ميسى
وقتها، هاجت الدنيا عليه فى مصر، بل وتم اتهامه بالتعالى والعنجهية على باقى لاعبى كرة القدم المصريين.
يوماً بعد يوم يثبت صلاح أن الفكرة سليمة، بغض النظر عن استخدامه للفظ وقتها، أو حتى استخدام مضمونه فيما بعد، وما إذا كان لاعب ليفربول سيظل محافظاً على تلك الطريقة فى التفكير أم لا فى المستقبل، ولكن ما لفت انتباهى خصوصًا فى أزمة ليونيل ميسى مع برشلونة أخيرًا هو "مينتالتى" اللاعب الأرجنتينى الأسطورى فى التعامل مع الموقف.
قد نُصدم عندما نسترجع سجل أهم وأبرز لاعبى كرة القدم فى العالم، وكيف تعاملوا مع موهبتهم باستخدام عقلياتهم، سنجد ظاهرة مدهشة، وهى أن الأحرف والأكثر مهارة وعبقرية دومًا يأتون من قارة أمريكا اللاتينية، وهل هناك أهم فى تاريخ كرة القدم من بيليه ومارادونا وميسى ورونالدينيو؟

ولكن وفقاً لسيرتهم سنجد أن واحداً فقط منهم نجا بـ"المينتالتى" وهو بيليه الذى اتخذ مساراً جيداً، لاعباً ومسؤولاً، مقارنة بنظيريه اللذين اعتزلا كرة القدم، حيث لم يستطع مارادونا، الأحرف وصاحب الفضل فى فوز بلاده بثانى كأس عالم لها فى تاريخها، الصمود أمام عقليته التى دفعته وهو لاعب مثلاً لتعاطى المخدرات، ثم بعد ذلك تحول من مدرب سيئ لمنتخب الأرجنتين، إلى مدرب سيئ أيضاً لفرق لا نسمع عنها شيئاً.
أما رونالدينيو الذى توقع الجميع أن يكون الأهم فى تاريخ البرازيل بعد بيليه، فلم يستطع هو الآخر إدارة موهبته بالشكل السليم، بعد فضائحه المتكررة لاعباً، ثم بعد أن واجه السجن وتمت تحديد الإقامة فى بارجواى نتيجة تزويره فى أوراق رسمية مؤخرًا.
بالتأكيد هناك فلتات كروية أخرى استطاعت أن تدير موهبتها بعقيلة أكثر احترافية كرونالدو الظاهرة وروماريو وروبرتو كارلوس، وحتى فى الأجيال القديمة زيكو والراحل سقراط وغيرهم، ولكن هناك مثال سيئ آخر وهو اللاعب أدريانو الذى انتهى به الحال إلى فردًا فى عصابات المافيا بعد أن استطاع أن يقود منتخب السامبا للفوز بعدد من الألقاب.

على النقيض أوروبيا، فسوف نجد أن معظم عظماء كرة القدم فى أوروبا استطاعوا أن يديروا موهبتهم بقدر كبير من الذكاء، ويكفى أن نذكر مثلاً أسماء الألمانى بيكنباور والفرنسى زين الدين زيدان والهولندى الراحل كرويف والبرتغالى إيزيبيو والتشيكى نيدفيد وغيرهم، وحتى آخر عنقود العظماء كريستيانو رونالدو، فهو مازال يدير موهبته بكفاءة أوروبية، إذا ما قارناها بالأكثر موهبة ميسى فإن المقارنة ولاشك ستكون فى صالح الأول.
ميسى يتعامل حالياً مع برشلونة بعقلية سلفائه اللاتين، على الرغم من وجوده بين جدران نادى برشلونة، وفى القارة الأوروبية، لمدة تزيد على 23 عاماً، نجح خلالها فى حصد جميع الألقاب مع النادى، بل ونجح أن يكون اللاعب الأهم ليس فى تلك الفترة فقط، بل ربما فى تاريخ كرة القدم، ولكن مشهد النهاية بين اللاعب وناديه يبدو مؤسفًا للغاية، خصوصًا بعد التطورات الأخيرة، التى دفعته للصدام بشكل كامل مع إدارة النادى.
الأزمة لم تكن وليدة فضيحة الهزيمة من بايرن ميونخ بثمانية أهداف، ربما بدأت منذ أن صار ميسى النجم الأوحد والأهم ليس فقط فى الملعب بل وفى النادى ككل. تعامل الإدارة واللاعبين والأجهزة الفنية مع ميسى كأنه المخلص أضاف عبئًا على أعبائه، بالتأكيد استحسن ميسى هذا الأمر مُسيَّرًا بألقابه الشخصية الممنوحة له، وبألقاب الدورى التى يحققها بمفرده تقريبًا، ولكن هذا الوضع لم يكن ليستمر بهذا النمط طوال عمره بالملاعب، فكان السقوط المروع حتميًا.

ميسى لم يستطع أن ينقذ فريقه فى بطولات أبطال أوروبا الثلاث الأخيرة، ليخرج مع برشلونة بهزائم ثقيلة للغاية (ثلاثية من روما، ورباعية من ليفربول، وثمانية من بايرن ميونخ). هذا الخروج سببه بالتأكيد أن كرة القدم لعبة جماعية، يكون الفرد فيها فردًا من ضمن فريق، وليس فريق بأكمله. فماذا يفعل ميسى فى دفاع متواضع، وماذا يفعل فى مدربين مغمورين لم يستطيعوا السيطرة على الفريق لا فى الملعب ولا فى غرف الملابس.
رفض ميسى كلام المدير الفنى الجديد لبرشلونة، كومان، بخصوص امتيازاته الممنوحة له، نتيجة تواضع المدربين، الذين ربما يشارك فى اختيارهم أولاً ثم ينقلب عليهم، وكذلك نتيجة سوء أداء المنظومة ككل. وهو أمر غريب على لاعب كرة قدم يملك من المفترض عقلية احترافية.
نعم ميسى هو الأفضل ولكنه ليس فريقًا، بل ليس ناديًا بأكمله، كما كان يُعامل، وكما كان يود أن يُعامل. ميسى، سواء خرج من برشلونة هذا العام أو لم يخرج، فإنه يعانى خلال الفترة الأخيرة من أزمة "مينتالتى"، جعلته ملكًا ديكتاتوريًا فى قلعة كامب نو، يرفض من يشاء ويدعم من يشاء، وهى الأزمة التى ربما ستجعله خائنًا فى عيون كثير من البرشلونيين مستقبلاً، حتى لو ظهر عكس ذلك خلال الأيام الماضية.
إذا أصر ميسى على الخروج بطريقة "لى الذراع" تلك فإن العلاقة بين الجمهور واللاعب لاشك ستتأثر، ليبقى سر "المينتالتى" أحد أسرار لعبة كرة القدم، بل أحد أسرار الحياة.