أحمد أبو الغيط
وجاء نص الكلمة:
معالى السيد الوزير سامح شكرى، وزير خارجية جمهورية مصر العربية
معالى السادة الوزراء..
الحضور الكريم
تقف منطقتنا على أعتاب مرحلة جديدة لا زال الجميع يتلمس ملامحها ويستكشف أبعادها.. ولا شك أن التحديات التى يتعرض لها أمنُنا القومى العربى، لا يُمكن مجابهتُها والتصدى لها سوى بمنطق جماعى، وبعملٍ مشترك.. يتأسسُ على نظرةٍ شموليةٍ للأمن العربى.. نظرةٍ عابرةٍ للقضايا، متجاوزةٍ للجغرافيا.. فكل تهديد تتعرض له أرضٌ عربية، هو تهديدٌ لأمننِا جميعاً.. وكلما توحدَت صفوفُنا، كلما صار صعباً على الآخرين أن ينفذوا من بين خلافاتِنا.
إن التئام شمل اجتماعنا الطارئ اليوم يحمل رسالة مهمة للعالم بأسره.. بأن الدولَ العربية تتحدثُ بصوتٍ واحد عندما يتعلق الأمر بفلسطين.. لم تكن هناك قضيةٌ محل اجماع عربى فى تاريخ هذه المنظمة الإقليمية العريقة قدرَ القضية الفلسطينية.. وستظل هذه القضية فى قلب الهموم العربيةِ إلى أن تُحَل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 67، وعاصمتها القدس الشرقية.. بإذن الله.
إن اجتماعنا اليوم يبعث للعالم رسالة بأن الدول العربية تضع هذه القضية على رأس أولوياتها.. ويتعين على المجتمع الدولى بدوره أن يضعها على قمة أجندته.. فتحقيقُ تسويةٍ دائمة وعادلة لهذا النزاع الطويل كفيلٌ بأن يخلق ديناميكية جديدة فى المنطقة كلها.. بما يطلق الطاقات، ويرسم مستقبلاً أفضل لأجيال تريد العيش بسلام وأمن.. ولكن السلام الذى يتأسس على الحق هو وحده ما يستمر.. والأمن الذى يرتكز على العدل هو فقط الذى يدوم.
إن التسوية النهائية تمر عبر مسارٍ وحيد هو حل الدولتين.. وهو المسار الذى يحظى بتوافق العرب والعالم.. بل وبتأييدِ أغلبيةِ الفلسطينيين والإسرائيليين.. وليس فى الأفق صيغةٌ بديلةٌ عن حلِ الدولتين يمكنها تلبيةَ حاجةِ الفلسطينيين إلى الدولة، وحاجةِ الإسرائيليين إلى الأمن.
إن الإجماع الدولى على حل الدولتين لابد أن يُترجَمَ فى تحرك عملى يقود إلى إنقاذ هذا الحل من محاولات إسرائيلية مستمرة تهدُفُ إلىتقويضه وتهميشه.. إن النشاط الاستيطانى، فى الضفة الغربية والقدس الشرقية، يُشكل عقبة خطيرة فى طريق حل الدولتين.. وهو نشاط غيرشرعى ولا قانونى.. ومخالفٌ لقرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 2.334.. كما أن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقلَ السفارات إليها هو عمل عار عن الشرعية ويُشكل مخالفة للقرارات الأممية فى هذا الصدد.
السيد الرئيس،
لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن التسوية السياسية لا يُمكن فرضُها بمشروعاتٍ أُحادية أو بخُطط تتبنى وجهة نظر الدولة القائمة بالاحتلال وتتماهى معها.. ليس أمامنا سوى تمهيد الطريق لمسار التسوية عبر التفاوض.. وإننا ندعو اليوم جميع الأطراف الدولية ذات المصداقية والتأثير، وفى مقدمتها الرباعية الدولية، أن تبذل جهداً حقيقياً من أجل إطلاق عملية سياسية يكون لها أفق زمنى واضح، وتتأسس على نتائج جولات التفاوض السابقة ومبادئ القانون الدولى وأسس مبادرة السلام العربية.
إن إطلاق عملية تفاوضية تتناول قضايا الحل النهائى يظل السبيل الوحيد لكى يشعر الفلسطينيون بأن ثمة ضوءاً للحرية فى آخر نفق الاحتلال الطويل.. وليس بخافٍ أن الشعب الفلسطينى قد أوشك أن يفقد الثقة فى حل الدولتين، وفى إمكانية تطبيقه على الأرض.. بعد أنوجد من الطرف الآخر انصرافاً عن هذا الحل، بل وعملاً لا يكِلُ لهدمِ أركانِه ومحوِ شروط تحققه... وأقول بصراحة أن انصراف الفلسطينيين عن حل الدولتين لن يكون فى مصلحة أى طرف.. خاصة وأن بدائلَه لن تحقق لإسرائيل أياً من أهدافها.. بل ستزيد من المخاطرِ والتهديداتِ المُحدقةِ بها.
إن الشعب الفلسطينى يحظى بكل الدعم.. وبكل الاحترام والتقدير من الشعوب العربية جميعاً.. والقضيةُ الفلسطينية هى قضية العرب قبل أن تكون قضيةَ الفلسطينيين.. ومكانتُها وتأثيرها فى الرأى العام العربى راسخةٌ لا تتزحزح.. وحضورُها فى هذا البيت العربى الجامع يظل مركزياً وجوهرياً.
إننا اليوم نُجدد التزاماً وعهداً بالوقوف إلى جانب فلسطين إلى أن تنال سيادتها وتحقق استقلالها.. ونؤكد على أن التطوراتِ الأخيرةَ لابد وأن تُوظَفَ لصالح الحق الفلسطينى، ومن أجل تحقيق الهدف الفلسطينى.. ولخدمة غايتنا العُليا المشتركة بأن نرى الدولةَ الفلسطينيةَ حقيقة قائمةً، وواقعاً ملموساً.
كما نُجدد دعمنا لكافة الإجراءات التى تتخذها الرئاسة الفلسطينية من أجل تعزيز وَحدةِ البيت الفلسطينى وإعادة الُلحمةِ له، عبر الانتخابات والمصالحة معا.. فالجهدان متكاملان ويسهمان معاً فى تقوية الموقف الفلسطينى، داخلياً وخارجياً.
أخيراً.. اسمحوا لى أن أوجه باسمكم جميعاً تحيةَ إعزازٍ للشعب الفلسطينى فى داخل الأرض المحتلة، وخارجِها.. ووفقنا الله جميعاً لخدمة قضية العرب.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.