البث المباشر الراديو 9090
مفتى الجمهورية
قال الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم إن قضية التفكير البيئى إنما تنطلق بداية من الوعى بقضايا البيئة.

جاء ذلك خلال كلمة مفتى الجمهورية بالمنتدى الإسلامى العالمى السابع عشر حول الوعظ البيئى المنعقد فى موسكو عبر تطبيق "زووم"، الذى نظمته الإدارة الدينية لمسلمى روسيا الاتحادية تحت عنوان "من الوعظ البيئى إلى التفكير البيئى: البحث عن الطريقة المثلى للتحدث"، فى إطار فعاليات الاحتفال باليوم العالمى للإفتاء، بمشاركة الشيخ راوى عين الدين رئيس مجلس شورى المفتين بروسيا الاتحادية، ونخبة من العلماء ورجال الدين.

مفتى الجمهورية

 

وأضاف المفتى أن "الوعى فى حقيقته يدور حول الإدراك الدقيق والحقيقى؛ إدراك الذات، وإدراك المتغيرات التى تحيط بالإنسان، والوعى بهذا المفهوم صفة إسلامية أصيلة وعامة، ذلك أن الشريعة الإسلامية قد أسست للوعى بمفهومه الشامل، فبينت حقيقة الذات البشرية، والكون المحيط، وعلاقة الإنسان بذلك الكون، ولا شك أن الوعى البيئى كان أحد محاور ذلك الوعى الشامل الذى كرس الإسلام له".

وأوضح أن التناول الإسلامى لقضايا البيئة لم يقتصر على مجرد الوعظ والخطابة؛ بل تشكل فى إطار الشريعة الإسلامية نظرية رائدة تجاه الحفاظ على البيئة ومكتسبات الإنسان من ذلك الكون المسخر له؛ بل انطلقت الشريعة فى اتجاه مواز لذلك الاتجاه فى سياق التفكير البيئى، وهو اتجاه التنمية المستدامة لتلك البيئة ومواردها، وقد بنى ذلك على ركائز عدة من شأنها تنمية الإدراك لدى الإنسان بفهم وظيفته وذاته وبيئته.

مفتى الجمهورية

 

ونوه مفتى الجمهورية بأنه من هذه الركائز أن الشريعة المباركة قد أصلت لمبدأ مسؤولية الإنسان؛ فقال سبحانه وتعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة}، فمثلت خلافة الإنسان لله فى الأرض ركن قضية التفكير البيئى فى الفكر الإسلامى؛ حيث وضعت الإنسان أمام مسئوليته تجاه البيئة والكون؛ فالإنسان هو المستفيد الأول من موارد البيئة؛ فهو مسئول عن حل ما يطرأ من مشكلات فى سبيل أن تتعاظم الفوائد فيتقاسم الخلق هذه العطايا على قدر سواء.

وأشار مفتى الجمهورية إلى أن نظرة الإسلام إلى البيئة فى إطار التفكير البيئى جاءت مليئة بقيم الحفاظ عليها وتنميتها؛ فقد أسس الإسلام لتلك القيم وربطها ربطا مباشرا بالمنظومة التشريعية؛ فجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة وجعل إنقاذ حيوان سببا مباشرا لدخول الجنة مهما ثقلت الذنوب؛ فقال صلى الله عليه وسلم «إن امرأة بغيا رأت كلبا فى يوم حار يطيف ببئر قد أخرج لسانه من العطش فأخذت له ماء فشرب فغفر لها».

وأكد مفتى الجمهورية أن الشريعة حثت على تنمية موارد تلك البيئة لضمان استمرارها وتحقيق الاستفادة منها فقال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة»، وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق على استصلاح الصحراء وإعمارها فيما وضعه من أحكام إحياء الموات؛ بما يتسق مع ما تنظمه الدولة فى تشريعات وقوانين فى هذا الخصوص، فقال عليه السلام: «من أحيا أرضا ميتة فهى له»، ومن هنا كان لا بد أن يأخذ التفكير البيئى موقعه المناسب كإحدى الآليات التى تتبناها المؤسسات الدينية المختلفة تجاوزا لمجرد الخطاب الوعظى.

وتابع المفتى: "إذا كان التأثير الإيجابى للخطاب بوجه عام، والخطاب الدينى خصوصا؛ سواء فى بناء الوعى أو ترسيخ الثقافية القيمية أمر لا شك فيه؛ فإن هذا الخطاب ولا شك سيكون أكثر تأثيرا إن تزامن معه اعتبار التفكير البيئى أحد أسس التوجيهات الدينية بوجه عام؛ وذلك فى مختلف المجالات التى تتعلق بها الأديان؛ سواء الدعوية أو التشريعية أو المرتبطة بالإنسان والبنيان؛ ففى الدين الإسلامى لا بد أن يكون التفكير البيئى أحد الأسس التى توجه الاختيار الفقهى لتبنى الآراء الأكثر اعتبارا لقضايا البيئة ليتم الإفتاء بها ونشرها".

ولفت مفتى الجمهورية إلى أن الفكر الإسلامى قد امتلك مادة غاية فى الثراء والتنوع بخصوص قضايا البيئة تحديدا، ويمكن القول بأن الفكر الإسلامى قد كون نظرية متكاملة حول العلاقة بين الإنسان وما يحركه من نوازع شخصية وبين الموارد الطبيعية المتاحة، واشتملت تلك النظرية على منهج متكامل ومحددات واضحة تحكم تلك العلاقة، ليس فقط تلك المحددات، وإنما كل ما يتعلق بالحق المتعلق بالحفاظ على البيئة، ولا نبالغ إن قلنا إن قضية المحافظة على البيئة تصدرت أولويات التشريع، وشكلت أحد المبادئ الأساسية فى التشريع الإسلامى، وأما على نطاق الحفاظ على الأوقاف الإسلامية وتنميتها فأوضح مفتى الجمهورية أنه يجب أن يكون للتفكير البيئى مكانه فى هذا السياق بتطوير طرق ووسائل وآليات تفعيل التفكير البيئى.

وعلى نطاق الدعوة، أكد مفتى الجمهورية أنه لا بد للخطاب التوعوى والدينى أن يأخذ موقعه من التحركات العالمية لمواجهة المشكلات البيئية والتغيرات المناخية وأن يتخلص من المكبلات التى تصنع تفرقة بين تكرارية ذكر النصوص الدينية ودلالتها الروحية وبين الممارسات التى يضطر إليها الشخص كل يوم؛ ولا سيما أن كل حركة للإنسان مرتبطة ببيئته، ولا ينفك عن التأثير والتأثر بها فى كل لحظة من لحظات حياته.

مفتى الجمهورية

 

ولتحقيق هذا الهدف، قال مفتى الجمهورية: "إنه لا بد أولا من الوقوف على تلك المكبلات للانتقال بالخطاب من مجرد آلة وعظية لا ترتقى لحل المشكلات إلى آلة شاملة تقوم على تأطير الوعى البيئى خصوصا، وتجمع بشكل فعال بين العقلانية والروحية فى آن واحد".

وأضاف أنه من أبرز الإشكالات فى هذا الصدد ضمان أن يحقق الخطاب مقصوده باستخدام اللغة المناسبة لموضوعات البيئة وقضاياها المعاصرة، وعدم الاعتماد على لغة وعظية روحية بعيدة عن لغة الواقع ومعطياته الثابتة، كما يجب أن يكون الخطاب البيئى مائلا للغة المنطق، مستعملا لمنظومة الأرقام والحقائق العلمية التى يمكن من خلالها الانطلاق للتوعية بمدى خطوة الوضع الراهن ومن ثم ربطه بالمقاصد الشرعية، وهنا يمكن تنشيط البواعث الروحية والدوافع الأخلاقية لدى المتلقى للاستجابة إلى الطرح الذى يقدمه الخطاب كاملا، والعمل على تنفيذه بشكل أكثر جدية على أرض الواقع.

وأكد مفتى الجمهورية أنه يجب على الخطاب الدينى البيئى أن يصرف اهتمامه لمعالجة بعض القضايا التى ربما فهمت خطأ، أو كانت منطلقا للفهم الخاطئ، والتراخى والاستخفاف بقضايا البيئة، وعلى رأس تلك القضايا، قضية التسخير وكون الكون كله مسخرا لخدمة الإنسان وتحقيق رغباته؛ فإن المبالغة فى ذلك تفضى إلى التغول الواضح للإنسان على الموارد الطبيعية وسوء استخدامها وعدم الاعتناء الكافى بما يجب عليه من واجبات والحدود الفاصلة بين الاستمتاع بذلك التسخير وإيقاع الضرر من الاستخدام الخاطئ للموارد.

وقال مفتى الجمهورية إن من إشكاليات الخطاب البيئى: أنه قد اتخذ قوالب نمطية كانت فى أغلبها وعظية تأصيلية، انطلقت من النصوص الشرعية التى شكلت مبادئ النظرية البيئية فى الفكر الإسلامى وانتهت ببعض المواعظ من ضرورة الحفاظ على البيئة عملا بتلك النصوص، ولا شك أن ذلك الخطاب يحقق دوره فى التأصيل الشرعى لقضايا البيئة والحفاظ عليها؛ إلا أن الإغراق فى تلك النمطيات الخطابية يجعلها مكررة إلى حد كبير، ولا يضع الإنسان أمام مسئوليته الحقيقة لأنه لا يعرض عليه الإشكال الحقيقى والأبعاد الواقعية للمشكلة، لذا فيجب أن يراعى الخطاب الدينى ابتداء تصوير القضية وفق معطيات علمية حقيقية من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق المرونة اللازمة بمقتضى اختلاف المنابر التوعوية والفئات المستهدفة.

وأضاف أن التخلص من تلك الإشكاليات ينقل الوعظ البيئى إلى تفكير بيئى، وهذا من وجهة نظرنا يحقق الاستدامة البيئية من جهة، والتوافق والتناغم بين العمل الفردى وبين السياسات البيئية المحلية والإقليمية والدولية.

مفتى الجمهورية

 

واختتم مفتى الجمهورية كلمته بالتأكيد على أن تحقيق الاستدامة البيئية عمل كبير يحتاج إلى تضافر الجهود على كل المستويات، ولا يمكن الاكتفاء بالوعظ البيئى المجرد عن التفكير البيئى، وليس أقل من الترويج والربط بين الأهداف البيئية والأهداف الاجتماعية، وبيان حجم التداعيات البيئية وتغير المناخ ونحوه على مشكلات البطالة وتدفق العمالة ومعدلات الدخول لدى الأفراد والدخل القومى من جهة أخرى، والربط الوثيق بين السياسات الوطنية والإقليمية والدولية وبين العمل الفردى والمجتمعى، فكل ذلك يساعد الحكومات والمؤسسات على وضع برامج وخطط الاستدامة البيئية، ويكون للخطاب أثره فى تلك السياسات الإصلاحية التى يحتاج إليها العالم اليوم أكثر من أى وقت مضى.

واستطرد قائلا: "إن قضية الوعى البيئى يجب أن تأخذ موقعها المناسب كأحد التحديات التوعوية التى تتصدى لها المؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية، ويجب على سائر المؤسسات أن تتأسى بهذا المنتدى المبارك الذى يؤدى واجب وقته فى نشر الوعى البيئى لإعمار الأرض وخدمة البشرية بالعلم والعمل".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز