مكاوى سعيد
لم يكن ثمة شىء خطير يهدد حياة مكاوى، لم يكن يعانى من أمراض صعبة، أو أزمات معينة، ليلة الوفاة كان معه القاص شريف عبد المجيد فى أتيليه القاهرة. يؤكد شريف لـ"مبتدا" أنه لاحظ على مكاوى بعض التغيرات، إذ كان يعانى يومها من تقلصات فى المعدة، وقتها أراد شريف اصطحابه لطبيب، أو شراء بعض الأدوية له، غير أن مكاوى رفض مؤكدًا أنه يحمل جميع الأدوية، ويحتاج فقط أن يغادر لبيته كى يرتاح.
يتابع عبد المجيد: "صُدمت فى اليوم التالى عندما عرفت بالخبر، لم أصدق. كان مكاوى شابًا تجاوز الستين عامًا، لم يتيبس وكان معاصرًا وابن زمنه، أغلب من تألم لموته كانوا من الشباب، الذين اهتم بهم وقربهم إليه ورحب بهم، لم يتوان عن دعمهم وتقديم النصيحة والمناقشة باستمرار دون ملل. كان مكاوى مفتونًا بالتوثيق لوسط البلد، وعندما كان يكتب "القاهرة وما فيها" احتاج بعض الصور التى تدعم مادة الكتاب، وقدمت له وقتها حوالى 25 صورة نشرت جميعها فى الكتاب، ولأن مكاوى إنسان نبيل كتب لى شكرًا فى الكتاب بسبب هذه الصور التى أهديتها له، رغم أنه لم يكن مطالبًا بذلك".

القاص سعيد الكفراوى يقول إن مكاوى كان شخصًا يتميز بحضوره الدائم حتى فى غيابه، وبصورة رسمها الجرافيتى له على جدران مقهى البستان تأكد الأمر، متابعًا: "عرفته متأخرًا، فى منتصف التسعينات، ولكن علاقتنا كانت متينة وراسخة، ابنى الفنان عمرو الكفراوى رسم له أغلب وأهم كتبه، التى كان يأتى بها مخطوطة لأناقشه فيها قبل النشر".
فى نظر الكفراوى، فإن العلاقة الخاصة جدًا بين مكاوى ووسط البلد كانت أهم ما يميزه : "كان عاشقًا للقاهرة ولوسط البلد، بأشخاصها وأوجاعها وإحباطاتها، وأماكنها القديمة التى سرقت قلبه. لن تفعل إلا أن تعشق مكاوى وانت تقرأ كتابه الجميل مقتنيات وسط البلد".
الناشر وائل الملا، صاحب دار مصر العربية للنشر، يحكى أن علاقته بمكاوى كانت استثنائية، إذ مثل له الحماية والسند. يقول: "عندما فتحت مكتبة أطياف بوسط البلد، لم أكن أعرف أحدًا فى المكان، ومكاوى قدم الدعم النفسى، والحماية ومنح المكان روحًا وشكلًا ومعنى. كنت مطمئنًا لأن مكاوى فى المكان، وجوده كان كافيًا لأشعر بذلك، ولم أكن أريد إلا ذلك الوجود فقط، الآن وسط البلد بلا روح أو معنى بعد أن فقدت مؤرخها".

المترجم أحمد صلاح الدين يقول إنه ظل حريصًا على الوفاء بوعده لمكاوى سعيد، الوعد الذى توفى مكاوى قبل أن يتحقق، وهو أن يترجم صلاح الدين جزءًا اختاره مكاوى من رواية "أن تحبك جيهان": "فعلت ذلك مؤخرًا، ونشر فى مجلة بانيبال فى لندن، كان مكاوى يظن أنى لن أفعل، وسأنسى وأنشغل كعادتى، ولكن غيابه عزز إصرارى، وبات الأمر بالنسبة لى مهمة لا مجال سشوى إنجازها على أكمل وجه".