البث المباشر الراديو 9090
الرافعي
لوهلة تخيلت وأنا أستمع إلى صوت الممثل أحمد الرافعى، أنه يُكمل دور "مفتى الجماعة" فى مسلسل "الاختيار". لوهلة تخيلت أن الإعلامى نشأت الديهى قد طلب منه، كما يفعل إعلاميون مع فنانين، تقديم محاكاة قصيرة لشخصيته، لكننى تيقنت أن أحمد الرافعى لا يقوم بدور "مفتى الإرهاب" فى هذه اللحظة، وإنما يقوم بدور أكثر تشدداً. انتهت مداخلته، وقد أدركت أن الفنان والشخصية التى يتقمّصها قد يتطابقان فى الواقع.

- ما قاله أحمد الرافعى لا يقل عنفا عما يقوله مفتى التكفير
 
- مفتى الإرهاب يكفر الضباط والجنود والنظام بينما الرافعى يرفض تكفير التكفيريين لأن شيوخه نصحوه بألا يكفر دجاجة
 
- هل هناك صعوبة فى غسل دماغ طالب تقول له كتب الدراسة إن بإمكانه تناول زوجته على العشاء؟
 
- لغة الرافعى مجوفة وحاول أن يبدو مثقفا لكن تشبيهاته كانت مضحكة
 
- من قتلوا فرج فودة هم أنفسهم من قتلوا الشهيد المنسى
 
كانت لغة الرافعى تنساب عبر التليفون كأنها تخص شخصية خارجة من أفلام قريش، لغة فصيحة عليها طبقة "شحوم" سميكة، لغة قديمة وغريبة ومملة ووقعُها كئيب. كان نشأت الديهى، المندهش، يتخيل أنه سيحل الأمر ببساطة، وأن الرافعى سيعترف بخطئه والسلام، لكن الممثل كان يتحفنا بعباراته الغريبة: "سيبك من الفقير إلى الله". يقصد نفسه، و"لقد تعرضت للسموم وشمّرت ذراعى وتوكلت على الله". كان منطقه فاسداً، وحاول التمسح بشهداء الجيش، لينفى عن نفسه تهمة الوقوف فى صف "المعسكر الآخر"، لكنه لم يجد حرجاً فى إعادة التمثيل بجثمان المفكر الراحل فرج فودة، إذ رأى –بخلاف وصفه له بالشخص "النافق" - أنه لم يترك شيئاً يُذكر، وأن هذه الكلمة، كلمة "نفوق" قيلت فى سياق، وأن المصريين فرحوا فى مقتله وإن كان قد خفف الكلمة هذه المرة إلى "وفاته"، لكنه لم يقل بالضبط من هم هؤلاء المصريون الذين فرحوا فى اغتيال فودة.

وصف الرافعى إسلام البحيرى كذلك بـ"إلحاد البحيرى" وخالد منتصر بـ"المتنصِّر" وفى مداخلته الهاتفية لم يتراجع، وإن ظهر لنا بوضوح أنه شخص مراوغ، وقديم، وحيلته لم تنطل على أحد، بل إنه ورّط الأزهر، وأعاد تجديد الكلام عن عدم قبوله تكفير الإرهابيين. كان الرافعى يبدو وكأنه يحاول الاختباء - خلف كبير الحارة - من أعداء غير ظاهرين، والأعداء فى الأغلب مثقفون ومفكرون وكتّاب وفنانون وأشخاص عاديون لم يحرضوا على القتل. وقد انحرف الرافعى قليلاً عن شخصية مفتى الإرهاب بعد أن كانت تتلبّسه بالكامل، والفارق فقط أن المفتى يكفّر الجنود والضباط والنظام، بينما يرفض الرافعى تكفير التكفيريين، لأن شيوخه نصحوه بألا يكفّر دجاجة.

لغة الرافعى مجوّفة، وقد حاول أن يبدو مثقفاً لكن تشبيهاته كانت مضحكة، إذ أنه فى إحدى محاولاته للهرب من الأسئلة، حاول استخدام كلمة "نفوق" ليقول إنها عادية، وكأن هناك أستاذاً فى فصل طلب منه أن "يضع هذه الكلمة فى جملة مناسبة"، ليردّ عليه بدون تفكير: "نفوق عدد من الحيتان على شاطئ البحر"، وهكذا ساوى بين "نفوق الإرهابى عمر رفاعى" و"نفوق المفكر فرج فودة" و"نفوق الأسماك"، كما أن "دخلته كانت غلط" تماماً، فقد حاول أن يظهر فى هيئة الشخص "الكاجوال" قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. بس مش بتاعة الإرهابيين"، وضحك، لكننا لم نضحك، إذ لم ينحرف فى كل كلامه عن أفكارهم!

أعادت مداخلة الرافعى التذكير بكل شىء خاطئ، بتوقف الكلام عن تجديد الخطاب الدينى، بتوقف الكلام عن فرز وتنقية كتب التراث ومناهج كانت مكتوبة لجماعات "الحلاليف"، جماعات لا تجد حرجاً فى شرب بول الإبل والحمير والمعيز والجديان والظربان، جماعات لا تجد حرجاً فى شىّ الزوجة، أو نكاحها بعد وفاتها. والسؤال: هل هناك صعوبة فى غسل دماغ طالب تقول له كتب الدراسة إن بإمكانه تناول زوجته على العشاء؟ هل هناك صعوبة فى أن يحمل هذا الشخص سلاحاً يوماً ما ليقتل به "نصرانياً"، أو "ذمياً" - بوجه عام - أو ضابط جيش، أو ضابط شرطة، أو مسؤولاً حكومياً، أو حتى شخصاً من دينه؟ أعاد الرافعى التذكير بأن هناك كثيراً من المتطرفين المستترين خلف ملابس أنيقة، قمصان أحياناً، وجبة وقفطان أحياناً أخرى، قد يتنبّهون أعواماً لكل حرف يصدر عنهم، لكن ألسنتهم تزلّ لحظة ما، وهذه الزلات تعيد تقديمهم على حقيقتهم، وقد رأينا كثيرين منهم يرفضون تحية العلم، أو تهنئة المسيحيين بأعيادهم. أعادت مداخلة الرافعى التذكير بكل الوجوه الكئيبة التى تختبئ بين صفوفنا، وبعضهم لا يقل تطرفاً عن هشام عشماوى ورفاق الرافعى الذين يطاردهم الشهيد المنسى فى "الاختيار".

لم يستمع الرافعى تقريباً إلى الديهى، وهو يقول له إن فرج فودة لم يحمل سلاحاً، فهو يعرف أن فرج فودة لم يحرض على القتل، ولو كان استمر، لو كُتبت له النجاة، ولو أتحنا الفرصة للنماذج المضيئة مثله، لكنا لا نعانى حالياً من تلك الكراهية، التى كانت تصبغ صوت الرافعى الضاحك بافتعال. كانت الحرب شرسة بين الحكومة والإرهابيين، خلال حقبتى الثمانينات والتسعينات، وبرز فرج فودة فى المقدمة، وبدا مثل شعلة بددت الظلمة، لدرجة أن الثعابين والفئران خرجت من أوكارها. لم يتجاوز عمره الفكرى أكثر من 10 سنوات، وقد كانت تجربته مع حزب "الوفد" قاسية، بعد أن التحق به فى مقتبل عمره، واكتشف أنه يرتّب الانتخابات مع الإخوان المسلمين وقتها، لكنه لاحقهم بمقالاته وأغضبهم، ولجأ الإخوان إلى رئيس الوفد فؤاد سراج الدين، فتحدث مع فودة، وطالبه بالكف عما يكتبه، لكن فودة الحُر لم يقبل، وقال إنه ينتمى إلى "وفد" سعد زغلول ومصطفى النحاس، لا هذا الوفد الذى يضع يده فى يد القتلة، وكان كتابه "الوفد والمستقبل" ضربة فى رأس المتطرفين، وكذلك أول علامة تؤشر على الخطر الداهم الذى أحاق به وأدى إلى اغتياله بعد ذلك.

أصدر كذلك "قبل السقوط" عن ألاعيب وانتهازية الإخوان والجماعات المتطرفة وكذلك "النذير" و"الملعوب" و"حوار حول العلمانية" وغيرها وكان يطالب بتنقية التراث، وما طالب به يتطابق مع توجّه مؤسسات الدولة الآن، إلا أن هناك كثيراً من العوائق تتعلق بالأدمغة القديمة التى تتستر بالدين، وتجعله فزاعة لإيقاف أى محاولة للتغيير.

كان فودة يكتب كذلك مقالاً كل أسبوع فى مجلة "أكتوبر" دارت أفكاره حول التسامح ومواجهة الكراهية، وكان ما يكتبه يثير حفيظة المتشددين، لكنه استمر قوياً فى مواجهتهم، لدرجة أنه قبِل مناظرة بعض رموز التطرف، مثل الدكتور محمد عمارة وكذلك محمد الغزالى، فى معرض الكتاب، يناير 92، والغزالى أصدر ما يشبه قراراً بتكفيره فى المناظرة، وفى 3 يونيو 1992، نشرت جريدة "النور"، المعروفة بعدائها الشديد لفرج فودة تفاصيل قضية قذف أقامها ضدها، بعد اتهامه بأنه يعرض أفلاماً إباحية ويدير حفلات للجنس الجماعى فى جمعية "تضامن المرأة العربية"، ثم نشرت الجريدة بياناً من ندوة علماء الأزهر يكفّر فرج فودة ويدعو لجنة شؤون الأحزاب لعدم الموافقة على إنشاء حزبه "المستقبل" وبعدها بأيام تمت تصفيته على يد شابين ينتميان إلى الجماعة الإسلامية، وكان آخر ما سمعه الناس منه بينما يلفظ أنفاسه الأخيرة: "ربنا يعلم إنى معملتش حاجة إلا من أجل بلدى".

كان من الطبيعى أن تكون هذه هى نهاية فودة، فبخلاف أنه وقف ضد أفكار الجماعات المتطرفة، وقف كذلك ضد اقتصادها، اقتصاد شركات توظيف الأموال، مثل "الشريف" و"الريان"، كانت تلك الشركات تهيمن على اقتصاد البلد وتتحكم فى كل شىء، سواء فى الأرياف أو المدن، من الأجبان إلى الملابس، ولحسن الحظ أن الدولة قد انتبهت إلى هذا بعد ثورة 30 يونيو، إذ ظهر واضحاً أن كثيراً من رموزها يتحكمون فى الأسواق، من أول الدواجن إلى الماركات العالمية، الساعات والهواتف والصيدليات.

لم ينته الكابوس باغتيال فودة، فبعد عام على استشهاده، أى فى 93، بدأت محاولات المتشددين لاغتيال نصر حامد أبوزيد معنوياً، وفى 94 جرت محاولة اغتيال نجيب محفوظ. كان الهدف إخراس أى صوت يجد صدى فى عقل أى مصرى بسيط، يستيقظ ويذهب إلى عمله، يكد ليجنى اللقمة لأولاده، ويحافظ على صلواته فى الكنائس والمساجد أو البيوت، لا يكره جيرانه، ولا يحقد على الناس، لا يكفر الآخرين، ولا المختلفين حتى من دينه، لكن للأسف الشديد لم ينته الإرهاب، ولم تنته الحرب عليه. الإرهاب قد يكون إرهاب رصاص كما نراه فى سيناء، لكنه كذلك إرهاب فكرى، وإرهاب مستتر، يعشش بالقرب منا، لكننا لا نكتشف أصحابه، إلا حين تكون هناك ثغرة أو هفوة، مثل هفوة أحمد الرافعى، الذى يمثل امتداداً لعقود من الكراهية.

من قتلوا فرج فودة هم أنفسهم من قتلوا الشهيد المنسى. وما قاله أحمد الرافعى لا يقل عنفاً عما يقوله مفتى التكفير، وعما تقوله الشخصيات التى سأمنا من الحديث عنها، وعن محاولة منحها بالعافية لقب شيوخ. أحمد الرافعى سقط بسرعة، لأنهم لم يدربوه على اللف والدوران لوقت كاف، سقط بسرعة لأن كراهيته ومرجعيته أكبر بكثير من أن يقول لأحد ببساطة: آسف.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز