البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
قد يعجبك فستانها وقد لا يعجبك... لكن انتظر قليلاً!... ليست هذه هي القضية... قد تراه جريئاً بعض الشئ، وقد تراه عادياً... لكنها أيضاً ليست القضية فلسنا نحن من سيرتدى الفستان!... لكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن الطالبة جومانا كمال قد تعرضت لموقف لا يليق ولا يصح أن تتعرض له خريجة أكملت تعليمها الجامعي في يوم حفل تخرجها وكأنها تعاقب على حضورها ليوم من المفترض أنه يومها.

فعندما ذهبت لاستلام كاب وروب حفل التخرج، فوجئت بمن قيل إنه عميد إحدى الكليات والتي يتاخم مبناها مبنى كليتها يعترض طريقها ويطلب ذهابها للأمن لمنعها من الحضور ويلتقط لها صورا، فتحولت الفتاة إلى متهمة لها ملف مرفق بالصور يبحث عنها الأمن في ثوان معدودة، كان من الممكن إذا أراد أن يبلغ إحدى المشرفات أو الإخصائيات الاجتماعيات باسم التقاليد المحافظة أن تلفت نظرها، ولو أن هذا أيضاً في حد ذاته أيضاً تدخل غير مرغوب يشبه نفس موقفه ولكن بطريقة أخرى موازية.

لا شك أن مهندسة التكنولوجيا الحيوية جومانا كمال فكري قد تعرضت لحادثتي "تحرش سلوكي"، و"إرهاب نفسي" غير متوقعي الزمان، والمكان، لا ندري على وجه التحديد ماذا كان يدور بخلد من عنفها؟ هل كان ينشد أن يكون نبراساً يمكن محاكاته طالما صدر عمن يفترض أنهم يقومون بتعليم وتلقين الدارسين أصول التعامل مع الآخرين؟ إذاً فهو مخطئ.

هل صدرت تصرفاته من منطلق الأبوة والمجتمع الأبوي؟ مخطئ أيضاً، فلا يمكن لأب متعلم أن يفعل ذلك في هذه الأيام، لقد أخذ مكان زميلاتها وزملائها الذين كانوا سيكتفون بالتقييم والتعليق وإبداء الأعجاب أو التحفظ شأنه شأن بقية الأزياء، فقد توجد من بين زميلاتها "المحجبة" التي ربما سيعجبها الفستان، وقد توجد "غير المحجبة" التي ربما لا يروق لها الفستان، الفتاة رقيقة ومهذبة وهذا هو عنوان شخصيتها الذي قرأناه سريعاً وظهر بالأكثر في ردود أفعالها التي لم تبد أي عنفاً على الرغم من عنف ما تعرضت له.

أراه فستاناً جميلاً تصميماً ولوناً وخامةً يناسب حفل تخرج وليس حضور المحاضرات، ومن جهة الـ "Dress Code" أو القواعد المنظمة للأزياء، يجمع بين الكوكتيل والسيمي فورمال. لكنه ليس فجاً أو مثيراً بل إن خطوطه مستقيمة، كما أن هناك تعري مقبول.

ردود الأفعال التي سمعناها وقرأناها على وسائل التواصل الاجتماعي تباينت فالبعض يعنفها أيضاً، والبعض يرى في الفستان "قميص نوم" وهذا تبسيط مخل لأن قميص النوم لا يصلح إلا للنوم وتحقيق الراحة أثنائه ويختلف خامة وتصميماً، فمعنى ذلك أن أي بنطال أو بنطلون سيكون بالتالي بنطلون بيجامة أو منامة.

البعض الآخر يستهجن الموقف الذي تعرضت له بشدة، ردود الأفعال كاشفة لحقيقة اجتماعية وثقافية: تؤكد أن في مصر الآن فريقين: فريق يميل إلى العنف الظاهر أو غير المعلن، ظهر مع السبعينيات يرحب بكل ما هو عدائي، وبكل ما كان موجوداً في بيئة العصور الغابرة دون اعتبارات الزمان والمكان ينتمي إلى ثقافة التطابق “Conformity Culture” يرى أن حل مشكلاتنا هو في أن يكون جميع البشر متطابقين مخبراً ومظهراً، وهو بذلك يخالف الواقع فالبشر مختلفون في الأشكال، والألوان، واللغات كما أن ثقافة التطابق تماثل ثقافة القطيع الذي يظهر منصاعاً دائماً للتطابق، ويقلل من فرص إبداع الأفراد.

وفريق آخر متفهم، ومتسامح مع الواقع ينتمي إلى ثقافة الاختلاف The Culture of Difference، ولا يجد أن الاختلاف سبباً للخلاف، يتقبل وجود الآخر وليس إقصائه، ويحترم كافة الأفكار والرؤي والمعتقدات ويتعايش معها ويهمه بالأكثر الصالح الجمعي، والمصلحة العامة ويستطيع أن يتكيف مع المجتمع ويبتسم، ويسمعنا عبارات مودة مصرية جميلة مثل تعليق كتبته إحدى المواطنات وهي غير مسيحية: " البسي فستانك وصليبك وروحي كليتك" لتستطيع بكلماتها أن تنزع فتيل الأزمة وتلطف الأجواء في ثانية واحدة، نصحتها بأن ترتدى فستان جدتهما الأسطورة إيزيس الذي سبق وجود "دريس كود" بآلاف السنين، وهو ما فعلته المهندسة جومانا بدعوة مشكورة من السيد رئيس جامعة بدر الأستاذ الدكتور أشرف الشيحي لتكريمها تكريماً خاصاً.

وليست هذه السطور استباقاً لنتائج التحقيق الجاري حالياً في جامعة بدر، لكنها كلمات لابد أن تقال في كافة الأحوال.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز