البث المباشر الراديو 9090
فرج فودة
قبل أن يكمل أوراقه للسفر إلى فرنسا بصحبة ابنه، كان على موعد آخر للقاء ربه، كى يشكو إليه ما فعله به هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الجميع، لحظة واحدة غيرت مسار المفكر الكبير الدكتور فرج فودة من السفر إلى فرنسا إلى السفر للدار الآخرة، رصاصات غدر أنهت حياته.

سائق الراحل فرج فودة:

كان إنسانًا إلى درجة كبيرة

ابنته ياسمين كانت كل شىء فى حياته 

قص علىَّ محاولة اغتياله الأولى 

طلب منى الهرب لو أُطلق الرصاص عليه

فى حى مدينة نصر عام 1992 كان الحادث المروع لإرهابيين قتلوا رجلًا لمجرد أنه حاول التفكير، أراد التمرد وإعمال العقل، حاول طرح الأسئلة والبحث عن إجابتها، تمنى للعلم أن يسود.

جريمة اغتيال الدكتور فرج فودة، واحدة من الجرائم التى توصف بالمواجهة بين النور والظلام أو بين العلم والجهل.

فى ذكرى رحيل الدكتور فرج فودة التى توافق 8 يونيو، ننشر حوارًا أجرته مجلة أكتوبر فى 21 يونيو 1992، مع محمد فاروق الخولى، السائق الخاص للدكتور فرج فودة، قص فيها علاقته بالرجل، ولحظة الاغتيال.

وإلى نص الحوار..

الشهامة تواجه الإرهاب!

السائق الذى طارد الجناة يروى تفاصيل اللحظات المثيرة

نصحنى دكتور فودة مرة بالهرب إذا أطلقوا عليه الرصاص

سهل جدا أن تطلق رصاصة على رجل من ظهره ثم تسارع بالهرب والاختباء، سهل جدا أن تختبئ فى الظلام وتطعنه بسكين الغدر والنذالة، الصعب أن تواجه الرأى بالرأى والحجة بالحجة، وهذه بشاعة المأساة التى راح ضحيتها الكاتب والمفكر الدكتور فرج فودة، فقد اغتالته يد الإرهاب ولم تواجهه.. أطلقت عليه رصاص الجبن والخسة ولاذت بالفرار، لكن المأساة كان لها وجهها الآخر.

خلال اللحظات الرهيبة التى أعقبت إطلاق الرصاص، انطلق مواطن مصرى بسيط لا يملك إلا شجاعته يطارد الإرهابيين، وفتح مواطن آخر باب منزله لرجل استغاث به دون أن يفكر لحظة واحد فيما يمكن أن يحدث له، وهذه هى الشهامة المصرية التى تظهر دائمًا فى الأوقات الصعبة.

فرج فودة وقاتله

فرج فودة وقاتله

أحد رموز هذه الشهامة المواطن المصرى محمد فاروق الخولى، السائق الخاص للدكتور فرج فودة، ورغم أنه لم يعمل عند فودة إلا قبل وقوع الحادث بثلاثة أسابيع فقط، فإنه طارد الجناة بمفرده، مستخدمًا سيارة الفقيد، لمسافة 2 كيلومتر، وكان سببًا فى إلقاء القبض على الإرهابيين.

عندما ذهبنا لمقابلته فى منزله استقبلنا والده "فاروق الخولى" 54 سنة، وقال بفخر: "محمد هو الخامس فى الترتيب بين أولادى السبعة، وكلهم أكملوا تعليمهم ومنهم الصيدلى والمهندس، أما محمد فلم يوفق فى الثانوية العامة، لكنه تعلم القيادة وأصبح سائقًا فى أحد الفنادق، ثم عمل بالصدفة عن طريق أحد الأصدقاء كسائق خاص للدكتور فرج فودة.

ويضيف: الناس تتعجب من تصرف محمد وقت وقوع الحادث، ولكنى أقول إنه كان لابد أن يفعل ما فعله، لأن العمر واحد والرب واحد، والأعمار بيد الله.

حوار سائق فرج فودة

حوار سائق فرج فودة

الغريب أن والد محمد يؤكد أنه سمع بالحادث من خلال الصحف فى صباح اليوم التالى، وأن ابنه اتصل به لطمأنته وأخبره أنه سيبيت فى النيابة لاستكمال تحقيقات حادث الاغتيال.

أما محمد فاروق، الفارس الذى أظهرته الحادثة كنموذج للشجاعة والتضحية فهو شاب بسيط يبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا، يتحدث بانفعال صادق عن الحادث وعن علاقته التى لم تستمر بالدكتور فودة، كما لم يفلح طوال حواره معنا فى إخفاء تأثره الشديد بوفاة الرجل الذى عمل معه ثلاثة أسابيع فقط.

قال لنا فى البداية متذكرًا لحظة اغتيال الدكتور فودة يوم الحادث المشئوم: كان الدكتور فودة منتظرًا إحضار جوازات السفر الخاصة بأسرته وكان مقرر أن يسافر إلى فرنسا منتصف الشهر، مع ابنه أحمد الذى لم يأخذه معه من قبل إلى الخارج، وعند خروجى معه من مكتبه بصحبة صديقه "وحيد رأفت زكى"، وابنه أحمد، سمعت صوت طلقات رصاص متتابعة، سقط بعده الدكتور فودة على الأرض فى ثوانٍ قليلة، وعندما نظرت إلى الخلف فوجئت بشاب يصوب بندقية إلينا، بينما وقف موتوسيكل ينتظره بجانبه، وعلى الفور وبصورة تلقائية أخذت مفاتيح السيارة وقررت مطاردة الجناة، وكان تفكيرى أنه ليس هناك أحد على استعداد لمطاردة الجناة وكان كل هدفى من المطاردة اصطدام السيارة فى الموتوسيكل من الخلف، وبالفعل تمكنت من ذلك بعد تقاطع شارعى الطيران وخضر التونى بمسافة قليلة.

فرج فودة

سيارة فرج فودة بعد اغتياله

ويكمل: أتذكر أننى كنت أقود السيارة بجنون لدرجة أننى لا أعرف كيف تخطيت المترو فى هذه اللحظة، كما اصطدمت السيارة بسيارة أخرى كانت على جانب الشارع، وفوجئت بأحد الجناة يستدير ناحيتى ويطلق دفعة كاملة من الرصاص من مسافة لا تزيد عن 30 مترًا فقط، لدرجة أننى كنت أشعر بواقع أصوات الرصاص أسفل قدمى ولكن لم أتوقف عن الاستغاثة: "حرامية حرامية .. قتلوا د. فرج".

وتابع: دخلت بسرعة إلى أحد الجراجات وخلفى الإرهابى الذى حطم زجاج إحدى السيارات داخل الجراج، ثم أسرعت إلى مدخل العمارة مستنجدًا بالسكان، حتى استجاب لى أحدهم، وأدخلنى شقته فى الطابق الثالث، بنفس الوقت الذى يأس فيه الإرهابى من العثور علىَّ فلاذ بالفرار.

سلوك فطرى

ولكن كيف فكرت فى اتخاذ هذا الموقف مع رجل لا تعرف إلا من 3 أسابيع؟
الحقيقة أن ما فعلته ليس له علاقة بالدكتور فودة، وما كان موقفى سيختلف لو كان الحادث مع شخصٍ آخر، فالأمر ليس مسألة شخصية بدليل أننى لم أعرف تحديدًا ما هو فكر واتجاه دكتور فودة بل لم أكن سمعت عنه إلا يوم عملته عنده كسائق خاص، بعدها قرأت له مقالات فى مجلة أكتوبر مثل: عصر الاستيكة، وكل ما فعلته سلوك فطرى تجاه شخص مسالم أعزل تعرض للاعتداء غدرًا وبشكل مفاجئ.

وتابع: الدكتور فرج فودة كان إنسانًا إلى درجة كبيرة، أولا كان صاحب خفة ظل بصورة يندهش لها الكثيرون، كما كان كريمًا ومتواضعًا خصوصا مع البسطاء وكان يتبسط كثيرًا فى حديثه مع الأشخاص العاديين ويستمع إليهم فى سعادةٍ كبيرة، لذلك ليس غريبًا أن تجده محبوبًا من البوابين سواء فى عمارته أو العمارات المجاورة.

وقال: كان الدكتور فودة محبوبًا من جميع أفراد أسرته خصوصا ابنته الصغرى "ياسمين" التى كانت كل شىء فى حياته.

هل كنت تدرك حجم الخطر الذى يهددك بالعمل مع شخص تعرض لمحاولة اغتيال من قبل؟ هل كنت تعلم أنه مستهدف من هؤلاء الإرهابيين؟

عندما التحقت بالعمل كسائق خاص للدكتور فرج فودة، قص علىَّ محاولة اغتياله من قبل عندما دهست عربة نقل ضخمة سيارته فجأة، وقال لى أيضًا إنه كانت هناك محاولة لاختطاف ابنه، وصارحنى: إننى أترك لك الحرية تمامًا، فإما أن تذهب وإما أن تبقى معى، وأضاف: لو فوجئت فى أحد الأيام بالرصاص ينهال علىَّ لا تندهش أبدًا بل أطالبك بالهرب فورًا ولا لوم عليك.

حوار سائق فرج فودة

يبدو من حديثك أنك كنت تأمل نجاته من الموت رغم عدد الطلقات التى أصابته؟
هنا قال محمد فى تأثر شديد: نعم كان نفسى يعيش لأنه كان راجل كويس وأنا ما صدقت لقيت إنسان كويس أعمل معه وحتى بعد عودتى من مطارة الجناة وطوال تحقيق النيابة معى كنت أقنع نفسى أنه يمكن أن يعيش ولكن فوجئت أثناء التحقيق حوالى الساعة الثانية صباحًا بأحد وكلاء النيابة يدخل فجأة ويخبرنا بهدوء أن الدكتور فرج توفىَّ.

السفير يفتح بابه

ونستكمل القصة من مواطن مصرى آخر، ورمز من رموز الشهامة وهو السفير فوزى بخيت حسين.
عندما انتهت المطاردة التى استمرت دقائق معدودة أمام العمارة رقم 48 شارع خضر التونى واصطدم السائق محمد فاروق بإحدى السيارات بعد صدمه للموتوسيكل من الخلف، لم يستطع سائق الموتوسيكل "أشرف صالح" النهوض نظرًا لبعض الإصابات التى لحقت به بسبب قوة اصطدام السيارة، بينما استطاع زميله الآخر عبد الشافى رمضان، النهوض وصوب طلقاته إلى السائق محمد فاروق الذى أسرع ودخل العمارة وراح يدق أبواب الشقق التى تقابله إلى أن فتحت له الشقة رقم "5"، بالدور الثالث، فطلب من صاحبها السفير فوزى بخيت حسين الدخول بعد أن عرفه بنفسه طالبًا حمايته من رصاص الإرهاب، التى اغتالت دكتور فرج فودة.

جرس الباب

رحب السفير بالسائق وهدأ من روعه، وأغلق باب الشقة جيدًا ثم سارع بإحضار الأسلحة المرخصة لديه وهى 3 مسدسات وبندقيتان وحشر خزانتها بالطلقات انتظارًا لما يمكن أن يحدث.

بعد دقائق دق جرس الباب وتكهرب الجو للحظات، السائق محمد فاروق يزداد اضطرابًا ورعبًا، دقات قلبه تعلو دقات جرس الباب، السفير فوزى ينتفض من مكانه: "مين اللى بره" قالها مرتين وسبابة يده اليمنى على زناد مسدسه، وجاءه الرد: "أنا بابا".

مكان اغتيال فرج فودة

كان الطارق هو ابنه المهندس ياسر فوزى بخيت 30 عامًا، وصعد السلالم بسرعة للاطمئنان على أسرته بعد أن أخبره الجيران فور وصوله أن شابًا يحمل رشاشًا اتجه نحو عمارتهم .

فور دخوله الشقة فوجئ ياسر بوجه غريب يستقبله، قبل أن يسأله أجابه والده عن الأسئلة التى دارت فى ذهنه ولكن إجابات الوالد لم تمنع الابن من مطالبة السائق بالاطلاع على بطاقته حتى يطمئن إليه مثل أبيه الذى فتح باب الشقة مؤكدًا أنه لم يفعل سوى الواجب الدينى والإنسانى الذى يحتم عليه إغاثة الملهوف ونجدة المكروب بغض النظر عن هويته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز