أحمد فؤاد نجم
ومن الصعب قراءة مشهد شعر العامية المصرى بدون الوقوف طويلًا عند الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم الذى صنع حالة شعرية شهدت الكثير من الجدل والصخب والإبداع.
وصنع نجم لنفسه خطًا جديدًا وحضورًا خاصًا ولافتًا منذ انطلاقته الأولى، وكتب فى بداياته قصائد عن كرة القدم والرياضة، ولكن فى العام 1962 بدأت مرحلة جديدة، أكثر احترافية، أكثر قوة، وأكثر فنًا، عندما التقى رفيقه الأهم الشيخ والملحن إمام عيسى، وكون الاثنان دويتو فنى بديع صنع حالة فنية وجدل ثقافى وزخم كبير، ولا يزال تأثيره ممتد حتى الآن، وكانت أغنية "أنا أتوب عن حبك أنا" أول أعمالهما المشتركة.
عاصر نجم هزيمة يونيو 1967، كان وقتها فى الثامنة والثلاثين، شاهد أحلام جيله تتهاوى، تتهدم، وشاهد رئيسه يقف منكسرًا يخطب فى شعبه الحائر الذى لم يفق بعد من هول الصدمة وفجيعة الهزيمة، انطلق نجم وإمام بعد الهزيمة ليطلقا العديد من القصائد والأغنيات السياسية الصاخبة، التى تكون سببًا فى أن يكون نجم نزيلًا دائمًا على سجون عبد الناصر ومن بعده السادات.

وانشغل نجم بقضايا وهموم المصريين، وانحاز لهم طوال حياته، وكانوا همه الأساسى وقضيته الكبرى التى لم يتخل عنها على مدار مشواره مع الحياة. يقول فى قصيدته "يعيش أهل بلدى":
"يعيش أهل بلدى
وبينهم ما فيش
تعارف
يخلي التحالف يعيش
تعيش كل طايفة
من التانية خايفة
وتنزل ستاير بداير وشيش
لكن فى الموالد
يا شعبى يا خالد
بنتلم صحبه
ونهتف يعيش
يعيش أهل بلدى"
اشتهر أحمد فؤاد نجم بلسانه اللاذع وأشعاره الساخرة التى لم ينجُ منها أحد، فطالت سخريته رؤساء مصر ومثقفيها وفنانيها فضلًا عن بعض الشخصيات السياسية العربية.
وكأن السياسة فى دم أحمد فؤاد نجم، فهو لم يرحم رئيسًا واحدًا عاصره، ولا شخصية عامة مصرية أو عربية فعلت ما يستحق العقاب، وبلغ انتقاد نجم لعبد الناصر أشده بعد هزيمة يونيو، وكتب عدة قصائد صارخة تنتقد الأوضاع وتهدد بالخراب القاتل للجميع وتنادى بضرورة مكاشفة النفس للوقوف على أسباب التعثر.

وعندما أصبح السادات رئيسًا لمصر، أفرج عن نجم وإمام، ليخرج الاثنان ويكتبان المزيد والمزيد من القصائد المدوية، ليصل الخلاف مع السادات مده، بعد قصائد مثل "شيد قصورك"، و"بيان هام" التى يقول فيها:
"هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان
من القاهره ومن كردفان
وسائر بلاد العرب
واليابان
ومن فنزويلا
وأيضًا إيران
ومن أى دار
أو بلد مستباحة
بفعل السياحة
مع الأمريكان"
كانت علاقة نجم مع الطبقة المثقفة المصرية مضطربة، إذ هاجم الكثير من رموزها مثل محمد حسنين هيكل وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودى، فى حين امتدح الكثير من الزعماء والسياسيين ورجال الفكر العالميين، ومنها قصيدته الشهيرة "جيفارا مات"، وأيضًا، لم تغب القضية الفلسطينية عن شعر أحمد فؤاد نجم، وألف قصائد عديدة حول فلسطين أهمها "يا فلسطينية"، "تل الزعتر"، و"فى ذكرى الميلاد العشرين".
واستكمالًا للدور السياسى، انضم أحمد فؤاد نجم إلى حزب الوفد فى يونيو 2010 بعد فوز الدكتور السيد البدوى برئاسة الحزب، غير أنه استقال فى أكتوبر من نفس العام بسبب الأزمة التى انتهت إلى إقالة البدوى للكاتب الصحفى إبراهيم عيسى من رئاسة تحرير جريدة الدستور التى اشتراها البدوى مع عدة شركاء وقتذاك. بعد 25 يناير أصبح واحدًا من مؤسسى حزب المصريين الأحرار.
وفى الثالث من ديسمبر 2013، توفى أحمد فؤاد عن عمر يبلغ 84 عامًا، بعد عودته مباشرة من عمان، حيث أحيى هناك آخر أمسياته الشعرية، وتم تشيع الجثمان من مسجد الحسين.