خطاب فرج فودة إلى الرئيس مبارك
أنت أول قائد يأتى من خارج ثورة 23 يوليو
من أحاديثك وقراراتك أنك رجل واضح وصريح
الخطوة العامة للسياسة لازالت صالحة للنمو والتطبيق
من الممكن أن تصبح رئيسا فوق الأحزاب
عز على جيلنا حتى أن يحلم
فى ذكرى وفاته الثامنة والعشرين، ينشر مبتدا خطابًا وجهه الدكتور فرج فودة، للرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، تحدث فيه للرئيس الراحل عن ظروف توليه وأحلامه وآماله.
نص الخطاب
سيادة الرئيس
أعلم أنك قد توليت فى ظروف بالغة الصعوبة، وفى توقيت لم تتوقعه. وفى ظل واقعة حزينة ومفزعة لم تكن تخطر على بالك أو على بال أحد.
والواضح من أحاديثك وقراراتك حتى الآن، أنك رجل واضح وصريح، وأن قلبك يتسع لسماع النصيحة والمشورة، وأن وجدانك يتسع لسماع رأى من ولوك فى ولايتك.
لقد أجمع المصريون على انتخابك رئيسا، ولا يتشكك أحد فى الأغلبية المطلقة التى حصلت عليها من الأصوات، والذين أعطوك أصواتهم وأنا منهم، من حقهم عليك أن ينقلوا إليك مشاعرهم وقت انتخابك، ومشاعرهم الآن بعد مرور أكثر من عام على توليك..
لقد ترتب على ظروف توليك الصعبة أن تراوح مزاج المصريين بين التفاؤل والتشاؤم، وهذا أمر طبيعى..
أما المتفائلون فقد بنوا تفاؤلهم على عدة عوامل إيجابية أحاطت بتوليك..
وأول هذه العوامل أنك فى نظر الكثيرين، أول قائد يأتى من خارج ثورة 23 يوليو ليس إنكارا لها، أو هروبا من دورها التاريخى، فليس ذلك هو القصد، وإنما القصد ببساطة، أنك تملك فرصة ذهبية لأن تتحمل أى تركة، حتى لو كانت تركة ثورة 23 يوليو بما لها وما عليها، وهذه بالتأكيد إيجابية لم يتمتع بها سلفك.. إنك تملك القدرة على أن تبدأ عهدا جديدا تماما دون التزام بقيود مسبقة، ودون أى انتماء يسمونه بالشرعية الثورية ودون أن تتحمل خطاب السابقين..

هذه واحدة..
والثانية..
أنك لست ملتزما بأن تثقل كاهلك بذلك الحمل الثقيل، وأقصد به الحزب الوطنى الديمقراطى، ومن الممكن أن تصبح رئيسا فوق الأحزاب، دون أن تفقد ولاءها جميعا لك، والتفافها حولك..

والثالثة
أنه على الرغم من أخطاء التطبيق.. بل بزيادة أخرى فى التحديد رغم كل فساد التطبيق.. إلا أن الخطوة العامة للسياسة لازالت صالحة للنمو والتطبيق فى ظل مناخ أكثر نظافة وصدقا مع النفس وتوافقا مع المضمون..
إن شعار الديمقراطية وتعدد الأحزاب لازال مطروحا..
وشعار الانفتاح الاقتصادى.. رغم كل ما يوجه إليه.. لازال يمثل فى السياسة، على أن يطبق بعقول مفتوحة وجيوب مغلقة، وليس بأسلوب العقول المغلقة والجيوب المفتوحة، على أن يتيح الفرصة الحقيقية لكل المصريين لبناء اقتصادهم الوطنى وتنمية ثرواتهم فى ظل قوانين اقتصادية واضحة وعادلة وصارمة..
والتكامل الاقتصادى المصرى السودانى، قد قطع شوطا بعيدا فى التطبيق وهو أعظم الإنجازات، وإن كان قد افتقد عنصرا أساسا فى قيامه وهو أن يكون تكاملا أو اتحادا بين نظم ديمقراطية، وبمعنى آخر بين شعوب وليس بين حكومات أو رؤساء، لكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله.

والرابعة
أن كل النظم العربية من حولك قد حولت عداءها بصورة مباشرة إلى شخص الرئيس الراحل، وقد زاد هو من حدة العداء، حتى حوله إلى ما يشبه العداء الشخصى، بحيث أصبحت كل هذه النظم مستعدة لتقبل أى قيادة جديدة والتعاون معها دون شروط تتعلق بالسيادة المصرية أو بتغيير منطلقاتها السياسية الأساسية.
والخامسة..
أنك تتسلم أراضى مصر المحررة بالكامل تقريبا، وهو إنجاز عظيم ورغم كثير من الملاحظات على اتفاقية السلام، وعلى السلبيات المترتبة عليها، إلا أنها كانت إنجازا فى ظل "الممكنات"، ونقطة بدء لاستدراك سلبياتها فيما بعد، بعد أن أزاحت عن كاهل المصريين ذلك الاحتلال الجاثم البغيض، وقد تحمل الرئيس الراحل سلبياتها بشجاعة ورحل، ولنا أن ندرك معك هذه السلبيات.
هذا عن وجهة نظر المتفائلين، ماذا عن المتشائمين؟
لقد بنى المتشائمون وجهة نظرهم على عدة عوامل، أولها عدم التفاؤل بالحكام ذوى النشأة العسكرية لافتقاد الرابطة بين السبب والنتيجة، حيث لا معنى لأن تكون الكفاءة القتالية مبررا لتولى الحكم المدنى من ناحية، ولخطورة أن تنعكس تلك النشأة على أسلوب الحكم من ناحية أخرى، وثانيها أن سلفك كان ذا مزاج شخصى عصبى، وكان يهوى أن يفاجئ الجميع، حتى أقرب المقربين، بقرارات، صاحبها الصواب أو جانبها، معتقدا أنه يتمتع بقدر هائل من الإلهام وصاحب تلك الطبيعة عادة يختار معاونيه ممن يتوسم فيهم قدرا كبيرا من التجارب، وقدرا أقل كثيرا من استقلالية الرأى، وثالثها البترول، وهو المورد الأساسى للميزانية فى انخفاض مستمر، وحادث الاغتيال انعكس بصورة سلبية على موردين أساسيين آخرين، هما تحويلات المصريين من الخارج، والسياحة، وأسوأ من ذلك كله، أن الرئيس الراحل ترك صيغة مهلهلة لحزب حاكم، يمرح فى الساحة ملتحفا بعباءة الولاء للحاكم أيا كان، ولقراراته أيا كانت، فى ظل ترسانة من القوانين الاستثنائية لم تشهدها مصر فى تاريخها، تحت شعار أن الديمقراطية لها أنياب، وأن الحرية لها مخالب.

هكذا كان المناخ وقت توليك يا سيادة الرئيس.. بسلبياته وإيجابياته، وأصارحك بأننى لم أكن متفائلا بما فيه الكفاية ربما لأن السلبيات كانت ترجح كفتها لدى، وربما لأن السلبيات كانت واقعا، أما الإيجابيات فإن أغلبها لم يزد عن كونه توقعا أو احتمالا، وربما لأن التجارب علمتنا دائما أن ننظر وأن نترقب وأن نسمع شيئا ونرى شيئا آخر، وأن تعلن شيئا وتطبق عكسه على طول الخط.
ورغم أن هذه ليست طبيعتك، إلا أننى لازلت عند موقفى من عدم التفاؤل بعد أكثر من عام على ولايتك، وأرجو أن يتسع صدرك لى، وأن تتقبل هذا الخطاب من منطلق الحب والرغبة فى أن نبنى معا، وبك، وطنا يتسع لأبنائنا من بعد، ويفسح مجالا لأحلامهم بعد أن عز على جيلنا لا أن يحيا بصورة سوية فقط، بل حتى أن يحلم.
لقد أطلت عليك يا سيادة الرئيس. لكنى قصدت أن نتفق سويا على منطلق للحوار، وهو.. أن لا نسيئ الظن معا بقدرات هذا الشعب أو إمكانياته.. وأن نتذكر معا أن هذا الشعب، وهو الذى قام بثورة 1919 الهائلة وقت أن كانت بمصر جامعة واحدة وعدد محدود من المتعلمين.. وهو نفسه الذى ثار فى الثلاثينيات والأربعينيات دفاعا عن الدستور والديمقراطية..
من هذا المنطلق يمكن أن أنقل إليك وجهة نظرى بكل الصدق والأمانة.