أحمد فكري زلط
تتأكد هذه الحقيقة اليوم مع زيارة الرئيس الصيني للقاهرة؛ منذ عدة أيام ، زيارة لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام كحدث دبلوماسي عابر، بل يجب أن نقرأها كـ«رسالة تذكير استراتيجية».
فالصين التي تعمق شراكتها اليوم مع مصر، لم تكن منذ عقود قليلة سوى دولة تعاني الفقر والضغط الديموجرافي الخانق، قبل أن تحول تلك الكثافة البشرية إلى خطوط إنتاج وتكنولوجيا فرضت نفسها على الخريطة الدولية.
وفي حضرة هذا العملاق الآسيوي، يظل هناك سؤال استراتيجي ينبض في قلب كل مصري عاشق لهذا الوطن، متى يكتمل العبور المؤسسي لنرى «العملاق المصري» في صدارة خريطة النهضة العالمية؟.. وكيف لبلدٍ يمتلك عبقرية الموقع الجغرافي، وإرث الحضارة، وثروة بشرية تتجاوز المائة مليون، أن يظل يستقبل العمالقة بدلًا من أن يزاحمهم في صدارة المشهد؟ وهل تكمن الشفرة الحقيقية في إعادة حوكمة الإدارة والمؤسسات، أم أن الأمر يتطلب ثورة شاملة في ثقافة الإنتاج والوعي الجمعي؟
دروس من التجربة الصينية واليابانية
«لم تنطلق اليابان ولا الصين من وفرة الموارد، بل من قلب الأزمات والتحديات الهيكلية الخانقة. فكيف تحول الضغط إلى طاقة نهضة استثنائية صنعت القفزة الكبرى؟»
الصين راهنت على التصنيع، والتصدير، والانضباط المؤسسي؛ ففتحت أبواب الإستثمار بدقة، وطوّرت سوق العمل، وتحولت من مجرد تجميع المنتجات إلى الإبتكار والتصدير للعالم، مستغلة كتلتها البشرية كأكبر ميزة تنافسية.
أما اليابان راهنت على الإنسان، والتعليم، والإنضباط؛ فحولت الفرد إلى صانع جودة عبر مفهوم التحسين المستمر (Kaizen)، وجعلت التكنولوجيا والإبتكار محركًا يوميًا.
والسؤال هنا هل المشكلة لدينا في «آليات الإدارة وكفاءتها» فقط أم في حوكمة أكثر لبناء منظومة جيدة؟
حين نُفكك شفرة التجارب التنموية الكبرى في التاريخ الحديث، نجد أن الإدارة هي المايسترو المحرك، لكنها تعمل ضمن منظومة متكاملة.
إن التحول الكامل نحو بناء "العملاق التنموي" يتطلب معالجة حاسمة لثلاثية جوهرية:
1 - تطوير الأداء الإداري وترسيخ الحوكمة
الانتقال المؤسسي الشامل من النمط التقليدي إلى الإدارة المرنة الشفافة، القائمة على التراكم التنموي والمؤسسي بدلًا من الفردية، وتفعيل مبدأ الجدارة والتنافسية وتقريب أصحاب الحلول الميدانية الشجاعة في كافة القطاعات.
2 - ثقافة الإنتاج والالتزام
النهضة لا تصنعها القرارات أو التوجيهات الفوقية وحدها، بل يصنعها "مجتمع يقدّس العمل"؛ التجارب الدولية الناجحة قامت على ترسيخ قيمة الإتقان، والانضباط، والعمل الجماعي، واعتبار الوقت ثروة قومية.
وفي المقابل، نحتاج مجتمعيًا إلى تعزيز ثقافة الإنتاج المحلي وتعميق الصناعة الوطنية بدلًا من نزعات الاستهلاك وسرعة الربح غير الإنتاجي.
3 - تحويل التحديات الهيكلية إلى فرص استثمارية
استغلال الكثافة السكانية وثروة الشباب البشرية للتحول من مجرد عبء استهلاكي إلى قوة ضاربة في مجالات التصنيع، والخدمات اللوجستية، والبرمجيات، والتكنولوجيا المتقدمة والزراعة الحديثة.
روشتة استيقاظ العملاق المصري
إن مصر تمتلك كافة المقومات فالموقع الجغرافي وقناة السويس والموانئ محاور لا مثيل لها عالميًا، والعقول المصرية تتميز وتتألق فور توفر البيئة المواتية. إن تحويل زيارة الرئيس الصيني والتوافقات مع بكين إلى انطلاقة حقيقية يتطلب الاعتماد على روشتة تنموية ذات 4 محاور تنفيذية:
1 - عقيدة «التصنيع والتصدير»
إحلال الواردات:
تحويل استيراد السلع والمنتجات الأساسية إلى تصنيع محلي عبر حوافز ضريبية وإجرائية فورية لأي مستثمر يغطي احتياجًا محليًا.
توطين التكنولوجيا الصينية:
نقل معارف وتكنولوجيا القلاع الصناعية والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة من التنين الصيني للداخل المصري، وتحويل المحور الإقتصادي لقناة السويس إلى مركز صناعي وتصديري عالمي.
تسهيل بيئة الأعمال:
إنهاء التعقيدات الإدارية عبر منصات رقمية موحدة تمنح التراخيص والموافقات في أيام لا شهور.
2 - ثورة التعليم التكنولوجي والفني وبناء الإنسان
ربط التعليم بسوق العمل:
إعادة توجيه مسارات التعليم الفني والجامعي لتتواكب مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة، الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة.
إعادة الاعتبار لليد العاملة الماهرة:
بناء "جيش من الفنيين" المؤهلين وفق المعايير الدولية، وتحويل الكثافة السكانية من عبء استهلاكي إلى ثروة إنتاجية وتصديرية.
3 - حوكمة الجهاز الإداري وتفعيل الجدارة
ولا يمكن الحديث عن حوكمة الجهاز الإداري دون التوقف أمام «عقلية الإدارة» ذاتها؛ فإطلاق العملاق المصري يتطلب وجود مسؤولين وقيادات في مواقع اتخاذ القرار على قدرٍ عالٍ من الوعي والمسؤولية الوطنية والشجاعة التنفيذية.
قيادات تؤمن بعقيدة مفادها أن المواطن أو الموظف هو «شريك أساسي في بناء النهضة» وليس «عبئًا على الدولة أو المؤسسة».
إن تغيير فلسفة التعامل الإداري من المنطق السلطوي والبيروقراطي إلى منطق الشراكة، والتمكين، والاستماع الفعال، هو الشفرة الحقيقية لبناء الثقة مع الكفاءات ، وتحفيز الطاقات المعطلة، وتحويل القوة البشرية إلى كتلة تصنيعية وإنتاجية ضاربة.
الانتقال من "الفرد" إلى "المؤسسة":
ضمان استدامة السياسات والخطط التنموية بغض النظر عن تغير الأشخاص أو القيادات.
التحول الرقمي والشفافية:
الإسراع في القضاء على البيروقراطية والوساطة بميكنة كافة المعاملات الحكومية، وربط التقييم بمؤشرات أداء قياسية ومخرجات فعلية على الأرض.
4 ـ ثقافة الإنتاج وإثراء الوعي الجمعي
ترسيخ قيمة الإتقان:
غرس قيمة العمل الفعلي، الالتزام، والانضباط المؤسسي كواجب وطني أخلاقي.
استبدال ثقافة الاستهلاك بثقافة الإنتاج:
توجيه الإعلام والدراما لتعزيز نماذج النجاح العصامي، والتصنيع، والابتكار بدلًا من السطحية والمشاهد الرقمية العابرة.
وفي الختام
إن «العملاق المصري» ليس أسطورة ننتظر مجيئها، ولا منّة ننتظر أن يمنحها لنا أحد.. فالجينات الحضارية والعقول المصرية الفذة موجودة ومثبتة تاريخيًا وميدانيًا.
إن حضور القيادة الصينية في قلب القاهرة يضعنا أمام الحقيقة العارية بلا تجميل: العمالقة لا يبكون على الأطلال ولا ينتظرون صدفة القدر ليصنعوا معجزتهم، بل يقتنصون الفرص، ويطوعون الجغرافيا، ويحولون إنسان الوطن إلى أداة إنتاج ضاربة. المسألة لم تكن يومًا نقصًا في الإمكانيات، بل هي معادلة حاسمة تجمع بين: «إرادة تصنيعية لا تهادن + حوكمة صارمة تعلو فوق البيروقراطية + ثقافة شعبية تقدس الإتقان وتزدري الفهلوة + عقلية إدارية مبنية علي الشراكة».
لقد شَبَّ هذا الوطن عن طوق الوعود الشفهية والحلول الترقيعية؛ وقدر مصر ألا تظل تستضيف العمالقة، بل أن تخلع عباءة الإنتظار وتجلس في مكانها الطبيعي.. على عرش الصدارة! ف مصر لا يليق بتاريخها ولا بمستقبلها إلا أن تكون عملاقًا يشار إليه بالبنان.