ملك أصغر جزارة بأسيوط.. تساعد والدها وفخورة بعملها
سيدات الصعيد كسرن فى الآونة الأخيرة التابوت والصورة الذهنية الخاطئة التى خلفتها الدراما المصرية، حيث نجحن فى خطف الأضواء وإثبات نجاحهن فى القطاعات المختلفة حتى أثبتن قدرتهن على مواجهة التحديات بكفاح وقوة وصلابة، وهو ما يظهر جلياً فى العديد من النماذج بمحافظات المنيا وأسيوط وقنا والأقصر.
سيدة المنيا تنافس الرجال.. "أمل" 17 عامًا بين المطرقة والحديد
لازالت سيدات الصعيد يضربن المثل فى السعى لكسب الرزق، والعمل ليل نهار من أجل قوت اليوم وعدم الاحتياج لأحد، إذ ضربت إحدى السيدات فى محافظة المنيا مثلًا لتحدى البطالة والغلاء الذى تعيشه العديد من الأسر المصرية، ولم تستسلم لمصاعب الحياة التى دفعت بعض الشباب للهجرة غير الشرعية أو الانتحار، لتدخل سوق العمل الصعب وتنافس فيه "الرجال الشداد" فى مهنة "الحدادة وتشكيل المعادن.

"أمل أبو غنيمه" سيدة ثلاثينية حولت أنظار العديد من أبناء مركز مغاغه شمال المنيا إليها، حيث تقف داخل ورشة صغيرة برفقة عمها ذلك الرجل الستينى، لتُعينه على مصاعب المهنة، وتشكيل وصناعة المعدات الحديدية التى يستخدمها المواطنون وخاصة الفلاحون، غير عابئة بأخطار مهنتها و التعامل مع النار و الحديد والطرق بجاكوش ضخم يخشاه الكثيرين.

تقول أمل: كنت أرى والدى والذى توفى منذ عدة سنوات يعمل فى الورشة مع عمى طوال النهار والليل من أجل أن يصرف على أنا وأشقائى ووالدتي، فكانت تلك المهنة الصعبة هى مهنته الوحيدة، إلى أن توفاه الله، ولكننى كنت أحب الوقوف معه فى الورشة منذ أن كان عمرى 13 عامًا وبالفعل تعلمت كيفية استخدام جميع الماكينات فى الورشة، وكيفية إمساك "جاكوش النار " بقوة والضرب على الحديد وهو ساخن لتشكيله كيفما نشاء، مضيفًة: "كنت إيده اليمين فى الدنيا حتى ولو غاب يوم عن الورشة كنت بقف فيها مكانه".

تستكمل أمل حديثها بوجه متفائل: "الرزق يحب الخفية " و"اسعى ياعبد وأنا أسعى معاك"، فلا يمكن أن نجلس وننتظر الطعام يأتى إلينا، حيث يمكننى الآن إجادة كافة أعمال التصنيع خاصة تصنيع الأدوات الزراعة مثل: الفأس والسكاكين بأشكالها المختلفة، وعمل المفصلات وأحيانا اللحام، فالبعض يرى أن عملى بالحدادة أمر خطر وقد يهددنى بإصابات بالغة، ولكن الأمر عكس ذلك، لأننى تعلمت أصول "الصنعة" جيدا من والدى، وأصبحت ضرورة فى حياتى لا غنى عنها، ومصدر رزقى للإنفاق على أمى وأشقائى فهى ستر من الله" بحسب وصفها.
وعن طبيعة يومها فى العمل تقول أمل، إنها تذهب إلى الورشة فى الثامنة صباحًا وتبدأ بتلاوة القرآن الكريم، وتشغيله عبر "راديو صغير" ورثته عن والدها، ثم تقوم بتنظيف الجزء الأمامى للورشة، وتبدأ فى تجهيز بعض المعدات التى يكثر عليها الطلب من قبل زبائنها فى أغلب الأوقات، وأصبحت تجيد عملها جيدًا، بالإضافة إلى تشغيل النار على الفحم داخل المحرقة الصغيرة استعداداً لتشكيل بعض الحديد مع عمها الذى يخطط وتساعده هى فى التنفيذ والضرب بالجاكوش على الحديد وهو مشتعل.

"الستر" هو ما تحلم به حدادة المنيا، وأن تستطيع استكمال مهنتها للصرف على أسرتها بعد وفاة أبيها دون أزمات، مناشدة جميع الشباب والفتيات بعدم الاستسلام لمصاعب الحياة والسعى الدائم للعمل فى أى مجال وعدم انتظار الوظيفة الحكومية.
شهد.. دليفرى لتوصيل الطلبات للمنازل بأسيوط
من بين سيدات الصعيد، الفتاة الشابة "شهد" التى قررت العمل "دليفرى" فى إحدى شركات توصيل الطلبات بأسيوط حيث تركب العجلة لتجوب الشوارع والأزقة لتنتقل من مكان إلى آخر والتردد على العمارات السكنية لتوصيل الطلبات، وهى مهنة شاقة وغير مألوف عمل المرأة بها فى الصعيد.

"شهد" التى لم تتخط الـ 18 عاما، طالبة بالمرحلة الثانوية التجارية ولديها من الأخوات 7 بنات ووالدها يعمل بشركة الكهرباء، موضحة: "أنا من أسرة ميسورة الحال إلا أننى كنت افكر مراراً وتكراراً فى العمل ليكون لى دخل مستقل بعيداً عن أسرتى واستكمل به دراستى وأوفر لنفسى ما أحتاجه وأشعر بأنى أفعل شئ مفيد لنفسى ولأسرتى فبحثت كثيراً عن فرصة عمل مناسبة ولم أجد حتى وجدت أختى فرصة عمل كـ "دليفرى" على بعض صفحات موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك فبدأت التفكير فى الأمر وقررت خوض التجربة وعرضت على والدى الذى رفض الفكرة فى البداية إلا أننى لم استسلم وعاودت مراراً وتكراراً حتى استطعت مع والدتى إقناعه بهذا الأمر ووعدته أنه لا يؤثر على دراستى حيث أفضل الاعتماد على نفسى".

وأضافت "فتاة الدليفرى": "أحببت هذا العمل لتوصيل الطلبات بعد أن سألت وذهبت لطلب العمل بالشركة وهو ما أصاب القائمين عليها بالدهشة من هذا الطلب خصوصا وأن العمل يتطلب أن يكون لدى دراجة هوائية أو نارية "موتوسيكل" فضلاً عن قلقهم من تحمل مسؤولية فتاة فى سن صغيرة مثلى"، مشيرة إلى أنها بدأت العمل بالفعل ضمن مجموعة شباب لتوصيل الطلبات مع اتخاذ بعض الحذر بتوصيل الطلبات للأماكن القريبة و العملاء المعروفين لدى الشركة مع اتخاذ وتطبيق الإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا المستجد، لافتة إلى أنه مع مزيد من العمل فى توصيل الطلبات أثبت للجميع أن العمل للرجل والمرأة على حد سواء طالما أن هناك جدية وثقة وإصرار على تنفيذه.


وعن المواقف الصعبة التى تعرضت لها خلال عملها، أوضحت "فتاة الدليفرى" أنها فى أحد الأيام عندما كانت تسير فى أحد شوارع مدينة أسيوط سمعت أحد الأشخاص يقول لصديقه "شوف البنت اللى بتسوق العجلة وشغالة دليفرى"، فرد عليه صديقه "والله جدعة .. ربنا يكرمها".

وأوضحت شهد، أنها لم تواجه إلى الآن ما جعل أهلها يشعرون بالخوف من تعرضها لأى مكروه أو مضايقات أو تحرش من أى نوع، مشيرة إلى التشجيع الذى تلاقيه من العملاء أثناء توزيع وتوصيل الطلبات فضلاً عن الدعوات بالستر وكرم الله وزيادة وبركة فى الرزق، قائلة: ارتدى "يونيفورم" العمل واركب الدراجة واحمل الشنطة بهذه الطريقة، ومع مرور الوقت والنجاح وجدت التشجيع من أصدقائى وأفراد عائلتى يزداد.
ملك أصغر جزارة بأسيوط.. تساعد والدها وفخورة بعملها
"الشغل مش عيب خصوصاً لما أكون بعمل شئ بحبه وفى نفس الوقت بساعد والدى" بهذه الكلمات البسيطة عبرت "أصغر جزارة بأسيوط" التى تبلغ من العمر 15 عاما عن سعادتها لتحقيق حلمها والعمل كجزارة مع والدها بالمحل الكائن بشارع رياض بمدينة أسيوط.

فعندما تمر بهذا الشارع التجارى والملئ بمحلات الجزارة والخضراوات والفاكهة سوف تشد انتباهك ويثار اندهاشك من وجود فتاة صغيرة ترتدى الجلباب و"الكزلك" فى قدميها وتضع "السكاكين" فى جيب الحزام وتمسك "الساطور" فى يديها لتساعد والدها فى أعمال الجزارة داخل محلهم الشهير بهذه المنطقة دون أى خوف من هذه المهنة الشاقة التى لا تزال حكرا على الرجال خصوصا فى الصعيد، حيث كسرت العادات والتقاليد ونجحت فى خطف الأضواء وإثبات نجاحها وقدرتها على مواجهة التحديات بكفاح وقوة وصلابة رغم صغر سنها.

"ملك زين" الجزارة الصغيرة تروى حكايتها من البداية: "من صغرى وأنا عندى 4 سنين وكنت أشاهد والدى فى أثناء عمله فى محل الجزارة مع جدى وأخوالى وأحيانا أنزل معهم السلخانة من الساعة 5 صباحا أحضر معهم وأشاهدهم فى أثناء الذبح وتجهيز الذبيحة ونقلها إلى المحل، وخطوة بخطوة فهمت وتعلمت".

وأضافت: "مع الممارسة العملية بدأت أفهم أكثر تفاصيل المهنة لحد ما شربت الصنعة مثل أى جزار"، موضحة أنها كانت تبكى عندما كان والدها يأخذ منها السكين خوفاً عليها فى البداية إلا أن جدها شجعها على التعلم حيث قال لها: "لا تخافى حتى لو اتصبتى من السكين كملى طريقك.. كلنا اتصبنا وأخدنا بالنا بعد كده واتعلمنا" حتى كانت البداية فى عيد الأضحى حيث ارتدت ملابس الجزارين (الجلابية والكزلك والسكاكين) وقامت بأعمال (الذبح والسلخ والتقطيع وتنظيف الأحشاء "السقط"، وغيرها) مؤكدة على حبها لعملها، لأنه عمل أسرتها وعائلتها.

وأوضحت الجزارة الصغيرة أنها حريصة على الذهاب إلى مدرسة "الحرية الرسمية للغات بأسيوط ": "من المهم أن أستكمل دراستى وأحقق طموحى وحلمى فى نفس الوقت وهو أن أكون مضيفة طيران مشهورة وأساعد والدى لأنى ابنته الوحيدة بعد وفاة شقيقتى الصغرى فى حادث موتوسيكل"، لافتة إلى أن زملائها والمعلمين يعلمون أنها تعمل جزارة، وأحياناً يأتى أحدهم ليشتروا اللحوم من المحل، موضحة أنها لم تواجه إلى الآن مضايقات أو تحرش من أى نوع.
العتالة والسواقة وطالعة النخيل.. سيدات قنائيات اكتسبن قوتهن من نون النسوة
مقاتلات فى بيئات مختلفة، شكلت منهن سيدات قويات، بأجساد صلبة، وسواعد مفتولة، خضن العديد من المعارك، وزاحمن الرجال فى أعمال شاقة بعدد من قرى محافظة قنا، منها رافعة الحديد والأسمنت، وأخرى سائقة ميكروباص، وثالثة تمسك بالساطور والسكاكين، ليكسبن من تلك الأعمال الشاقة التى طفت نور انوثتهن، مالا يعينهن على قضاء احتياجاتهم فى الحياة.
سعاد العتالة.. امرأة حديدية بعزيمة من فولاذ
كانت الظروف القاسية، سببا فى أن انخرطت سعاد أحمد على، أو الشهيرة بـ"سعاد العتالة"، كما لقبها أهالى قرية السنابسة بمركز الوقف، شمال محافظة قنا، فى مستودع لبيع مواد العتالة، من أجل الإنفاق على أسرتها البسيطة، فلم تجد من يحنو عليهم بعد أن تركها زوجها منذ 17 عامًا.

توضح "سعاد العتالة"، أن ذلك القرار الخاص بعملها فى العتالة ورفع الحديد والأسمنت، لم يكن بالسهل، ولكن قساوة الأيام ومرارة الاحتياج إلى المال، هو ما دفعها إلى تحدى الصعاب، والعمل على أن تنفق على أبناءها بعد أن تركها وخذلها زوجها.

استطاعت العتالة، أن تثبت لجميع أهلها وجيرانها بأنها سيدة بـ"100 راجل"، وبرهنت قدرتها على تحمل الصعاب، كما تمكنت من إثبات جدارتها، ووضعت أيضا مستقبل ابناءها فى كفة، وراحتها الجسدية والشخصية فى كفة أخرى، لترجح بذلك كفة الأبناء، ليكونوا قادرين على تحدى الحياة.

ولخصت "المرأة الحديدية"، احتياجاتها، من مأكل ومشرب ومنزل يضمها وأبناءها، بالإضافة الى معاش تستطيع أن تحيا هى وأسرتها حياة طيبة، دون الحاجة للعمل الشاق.
سناء السواقة.. أول سيدة تقود ميكروباص فى قنا
بسواعد ثابتة، وقدمين واثقتين، وعيون يقظة، يملأها الإصرار والمثابرة، لم تختلف طريقة الحاجة سناء غريب، صاحبة الـ 57 عامًا، أول سائقة لسيارة ميكروباص من محافظة قنا، فى تحدى مصاعب الحياة، لتستطيع أن تنفق على أبناءها الخمسة.

لم تعر الحاجة سناء، نظرات المجتمع من حولها أى اهتمام، فى ظل تكبدها معاناة مستمرة كونها تمارس إحدى المهن الخاصة بالرجال، واحتكاكها كسائقة ميكروباص بالسائقين الذكور والركاب، وتعرضها للعديد من المضايقات والمتاعب فى ظل العادات والتقاليد التى يتمتع بها المجتمع الصعيدى، إلا أن الأمر لم يخل من عدة مضايقات، من قِبل السائقين الجدد، لكنها استطاعت أن تكسب احترام الجميع.

تمكنت الحاجة سناء، فى وضع أبناءها على طريق التعليم، والإنفاق عليهم طوال سنوات دراستهم، فى ظل عملها الدائم والمستمر الذى يبدأ من السادسة صباحًا، حيث تقطع المسافات على الطرق الصحراوية، ذهابًا وأيابًا فى سبيل الحصول على بعض الجنيهات التى تعينها على المعيشة هى وابنائها.
خلقت معاناة الحاجة سناء، منها شخصية اجتماعية ودودة، يعرفها الصغير والكبير، إلى أن صيتها وصل إلى القيادات المحلية، التى استمعت لمطالبنا فى أن تحصل على خط سير بطريق نجع حمادى قنا، بدلا من خط سير إسنا قنا.
نورة الجزارة.. نون النسوة تسطير بسكين وسطور
تعتبر مهنة الجزارة، من المهن التى يسيطر عليها الرجال دون النساء فى شتى الأماكن والمراكز والدول، إلا أن نورة بسيونى أحمد، صاحبة الـ27 عامًا، من محافظة قنا، قررت العمل بتلك المهنة، دون نظيراتها من النساء والفتيات، وتستخدم الأدوات الخاصة بها من سطور وسكين ومستحد وخنصر، بعد أن شاهدت والدها المعلم بسيونى يريق الدماء ويستخرج اللحوم من العظام.
مرض والدها وتقدمه فى العمر، كان السبب فى أن تمسك "نورة"، بزمام أمور الجزارة، لتبدأ رحلتها فى طريق شاق، نادرًا ما تجد سيدة أو فتاة تعمل فيه، إلا أنه تمكنت من اقتحامه من أوسع أبوابه، لتكون سندًا وعونًا لوالدها، وتستكمل مسيرة الأسرة فى مهنة الجزارة.

تمكنت نورة من أن تنال وتكسب تأييد الجميع ودعمها فى ذلك الأمر، الذى عادة ما يقتصر على الرجال، على الرغم من أنها فخورة بعملها، فى هذه المهنة الصعبة، التى توارثتها عن أبيها، وأنها تمكنت من ادراك المهنة من والدها عن طريق الوراثة حين كان يصطحبها معه المحل، بالإضافة لأشقائها الستة، مؤكدة أن عشقها للجزارة والمهنة هى التى جعلها تسلك هذه المهنة.
وأكدت "المعلمة نورة"، أن مساعدة أهلها وأشقائها لها، فى شراء المواشى لذبحها وبيعها، كان هو السبب الأول فى وصولها ومعرفتها بأصول المهنة، خاصة وأن هذا المحل الذى تعمل فيه ملك لشقيقها، وأن ذبح المواشى الكبيرة، يتطلب السيطرة عليها، وخطوات أخرى تليها من نفخها وإزالة جلدها والسيطرة بقوة عليها.
"منى قوت".. طالعة النخيل التى لا تخشى الأفاعى والثعابين
وهنا فى قرية الحلة جنوبى محافظة قنا، بصعيد مصر، نموذج آخر للسيدات المكافحات، هى طالعة النخل الشهيرة، "منى قوت"، والتى حولت مهارتها فى تسلق النخيل، الى مهنة تدر عليها بعض النقود، لتعينها على كسب لقمة العيش، بعد أن كانت تهزم الصبيان ممن هم فى سنها أثناء مسابقة صعود النخيل.
مع نسمات الصباح، تنفض صبرية أحمد عصران، عنها غبار النوم، لتبدأ رحلتها اليومية فى جنى ثمار النخيل، لتنطلق فى مغامراتها الممتعة، ممسكة بمعداتها البدائية من المطلع والمنجل أو الفأس، التى هى السبيل الذى يعينها فى كسب لقمة العيش، خاصة وأنها لم تتزوج ولكنها تعول أمها وأختها ومعها 5 أبناء الذين توفى عنهم أبوهم.
على مر 3 عقود متتالية، خلعت فيها منى قوت ثياب الأنوثة، وتشبهت بالرجال، فى صلابتهم وقوتهم، خلال مغامراتها اليومية فى صعود النخيل أملًا فى جمع الحصول على ما تمور ناضجة تطيب بها حياتها ببيعها فى الأسواق لسد رمقها وتلبية احتياجات أسرتها، فالغريب أن تزاحم قوت فى مهنة طلوع النخيل، وهى المهنة الأكثر صعوبة ومشقة وتحتاج إلى مجهود كبير لكنها أصرت ألا يقتصر عملها على الأعمال الخفيفة أو المنزلية، لكنها زاحمت الرجال.
توضح قوت، أن ما واجهته من انتقادات بسبب العادات والتقاليد المتعارف عليها فى صعيد مصر، من باب أنها تعمل مهنة الرجال، وغيرها من الكلمات، والتى لم تعيرها أى اهتمام، لتتابع تقدمها وتعلمها صعود النخيل، وتصبح من أشهر طالعى النخيل فى القرية والقرى المجاورة التى يتسارع الجميع على طلبها لجنى الثمار لهم.
وتدلل وتشير قوت، إلى أن عملها لا يقتصر فى طلوع النخيل فقط، بل امتد لحفر القبور، إبان أزمة كورونا المستجد، لتساعد الأهالى والحفارين فى تكريم شهداء كورونا، كما أنها تعمل باليومية فى أى عمل يدر عليها مالا، لكى لا تمد يدها الى أحد، فتأكل من عرق جبينها ولا تنتظر الشفقة.
نساء كسرن حاجز الخوف فى الأقصر
سيدات صعيديات من محافظة الأقصر أصبحن نماذج يُحتذى به للمرأة التى لا تنظر لما يراه الناس، ولا تهتم بالصورة النمطية التى صدرها المجتمع فى الصعيد للمرأة، وواجهن كل ذلك بحزم وقوة، للكسب الحلال ومساعدة أنفسهن وأسرهن فى الحياة، بعدما تسببت الظروف فى عدم عثورهن على وظائف تناسب بعضهن كسيدات، أو حبا فى مجالهن.
"فتاة التروسيكل" التى كرمها الرئيس


"مروة أحمد جهلان" ابنة قرية البعيرات بمحافظة الأقصر التى تجاوزت الـ30 من العمر، تخرج مبكرًا كل صباح لتوصيل التلاميذ إلى مدارسهم ثم تقوم بتوصيل ما يطلبه زبائنها من بضائع ثقيلة أو خفيفة الحجم، لم تعبأ بأى شيء ولم تعبأ بنظرة المعترضين على ما تفعله كل ما اهتمت به هو الكسب الحلال.
"بصرف على عيلتى" هذا السبب الرئيسى الذى دفع الفتاة الصعيدية إلى أن تستقل "تروسيكل" قبل أن تفتح لها "طاقة القدر" وتلتقى الرئيس عبد الفتاح السيسى بعد أن ذاع صيتها وحصلت على هدية سيارة ميكروباص من إحدى الأحزاب السياسية بالأقصر، لتتحول من أول فتاة تقود تروسيكل لكسب العيش إلى أول فتاة تقود "ميكروباص".

وتقول مروة إن الحياة الصعبة أجبرتها فى البداية على أن تعمل كمكوجى، ثم صاحبة فاترينة لبيع السجائر، ثم اختارت أن تعمل فى قيادة التروسيكل لتنقل الأطفال صباحا إلى مدارسهم أو الطلبات للمنازل، وأصبحت بعد ذلك تسوق "الميكروباص"، لتنقل الناس إلى الجهة التى يريدونها، متابعة: "أنا بحب شغلى وما بتكسفش منه وكل همى مصدر رزق كويس أكل منه عيش أنا وعيلتى".
"صيصة".. سيدة تختبئ فى ملابس الرجال لتربى نجلتها الوحيدة


منذ ما يزيد عن 48 عاما اختبأت صيصة أبو دوح النمر، فى زى الرجال لتنفق على ابنتها بعد وفاة زوجها، لدرجة أن لو شاهدتها فى الشارع لن تصدق أنها امرأة فهى تختبئ فى ملابس الرجال وتدخن السجائر وتمتهن مهنة الرجال.
صيصة تبلغ من العمر 68 عاما توفى زوجها تاركا لها جنينا يتحرك فى أحشائها، فقررت العمل بعد أن أصبحت لا تجد قوت يومها، لكنها اصطدمت بقسوة الحياة وظروف وعادات وتقاليد الصعيد التى ترفض خروج المرأة للعمل، لذا تنكرت فى زى رجل وقامت بقص شعرها وارتدت ملابس الرجال لتخرج للعمل بعد أن أنجبت ابنتها الوحيدة هدى.
تقول صيصة إنها عملت فى العديد من المهن، بداية من حمل الطوب مع العمال والفواعلية وحصاد الزرع فى موسم الحصاد، مرورا بمسح الأحذية فى المواقف إلى أن ذاع صيتها والتقت الرئيس عبد الفتاح السيسى.
"صيصة" تم اختيارها فى وقت سابق كأم مثالية إثر دورها الكبير فى مواجهة المعيشة الصعبة، وسعيها لتربية نجلتها الوحيدة فى ظل ظروف لم تكن سهلة على سيدة فقدت زوجها فى عز شبابها.
لقاء الخولى.. الأسطى الميكانيكى كرمها الرئيس عبد الفتاح السيسى
لقاء مصطفى الخولى فتاة فى العشرينات من عمرها، تعيش فى مركز إسنا جنوب الأقصر، حيث العادات الصارمة والشديدة، لكن كان لوالد لقاء قبل أن يتوفاه الله رأى آخر، فقد رأى فى نجلته كل ما كان يطمح فيه من ثقة وتحمل مسؤولية وطموح، والذى كان له دور كبير فى تشجيعها ولم يشعر يوما بالخجل منها.
لقاء تعمل فى مهنة تصليح السيارات، ورغم أنها مهنة ذكورية إلا أن لقاء مازالت تحتفظ بأنوثتها، وتقول لقاء: كنت أسمعهم يقولون لم يسبق أن نرى امرأة تعمل ميكانيكى خاصة فى الصعيد، لكن ربما يحدث هذا فى القاهرة، وقابلت كثيرا من الصعاب كتوجيه اللوم لها ولوالده قبل أن يتوفاه الله، والذى وافق على طبيعة عملها، مضيفة أن المجتمع الذى يستهجن الأمر مع الوقت يقبله وأصبح يقبل عمل لقاء بصدر رحب.


وتضيف لقاء انها عملت كميكانيكى لأول مرة فى الحادية عشرة من عمرها، مع والدها، وأنها كانت تراقب ما يفعله فى ورشته الخاصة حتى تعلمت منه الصنعة "وشربتها"، وكانت تأخذ مكان أبيها فى غيابه بالورشة، لتكبر ويكبر معها حلمها، وأصبح شغفها بالجلوس أسفل السيارات لتصليحها والإمساك بأدوات الورشة.
لم تفقد لقاء أنوثتها يوما رغم أنها تعمل فى مهنة ذات طابع ذكورى، إلا أنها تقول إنها سرعان ما تستبدل ملابس العمل بملابس أخرى جميلة مثلها مثل الفتيات الأخريات، وتهتم بنفسها.