دير مارمينا ورهبانه بطريقة تختلف عن كل مرة: فقد استدعى الرهبان، ووجهه مطرِق إلى الأرض، ويحاول أن يمسك دموعه حتى لا تغلبه، وسلم كل واحد من الرهبان قلنسوة بيده، وبعدها عمِل تمجيدًا للشهيد مارمرقس الرسول والشهيد مارمينا، وانصرف من الدير".
وتوفى البابا فى قلايته بالبطريركية بالأزبكية، وكانت كلماته الأخيرة: "الرب معكم.. الرب يدبر أموركم".. وتبارك منه الشعب، ودفن تحت مذبح الكاتدرائية بالعباسية جوار الشهيد مارمرقس الرسول، ونقل إلى دير مارمينا بمريوط حسب وصيته.. وفى يونيو 2013م، اعترفت به الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قديسًا.
رجل الصلاة
قال ماجد كامل، الباحث فى أسقفية الشباب، اللقب الذى أشتهر به البابا كيرلس السادس هو لقب "رجل الصلاة "، فقد حرص منذ أن سيم قسًا أن يقيم صلوات القداس الإلهى يوميا مهما كانت الظروف.
وروى عنه أنه فى طفولته توجه إلى مائدة طعام أسرته، فشاهد عليها ما لذ وطاب من أصنفة الطعام الجيدة، فثار وعاتب والدته، قائلا: "إننا نأكل الطعام الفاخر، وبجوارنا عائلة الكردى فقيرة ومحتاجة حتى إلى العيش الحاف ألا يحسن أن نهديهم هذا الطعام الفاخر فهم أحوج منه إلينا فسرت الوالدة للشعور الجميل الذى للطفل عازر".
البابا كيرلس .. مع عبدالناصر
أوضح كامل أن الكنيسة القبطية شهدت فترة من البهاء من أهم ملامحها الصداقة القوية والمتينة التى ربطته بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وتمت فى عهده افتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالأنبا رويس فى يوم 25 يونيو 1968 بحضور الرئيس عبدالناصر، والامبراطور هيلاسلاسى أمبراطور إثيوبيا، كذلك تمت إعادة جزء من رفات القديس مرقس الرسول من فينسيا.
وتوالت الإنجازات حتى رحل عن عالمنا الفانى فى يوم 9 مارس 1971، ودفن أولاً بالكاتدرائية المرقسية، ثم نقل بعدها، بناء على صيته، إلى دير مارمينا بمريوط حيث دفن هناك، وكان ذلك فى يوم 24 نوفمبر 1972، ومازال جسد البابا كيرلس مدفونا بدير مارمينا يزوره الألوف يوميًا.