سارة شلتوت
وبعد ديوانها الأخير "آثار جانبية للوردة" صرحت شلتوت أن الديوان ربما يكون الأخير لها، وأن السرد يسحبها بشكل لا يقاوم، تمتلك سارة قناعة أن الشاعر بإمكانه كتابة أى شىء، قصة أو رواية، أو أى نوع كتابى. أما الشعراء، فيملكون اللغة، وهى العجينة التى يمكن بها تشكيل أى شىء، فى نظرها، على عكس الروائى الذى لديه حكاية وبنية. قد تكون لغته كروائى ليست عظيمة، لأن رهانه ليس على اللغة، أما الشاعر فرهانه الأساسى على اللغة.
لا تؤمن سارة بالشللية وتأثيرها على المبدع، ترى أن الموهبة الفذة تفرض نفسها على الجميع، وتنتزع اعترافهم بها، لأن البطل وقتها سيكون الموهبة، الفن، الجمال، الشعر الذى لا يمكن لأحد أن يقاوم تدفقه وجريانه واندفاعه وإعلانه عن صوته الخاص.
فى ديوانك الأول "دون أثر لقبلة".. سيطرت الذاتية عليه بشكل واضح، فى غياب لأسئلة كبرى، أو انشغال بهموم عامة.. هل دائمًا ما تحمل التجارب الأولى فى الكتابة قدرًا كبيرًا من الذاتية كنوع من رغبة الفرد فى التعبير عن نفسه؟
ليس بشكل كبير. الشعر فى الأساس تجربة ذاتية، وحتى لو تناولت هماً إنسانياً أو قضية كبرى سأتناولها من منظور ذاتى، على عكس الرواية أو القصة القصيرة التى قد تحتمل الكثير من الذاتية. كنت مشغولة فى ديوانى الأول بذاتى، ولكن فى الوقت نفسه كنت أنظر للعالم عبر هذه الذات.
"الإجهاض، الدهس، العرى..." تتراص هذه المفردات فى الديوان بشكل مكثف.. وتسيطر حالة سوداوية نوعًا ما.. هل تتفقين معى؟
هذا الديوان كان الأول لى، وكانت به شحنة غضب كبيرة للغاية، ضد العالم، والذات، وعلاقتها بالعالم، وغضب ضد الوعى نفسه، وأذكر أن الكاتب الصحفى سيد محمود كتب عن الديوان مقالة بعنوان "شاعرة تكتب وسط الخراب" وقال وقتها إنى أقوم بهدم العالم تمامًا، تعبيرًا عن ذات غاضبة، ومتمردة أيضًا، لا يعجبها أى شىء.
بعد ديوان "آثار جانبية للوردة" صرحتِ أنه قد يكون الديوان الأخير، وأن السرد يسحبك بشكل لا يقاوم.. هل تفكرين فى الرواية؟
لم أقصد أنى لن أكتب شعر مرة أخرى، دائما لا أختار ما أكتبه، ولا أقرر إذا كان قصيدة أو قصة أو شىء آخر. لدىَّ قناعة أن الشاعر بإمكانه كتابة أى شىء، قصة أو رواية، أو أى نوع كتابى. نحن الشعراء، نملك اللغة، وهى العجينة التى نستطيع بها تشكيل أى شىء، على عكس الروائى الذى لديه حكاية وبنية. قد تكون لغته كروائى ليست عظيمة، لأن رهانه ليس على اللغة، أما الشاعر فرهانه الأساسى على اللغة.

تريدين أن تقولى إن الشعر به الكثير من الفن على عكس الرواية؟
الشعر والرواية فنون. ولكن نسبة الصنعة فى الرواية أكثر من الشعر. ربما كانت القصيدة العمودية وبعدها قصيدة التفعيلة، بهما نسبة عالية من الصنعة، ولكن قصيدة النثر خلقت واقعًا جديدًا، إذ عبرت عن الفن بالأساس، وإذا لم يمتلك الشاعر الفن والمعنى فلن ينجح فى كتابة قصيدة نثر حقيقية، على عكس القصيدة العامودية مثلا التى يمكن لصاحبها ببعض مهارة النحو والوزن أن يكتبها، دون الحاجة لشروط فنية كثيرة.
يوحى عنوان ديوانك الأخير "آثار جانبية للوردة" بأن للجمال ضريبة، وتقولين فى إحدى مقاطع الديوان "تلك ضريبة الجمال/ وهن على وهن".. كيف للجمال أن تكون له ضريبة؟
أؤمن أن كل شىء فى العالم يحمل بعض الخسارة، مهما بلغت درجة جماله. الخسائر موجودة حتى فى أقصى درجات الجمال، وهى الفكرة التى بنيت على أساسها الديوان، للوردة شوكة، يمكن أن تجرح، وتنزف دمًا، هذه الشوكة يمكن أن تقتل أيضًا، بمعنى أن هذه الوردة الجميلة يمكن أن تصبح أداة قتل لو تم تطويعها لذلك. أى جمال بداخله بعض الخسارة.
هل تخططين قبل الكتابة أن يخرج الديوان فى حالة واحدة؟ أم تعتمدين على تجميع بعض القصائد المتشابهة معنىً أو مبنى؟
أنا لا أخطط على الإطلاق، ولكن أحرص على أن توجد حالة ما تربط بين قصائد الديوان.

"قصائدى/ حاصل جمع أمراضى/ مع قدرتى على الهلوسة/ أم رسائلى تلك المهمل فى بريد الأصدقاء/ مجرد محاولات لتأجيل الانتحار/ أو الجنون".. الكتابة عندك بديل للانتحار؟ هل يمكن اعتبار ذلك السبب الذى تكتبين لأجله؟
ليس كذلك. هناك من يجد فى الكتابة تعويضًا عن حياة لم يعشها، ولكنى لا أرَ ذلك. لدى الكثير من الأفكار والرؤى التى إن لم أكتبها سأجن، ولذلك أعتبرها نوعًا من أنواع التواصل مع العالم، وإعلان الوجود. لا أعرف شكل مصيرى إن لم أكن أمارس الكتابة، ولكن ما أعرفه هو أن النتيجة ستكون سيئة للغاية.
الفن أصلًا هو معادل موضوعى للجنون أو المرض النفسى. لم أقابل فنانًا أو مبدعًا سليم نفسيًا بشكل كامل، دائمًا هناك خلل ما يخرج فى شكل إبداع، وترجمة هذا الخلل هو الفن.
تعملين بالصحافة.. هل هى المهنة الأنسب للكاتب؟
طبعًا، وأى صحفى يرى عكس ذلك عليه أن يعيد حساباته وعليه أن يعرف أنه لم يحب الصحافة بما يكفى. الصحافة تمنحك علاقة يومية مع الكتابة، أكتب كل يوم، وأفكر فى المعانى والكلمات. الصحافة مهنة عظيمة تتيح لك التواصل مع المجتمع وحكاياته. الصحافة مهنة حياتى، ولم أكن لأختار مهنة غيرها، إنها نافذة سحرية للكتابة، وتفجر الأسئلة طوال الوقت.
عرفت منكِ أنك انتهيت من كتاب بخصوص مقتل الأنبا أبيفانيوس.. كيف جمعت المادة فى غضون أقل من ثلاثة شهور فقط؟
لأنى صحفية. ولا تنسَ أن هذا هو ملفى، فأنا محررة كنيسة بالأساس، وقضيت فيه وقتًا طويلًا، قرأت عن الواقعة، وقابلت مصادر واستمعت لها، حتى اكتشفت هذا العالم تمامًا، هى حادثة فريدة فى التاريخ الحديث.

وهل هذه الحادثة قابلة للتكرار؟
ممكن، لأن طريق العنف لا ينتهى سريعًا، وهو يأتى فى وقت يسيطر فيه العنف الإسلامى، هذا الوقت يحمل الكثير من العنف، وصراعات لا تنتهى.
هل يعانى الوسط الثقافى من الشللية؟
أنا لم أختبر ذلك. عندما أصدرت ديوانى الأول "دون أثر لقبلة" كُتبت عنه مقالات كثيرة، فى وقت لم يكن يعرفنى أحد فيه. احتفى الكثيرون بتجربتى وشجعونى على نحو لافت، وأنا أؤمن قبل كل شىء أن المواهب الفذة لا تقف أمامها أى عقبات، وهؤلاء الذين يتحدثون عن الشللية التى تقضى على أحلامهم، والشللية التى تحاربهم، وتمنع مواهبهم من الظهور والانطلاق، عليهم مراجعة أنفسهم فى ذلك، لأن الموهبة الفذة، وضع تحت كلمة الفذة مائة خط، لا تحتاج لمساعدة أحد، وتنتزع بنفسها اعتراف الجميع.
لا تنسَ أن الفيسبوك غيَّر الكثير، خلق تفاعلًا مباشرًا، ينشر الكاتب أبياتًا من الشعر، أو مقطعاً سردياً ما، فتصله الإشعارات بتفاعلات المتابعين. أصبح النشر سهلًا جدًا. الفيسبوك كسر أيضًا عزلة الأقاليم.