البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أحمد الطيب - شيخ الأزهر
قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: "أنَّنى لا أدَّعى رِيادةً ولا زَعامةً فى قصَّةِ: "تجديدِ الفكرِ ‏الإسلامى" بشكلٍ عامٍّ، وتجديدِ "الفكرِ الفقهيِّ" بشكلٍ ‏خاصٍّ، وكلُّ ما أزعُمُه فى هذا الشأنِ هو: الهمُّ المتواصِلُ ‏الذى رافَقَنى منذُ العهدِ الباكرِ فى التعليمِ حتى اليوم، لا ‏أقولُ: حولَ مُستجدَّاتٍ اجتماعيَّةٍ أو اقتصاديَّةٍ تبحثُ عن ‏تكييفٍ شرعى، بل حولَ مَوْرُوثاتٍ، ليست من الدِّين ولا ‏من الشريعةِ، تَتَسَلَّطُ على حياةِ الناسِ، وتَتَحكَّم فى ‏تصرُّفاتِهم، وتُلحِقُ بهم الكثيرَ من الحَيْفِ والظُّلمِ، وبخاصةٍ ‏فى مجالِ المرأةِ والطبقيَّةِ، والمساواةِ بينَ الناسِ، ومجالِ ‏الاجتماعِ بشكلٍ عامٍّ".

وأضاف الإمام الأكبر خلال حديثه عن قضية التجديد اليوم فى الحلقة التاسعة عشرة من برنامج "الإمام الطيب"، الذى يذاع للعام الخامس عبر فضائيات مصرية وعربية: قد لازَمنى هذا الهمُّ كلَّما أثارَتْه المفارقاتُ ‏الاجتماعيَّةُ التى لا نجدُ لها تفسيرًا لا على مستوى ‏الشريعةِ، ولا على مستوى الرُّقِى الإنسانى، ولم يَدُرْ ‏بخَلَدِنا -نحن شباب الأزهر– فى يومٍ من الأيام أنَّ الشريعةَ ‏مسؤولةٌ عن هذه العاداتِ السيِّئة، فقد كُنَّا على درايةٍ كاملةٍ ‏بما تتضمَّنُه مُقرَّراتُ الفقهِ والتفسيرِ والحديثِ، وأنَّ كثيرًا ‏من هذه الأحكام غيرُ مُطبَّق فى حياتنا، بل مُصادَرٌ عن ‏عَمْدٍ لصالحِ عاداتٍ ومَوْرُوثاتٍ جاهليَّةٍ حَلَّتْ محلَّها فى ‏قيادةِ المجتمعاتِ منذ أَمَدٍ بعيدٍ، وأنَّ من الظُّلم، بل من ‏الجهلِ الفاضحِ، محاسبةَ "الشريعةِ" بما لا نَجِدُه فى ‏توجيهاتها وأحكامها، وإنْ وجدناه مُترسِّخًا فى سُلوك ‏المسلمين فى الشرقِ والغربِ.

وتطرق الإمام الأكبر للحديث عن موضوعِ التجديدِ، وقال إن ‏وسائلُ الإعلامِ -فى الآوِنة الأخيرةِ- تَناولَتْه وازدادَ غُموضًا ‏وانبِهامًا بسببِ كثرةِ الكلامِ فيه من غيرِ أهلِ الاختصاصِ، ‏حتى كاد أن يُصوَّر للناسِ وكأنَّه المسؤولُ الأوَّلُ عن كلِّ ‏أزماتِ العالمِ العربى: أمنيًّا وسياسيًّا، وحتى سَمِعنا أصواتًا ‏تُنادى بإلغاءِ التراثِ جملةً وتفصيلًا، وأصواتًا أُخرى ‏تُطالِبُ بالعودةِ إلى ما كان عليه سالفُ الأُمَّةِ وصالحُ ‏المؤمنين فى القُرونِ الثلاثةِ الأولى، وأن نضربَ بجَرَّةِ قلمٍ ‏على ما سوى ذلك.

وبيَّن الإمام الأكبر جهود الأزهرِ فى هذا ‏الشأنِ، وقال: لكى يكونَ دفاعُنا عنه مُوثَّقًا بسجلات التاريخ ‏وليس كلامًا فى الهواء كالذى نسمعه فى مثل هذه المواقف، ‏لكى يكونَ ذلك كذلك أستسمحُكم فى العودةِ إلى الوراءِ ‏عشرين عامًا، وتحديدًا فى شهر يونيو من عام 2001م، ‏حيث عُقِدَ مؤتمرٌ دولى عن تجديدِ الفكرِ الإسلامى، عَقدَتْه ‏وزارةُ الأوقاف أيام أن كان أستاذنا الجليل المرحوم أ.د. ‏محمود زقزوق، وزيرها المسؤول – رحمه الله رحمةً ‏واسعة – وكان -بحقٍّ- أوَّلَ مَن فتح ملفَّ تجديدِ الفكر ‏الإسلامى بعدَ الشيخ شلتوت والدكتور محمد البَهِى، وعَقَدَ ‏له مؤتمرًا دوليًّا جَمَعَ له العلماءَ من مختلف دولِ العالمِ ‏الإسلامى، وقد شاركتُ -أيامَها- فى هذا المؤتمر ببحثٍ ‏بعنوان: "ضرورة التجديد"، حرصتُ فيه على تشخيصِ ‏القضيةِ، وعرضِ العقبات التى تَعُوقُ طريقَ الحلِّ، ‏والاقتراحاتِ التى اقترحتُها لتَخَطِّى هذه العقبات.. وكنت ‏أرى -ولا زلتُ- أن أخطرَ هذه العقباتِ هى: فتاوى عتيقة ‏لم تعد تنفع المسلمين اليوم، والترويج لفتاوى ماجنةٍ تصدر ‏عادةً إمَّا من جهلاء بالإسلام وعلومه وتراثه، يقومون ‏بدور مُعين مرسومٍ فى تَشويهِ مُقدَّسات المسلمين، وإمَّا من ‏مُنتَسِبين إلى العِلمِ يَهُونُ عليهم بيعُه فى سُوقِ المنافع ‏وبورصة المناصب والأغراض الدنيا.

وتابع الإمام الأكبر: ثم ساقتنى الأقدارُ الإلهيَّةُ إلى مشيخةِ الأزهرِ فى ‏مارس من عام 2010م، ولم تَمضِ شهورٌ حتى دَخَلَ ‏العالمُ العربيُّ كلُّه فى ما يُشبِهُ منطقةَ "الضباب" وفقدان ‏القدرة على تحديد الاتجاه الصحيح، ورُغم هذه الأجواء ‏الملبَّدة بغيومٍ سوداءَ استطاعَ الأزهر - بتوفيقٍ من الله ‏تعالى وحدَه – أن يقومَ بدورٍ وطنى جَمَعَ فيه العلماءَ ‏والمفكِّرين والكُتَّاب والصحفيين والإعلاميين وكبارَ رجالِ ‏الأديان، لمناقشةِ همومِ الوطن، وإصدارِ وثائقَ تُساعِدُ ‏المسؤولين فى واجبِ الحفاظِ على وَحدةِ البلدِ وحمايتِه من ‏الانزلاقِ إلى ما انزلقَتْ إليه بلدانٌ أُخرى من حروبٍ أهليَّة ‏يَعقُبها الدَّمارُ والخرابُ والاستقواءِ بقوًى خارجيَّة.‏

وأوضح الإمام الأكبر أن الوثيقةُ الأولى كانت حولَ مستقبلِ مصر، والثانيةُ ‏عن دعمِ إرادةِ الشعوبِ العربيَّةِ، والثالثة عن منظومةِ ‏الحريات الأساسية الأربع: حرية العقيدة، وحرية البحث ‏العلمي، وحرية الرأى والتعبير، وحرية الإبداع الأدبى ‏والفنى، ووثائق أخرى صدرت فى صورة "بيانات من ‏الأزهر"..‏ وكعادتى أتساءَلُ: بِمَ نُسمِّى هذا الدورَ الوطنى ‏القيادى الذى اضطلع به الأزهر الشريف، وشارك به فى ‏سير أحداث الوطن، وحمايته من المتربِّصين فى الداخل ‏والخارج؟ أنُسمِّيه إنجازًا فى عُمْقِ عمليَّةِ "التجديد"، أم ‏نُسمِّيه نشاطًا "داعشيًّا" فيما يَزعُمُ المرجفون والذين فى ‏قلوبهم مرض؟!‏

وتلا الإمام الأكبر فى ختام الحلقة التاسعة عشر بعضًا ممَّا تتضمَّنُه هذه الوثائق الأزهرية، ‏ممَّا يدلُّ على دورِ الأزهرِ الوطنيِّ والتجديديِّ فى هذه ‏الظروف والملابسات العصيبة، فقد جاء فيها:‏ ‏

-‏ دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية ‏الديمقراطية الحديثة، التى تعتمدُ على دستورٍ ترتضيه ‏الأمة... والتأكيدُ على أنَّ الإسلامَ لا يَعرفُ فى تشريعاتِه ‏ولا تاريخه ما يُعرف فى الثقافات الأخرى بالدولةِ الدِّينيَّة ‏التى تسلَّطت على الناسِ، وعانت منها البشريَّةُ فى كثيرٍ ‏من مراحل التاريخ.

‏-‏ الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية فى ‏الفكر والرأى، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة ‏والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان ‏السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع.



‏-‏ الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات ‏الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال ‏الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين ‏المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية ‏والدعوات العنصرية جريمة فى حق الوطن.‏

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً