البث المباشر الراديو 9090
عزة حسين
لأنها لا ترى فارقاً واضحاً، تقريبًا، بين الرسم والكتابة، وربما لأن الصورة كوسيطٍ فنى مجرد عابر لحواجز اللغة هى غاية مجمل النصوص، منحت الشاعرة والصحفية عزة حسين ديوانها الثانى اسمًا لافتاً: "ما لم يذكره الرسام".

الديوان يأتى ليقف فى وجه سابقه "على كرسى هزاز"، إذ كان الموت وطقوسه وأشباحه حاضرة بكثافة فى الديوان الأول، فى انحياز أو ربما استسلام لفكرة الموت، وملامسته، ليأتى الرسام بما ذكره وما لم يذكره فى الديوان الثانى، معبرًا عن الحياة، المبثوثة فى أركانه بوضوح أيضًا، وكان لافتًا للغاية هذا الانتقال من ملامسة الموت للانحياز للحياة فى وقت ليس طويلًا.

لعزة ديوان ثالث يصدر قريبًا، اسمه: "من شرفة موازية لشريط قطار" يغلب عليه السرد، وتحاول فيه عزة أن تتحقق أكثر شعريًا.

تؤمن أيضًا أن الإنسان هو السؤال الأكبر الذى يجب أن ينشغل به العالم، كما تبدو عزة فى حيرة عند سؤالها عن اشتغالها بالصحافة وإذا كانت تؤثر على مشروعها، متسائلة: "لا أعرف للآن ما الذى كنت أستطيع فعله سوى الصحافة".

دعينا نبدأ بقصيدة "ما لم يذكره الرسام" التى يحمل الديوان اسمها، يمكن اعتبارها أقرب إلى سيرة ذاتية مختصرة، إذ نجد حديثًا عن الأب والأخت والأم والحبيب.. هل أنت مع أو ضد كتابة السير الذاتية؟

على الدوام هناك تلقٍ لقصائد الشاعر/الشاعرة على أنها سيرة ذاتية حتى ولو لم تحمل المفردات والعناصر المشار إليها، وهذه محنة لجميع المقتربين من الفن، وأظنها عائقاً أمام عشرات الأفكار والمشاعر والهواجس التى خشى كثيرون من كتابتها، أو كُتبت مبتورةً وعلى استحياء.

عن نفسى أستمتع جدًا بقراءة أدب السيرة الذاتية، وأمنحه أولوية فى القراءة والاقتناء، ربما ليس بدافع التلصص، بقدر ما هو الشغف باكتشاف جوانب أخرى فى حياة البعض، خصوصًا المبدعين، واستلهام صيغ توافقهم مع الحياة أو حتى إخفاقاتهم فى التواصل مع العالم.

وبرأيى أن هناك حلولاً للسيرة الذاتية فى كل نص لأى كاتب، ربما بنسبةٍ أكبر لدى الشعراء وأنا منهم، لكننى كثيرًا ما أتوقف عند مفهوم السيرة الذاتية، خصوصاً واختلاف الزمن وزاوية النظر قد يغيران جذريًا رواية نفس الحدث المستلهم من السيرة، ناهيك عن مراحل طهو هذا الحدث قبل تقديمه ضمن وليمة النص، والتى تجعل العلاقة ما بين صورتيه الأولى والأخيرة مثل علاقة ثوبٍ حريرى بوجه دودة قز.

"ما لم يذكره الرسام".. هناك جمع بين الكتابة والرسم.. لماذا؟

لأنه لا فرق تقريبًا.. وربما لأن الصورة كوسيطٍ فنى مجرد عابر لحواجز اللغة هى غاية مجمل النصوص، وربما لأننى فى هذا الديوان حاولت الاحتفاء والاتكاء على المشهد، بعد تنبيهى إلى الإفراط فى الصنعة والاستعارات فى ديوانى الأول "على كرسى هزاز"، الرسم أجلى تصور، شخصى على الأقل، لفكرة الخلق، والقصيدة كانت أقرب لمجادلة أو معاتبة الرسام على انتقائيته فيما يتعلق بالمصائر.

هناك انتقال واضح، ولافت، بين ديوانيك الأول والثانى.. حيث تنتقلين من ملامسة الموت لحد بعيد، وتقاطع الذات معه فى الديوان الأول، إلى احتشاد الديوان الثانى بالحياة وما يخصها ويعبر عنها من مفردات وتركيبات وصور.. حدثينى عن هذا الانتقال "السريع" من الموت للحياة؟

أشكرك على قراءتك. لكن لا أعرف إن كان ممكنًا الحديث عن تجربتى الديوانين بعد كل هذا الوقت، وما تبعه من انفصالٍ. بشكلٍ عام كان الديوان الأول تاليًا لرحيل أبى، كانت واقعة مفاجئة وصادمة، "مات أبى كأى رجلٍ" كما تقول "سيلفيا بلاث، وكلنا نظن أن آباءنا لن يموتوا. ولمدةٍ طويلة لم أستوعب الأمر، انتظرت عودته كثيرًا، ولما لم يعد حاولت أن أفهم الموت، أن ألمسه، استدعيته على الدوام، ووسطته بينى وبين كل مفردات حياتى الجديدة كبنتٍ بلا أبٍ كان مصدر الدعم الإنسانى الوحيد لها، كتبت قصائد هذا الديوان، على فترات متقاربة بقاموس قاتمٍ، واستغراق فى المجازات والاستعارات بعض الشىء، كتبته بلا أى نية للنشر، وكل الملابسات المؤدية لنشره كانت صدفًا متقاطعة.

الديوان الثانى كتب بخبرة من صدم باستمرار الحياة، واضطر للتورط بها، لا أظنه تخلص كثيرًا من فكرة الموت، ثمة مناوشة لها فى أكثر القصائد، لكن بشكلٍ أكثر هدوءًا، متخلص من القاموس الفجائعى المسيطر على الديوان الأول، وبحضور أكثر لفكرة الظلال والأحلام ومخرجات الذاكرة، وكثير من التناصات مع بعض الأساطير والنصوص الأدبية كمحاولة لرؤية الذات معكوسة فى مرايا كل تلك العناصر.

فى "ما لم يذكره الرسام" تحتشد مفردات عادية، يومية، بسيطة.. هل هو اختيار الشعر أم اختيارك؟ هل بات اليومى مادة للقصيدة وتوارت الأسئلة الكبرى؟ أم أن الوقت لم يعد مناسبًا لها؟

كما ذكرت، لانتباهى لفكرة الاستغراق فى الصور والمجاز فى "على كرسى هزاز"، ولأنه كان ابنًا للتورط فى الحياة بمفرداتها وهمومها اليومية، كتبته برغبة خالصة فى التخفف من الصراخ، وربما لاختلاف الوعى الجمالى والانحيازات اللغوية، فقد تصحو ولديك رغبة فى إزاحة كل ما كان يستهويك بالأمس، وتحاول تحقيق رغبتك هذه بمنتهى التطرف.

أما القضايا الكبرى فهى حاضرة على الدوام، واستعيدت بشكل متطرف خلال العقد الحالى، لكن ذواتًا مجروحة ومهترئة كالتى لجيلنا وللأجيال القريبة منه لا يمكنها إقامة علاقة خطية مباشرة مع القضايا الكبرى بتجلياتها القديمة، كيف يمكننى الاستغراق فى التغنى بالوطن فى لحظة يراجع فيها العالم فكرته عن الأوطان، وتتماهى فيها الهويات بينما تشتعل الحروب اليومية ويستشرى القتل على الهوية أسفل النوافذ، فى رأيى الإنسان هو السؤال الأكبر، وجوده وأمانه الشخصى هو الطرف الأهم فى مختلف القضايا، وهذا الوجود بناء كبير ومتشظٍ من الأحداث والمفردات اليومية البسيطة.

"أنا جائعة لألوانك يا أمى/ ورائحتى أقلام رصاص.. المدرسة أعلى اللوحة/ وظهرى للماء والجسر/ بقرة مبهجة لا تخيفنى فى الحواديت.. وعجوز تقرص خدى وتشد رباط الحذاء".. هناك حضور لروح طفولية هنا، هل هى دعوة للحلم رغم مرارة الحياة وقسوة العالم؟

ربما ضمنيًا.. للآن أجهل السبب الذى دفعنى إلى العودة للقرية، واستدعاء مفرداتها فى هذا الديوان، بعد سنواتٍ من الانفصال، وبعد تجاهلٍ تام لهذا العالم فى الديوان الأول، وكان هو الأولى بهذا التورط.

انتهيتِ من ديوان جديد يصدر قريبًا.. هل يمكن أن تحدثينى عن الرابط بين قصائده؟

يحمل عنوان "من شرفةٍ موازيةٍ لشريط قطار"، ولا أستطيع قول شىءٍ بعينه سوى أن قصائده مكتوبة فى الفترة ما بين عامى 2013 إلى 2017، فيه حضور أكثر للسرد، بعض الخبرة أو الرغبة فى تجاوز الديوانين السابقين، لا أعلم إلى أى مدى تحققت أو إن كانت تحققت من الأساس، وأعتبره أكثر ديوان من بين الدواوين الثلاثة تحققت فيه فكرة المجموعة الشعرية كحالة شعورية واحدة، وليس كتجميع لقصائد كتبت فى زمن متقارب، حدث هذا صدفة، لا أملك ترتيبًا لأى شىء، فأنا مسكونة بهاجس أن كل قصيدة هى الأخيرة، وأننى سأنسى الشعر كما لو كان حياةً فى زمن آخر.

وبعد ثلاثة دواوين.. هل وصلتِ لتعريف للشعر؟

وهل وصل إليه أحدهم؟ أقصد لتصورٍ نهائى عنه.. باستثناء تعريف أرسطو شديد الاختصار للشعر بوصفه محاكاة للطبيعة، أجد كل حديثٍ عن الشعر مجرد مقاربات، معادلات ينفى طرفها الآخر، ومحاولات للغوص لتفادى الغرق. تكتب كل نصٍ بتعريفٍ ضمنى جديدٍ للشعر، هذا إن انشغلت بالتعريف. ثم علام يتكئ أى تعريف للشعر أكثر؟ هل يعنى بجانب اللغة أم الشعور، أم الفكرة، أم الشكل، وكلٌ من عناصره ما يزال أسير عملية جدل دائرى حتى اليوم.. كلامى ليس تجاهلًا لتعريفات الشعر التى تملأ كتب الدرس الأدبى وإنما موقف منها، خصوصاً وأن أغلبها يفتتح بـ"هو كلام موزون مقفى".

الفن عندك محاولة لتجميل الواقع؟ أم للهروب منه؟ أم لخلق واقع بديل؟

الفن كما أراه نشاط فردى تمامًا، غير مكترث بالواقع. لو كان هناك صيغة للتواصل مع هذا الواقع أو تخفيف أثره لما كتب أو أبدع كثيرون. بالنسبة إلى كانت القصيدة منذ البداية منحة الحاجة وابنتها، اللعبة التى جربتها عندما منعتنى عائلتى من اللعب فى التراب كبنات قريتنا، ومنحتنى ردهةً طويلة يتردد فيها الصوت وصداه. وصيغة التعبير عن الذات فى المدرسة عندما ضقت بتنمر طالبات المركز على فتيات الريف اللواتى كنت إحداهن. ومبرر للعزلة فى محيط عائلى واجتماعى يساومك على أبسط حقوقك بداهةً، لكننى لم أشعر إلى أى مدى كنت بحاجة إلى الشعر إلا بعد وفاة أبى المفاجئة وفشل كل محاولات التجاوز والشفاء، كانت القصيدة وسيلةً للاحتمال، كانت ولا تزال حلًا وخلاصًا فرديًا بعدما اختفى الجميع، وتلك سمتها الأهم أنها منحة العزلة، منحة اللا أحد.

هل تفكرين فى الرواية؟

فكرت أكثر من مرة، بعد كل إخفاق شعرى، أو خرس شعرى، لكن بلا حماس أو نية حقيقية، لا يعنى هذا أننى أرى الرواية فنًا أسهل، بالعكس أراها فنًا مضنيًا يحتاج لكثيرٍ من المثابرة والتورط، وأنا نفَسى فى الحياة والكتابة قصير جدًا ودائمة الهرب، ولا أكتب إلا تحت ضغط.

هل كان الأفضل لك عدم الاشتغال بالصحافة؟

لا أعرف. ولا أعرف للآن ما الذى كنت أستطيع فعله سوى الصحافة. هل هناك مهنة غيرها على مقربة من القراءة والكتابة وتخلق تواصلًا حيويًا مع أناسِ يشاركونك نفس الأسئلة والهموم؟ أظن أكثرنا جرب مشاعر الغربة التى تسيطر عليه وسط عائلته ومعارفه من خارج الوسط الأدبى والصحفى، وكيف يمكن أن يبح صوته فى شرح البديهيات، ما لم يتعلم الإيماء والتظاهر بالموافقة، لكننى مع ذلك أرى أنه لا يجب أن يستمر الكاتب طوال حياته فى الاشتغال بالصحافة أو بغيرها، وعليه إذا ما أراد إنجاز شىء ما أن ينسحب خلال مرحلة معينة من جميع الأوساط والجماعات، وتمديد زمن التأمل والمراجعة، والتخفف من كثير من العلاقات، طبعا كل هذه أمنيات شخصية وليست نصائح، لأننى آخر من يقوم بذلك، وأحسد من يستطيع تحقيقها.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز