وحيد حامد

لا تصدقوا أنه مجرد سيناريست أو كاتب أفلام سينمائية ومسلسلات تليفزيونية وإذاعية، بل هو أديب ومفكر وفيلسوف وعالم اجتماع ونفس، وقائمة علوم رأسه تتشعب وتتفرع إلى ما لا نهاية، لكنه فى الوقت نفسه لا يخجل أن يجرى اتصالا بشخص آخر أكثر تخصصاً ليأخذ منه معلومة دقيقة، لا يخجل أيضا أن يضم فريقا كاملا من الشباب ليعاونوه على البحث عن قضية أو إشكالية تاريخية أو اجتماعية سيناقشها فى أعماله بطريقته الخاصة، والتى لا ينازعه فيها أحد.

يمتن وحيد حامد فى بدايته للكاتب الكبير يوسف إدريس، الذى ما إن قرأ مجموعته القصصية الأولى "القمر يقتل عاشقه" منتصف الستينيات، نصحه بالكتابة للدراما.
لم يكذب وحيد خبر إدريس، بل بدأ بالفعل يكتب للإذاعة، فخرجت إلى النور ملحمة "الفتى الذى عاد" عن رائعة الأديب اللبنانى الكبير جورج شحادة "مهاجر برسبان"، وبطولة كرم مطاوع وأمينة رزق.
لم يهتم الجمهور - ذو الثقافة الرفيعة وقتها - بأطراف الحكاية وصلبها، بل لفتت أنظارهم جملة حوار ذكية لامعة، لكاتب سيكون صاحب رؤية ورأى فى سنوات قليلة.
وفعلا لم يخيب وحيد رأى هذا الجمهور الواعى، فتواصلت أعماله الإذاعية، وبدأت حكايته مع السينما مع "طائر الليل الحزين" فى 1977.

ظن الجميع أننا أمام موهبة سينمائية متفجرة، لكنه خدع الجميع، وكتب للتليفزيون فى العامين التاليين "1978 – 1979" مجموعة من العلامات الكبرى فى تاريخ الدراما العربية، أولها مسلسل "أنا وأنت ورحلة العمر" مع نور الشريف وإخراج محمد السيد عيسى، وثانيها "أحلام الفتى الطائر" مع عادل إمام وإخراج محمد فاضل، و"أوراق الورد" مع النجمة الكبيرة وردة وإخراج محمد شاكر.

مرت علاقة عادل إمام ووحيد حامد بمرحلتين، مرحلة أولى وهى مرحلة الثمانينيات، إذ قدما سويا عددا من الأعمال لم تنل حظا كبيرا من النجاح الجماهيرى والنقدى، منها مثلا "الهلفوت" و"انتخبوا الدكتور سليمان عبدالباسط" و"الغول" و"الإنسان يعيش مرة واحدة"، ربما لكثرة المخرجين، وربما لشعبية عادل إمام الذى كونها فى أفلام بسيطة التناول فى أوائل الثمانينيات، إذ لم يكن جمهوره يحب أن يراه إلا من خلالها.

هذه المرحلة كان وحيد ينجح مع نور الشريف وسمير سيف فى "آخر الرجال المحترمين" و"غريب فى بيتى".
البعض يؤرخ للنجاح الجماهيرى لأفلام وحيد حامد وقت عمله مع عادل إمام فى المرحلة الثانية، والتى تعاون فيها الثنائى "الذى م يوفق فى المرحلة الأولى" مع مخرج شاب وقتها اسمه شريف عرقة، تلك المرحلة التى صنعت فيها أفلام "اللعب مع الكبار" و"الإرهاب والكباب" و"طيور الظلام" و"النوم فى العسل".

بالتأكيد نجحت تلك الأفلام جماهيريا بفضل الثلاثى الذى حقق المعادلة الصعبة لكل الجمهور، فجمهور عادل إمام ينتظر فيلما كوميديا وجرعة ضحك مقبولة، فى حين ينتظر جمهور وحيد "الذى بدأ يتكون قبلها بقليل" فيلماً مهماً يناقش قضية اجتماعية وسياسية بشكل جاد ومحكم مهنيا، فى حين كان هناك جمهور الشباب المنحاز لابن جيله شريف عرفة متنظرا منه المزيد بعد فيلمين فشلا جماهيريا لكنهما نجحا نقديا "الأقزام قادمون" و"سمع هس".
صار الثلاثى وقتها على كل لسان، صارت مرحلة مهمة فى تاريخ السينما، أحد أبطالها وحيد حامد.
ولكن كيف تشكل جمهور وحيد حامد؟ ربما قبل مرحلة "عادل إمام وشريف عرفة" بقليل، إذ يؤرخ البعض لنجاح وحيد النقدى والمهنى مع المخرج الراحل عاطف الطيب، وتحديدا فى أفلام "ملف فى الآداب" و"البرئ" و"الدنيا على جناح يمامة" و"كشف المستور".

البعض تساءل هل كاتب "الراقصة والسياسى" مع نبيلة عبيد، و"اضحك الصورة تطلع حلوة" مع أحمد زكى، و"سوق المتعة" مع محمود عبدالعزيز، يقبل أن يعمل مع جيل هانى رمزى وهانى سلامة وآسر ياسين وروبى ومنة شلبى ومحمد فراج.
الإجابة نعم، وبغرابة شديدة دخل وحيد عالم السينما الجديد أستاذا أيضا، صنع أفلام كوميدية ورومانسية مثل "محامى خلع" و"الأولة فى الغرام" و"ديل السمكة".

تعاون مع أجيال أقل منه فى السن والمكانة والمكان، فعل وحيد ما عجز كثيرون من جيله أن يفعلوه، ولكنه وحيد حامد.
فى السنوات الثلاثين الماضية لم يهتز المجتمع مثلما اهتز مع مسلسل "العائلة"، إذ ناقش وحيد فى عمله الإرهاب، وأبكى الملايين ووضعهم فى خندق واحد ضد الإرهاب.
كذلك فعل فى جزئى "الجماعة"، إذ ناقش أصل جماعة الإخوان ومنشأها والظروف التى هيأت لها المناخ أن تنمو وتتصاعد فى المجتمع، فعل وحيد ذلك فى عز وجود الجماعة وسيطرتها على النقابات واتحادات طلاب الجامعات قبل أحداث يناير 2011.
لم يخش وحيد حامد أحد، عارض السلطة وفند فسادها فى "عمارة يعقوبيان" "والنوم فى العسل" و"المنسى"، وكانت قضيته الرئيسية توعية المجتمع من الإرهاب فى "العائلة" و"الجماعة" وغيرها.

وحيد تم تكريمه فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى هذا العام، لكنه مكرم طوال الوقت بجماهيريه وشعبيته وأفلامه ومسلسلاته التى لن تغيب عنها الشمس، ولن تدفنها الأيام.