البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
تكشف الحروب الكبرى دائمًا عن حقيقة موازين القوى، ليس فقط من خلال حجم الأسلحة المستخدمة، وإنما من خلال قدرة الدول على الصمود، وإدارة الأزمات، وحماية جبهاتها الداخلية. وما شهدته المنطقة خلال الحرب الأخيرة أثبت أن الجميع خرج منها بدرجات متفاوتة من الانكشاف، وأن الصورة التي كانت تُرسم عن القدرات العسكرية والاستخباراتية والسياسية لم تعد كما كانت قبل اندلاع المواجهة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت الدول العربية مستعدة لهذه الحالة من الحرب؟ وهل كانت إيران وإسرائيل، باعتبارهما طرفي المواجهة غير المباشرة والمباشرة، أكثر استعدادًا؟

الواقع يشير إلى أن معظم الدول العربية لم ترغب في الدخول في حرب إقليمية واسعة، وهو أمر لا يرتبط بالقدرات العسكرية وحدها، وإنما بطبيعة الأولويات التي تبنتها خلال السنوات الماضية، حيث انصبت الجهود على التنمية الاقتصادية، والاستقرار الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أكثر من الانخراط في سباقات التسلح أو الصراعات المفتوحة. لذلك كان الرهان العربي الأكبر هو منع توسع الحرب، وليس الانخراط فيها.

في المقابل، بدت إيران، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها قوة إقليمية تمتلك منظومات ردع متقدمة وشبكات أمنية واستخباراتية واسعة، أمام اختبار بالغ الصعوبة. فقد كشفت الحرب عن ثغرات أمنية واستخباراتية مؤثرة، سواء في قدرة الخصوم على الوصول إلى أهداف حساسة، أو في نجاح عمليات الاختراق التي وصلت لاغتيال الفقيه علي خامتئي وبعض افراد اسرته والصف الاول والثاني من القيادات الإيرانية وكذلك اختراق منشآت ذات أهمية استراتيجية. وهذا لا يعني غياب القدرات الإيرانية، لكنه يؤكد أن المنظومة الأمنية، روج لها بالقوة ولكنها ليست كذلك، وكان مصيرها الانكشاف عندما اتسعت دائرة المواجهة وتعددت أدواتها.

أما إسرائيل، التي طالما روجت لنفسها باعتبارها صاحبة التفوق العسكري المطلق في المنطقة، فقد تعرضت هي الأخرى لاختبار غير مسبوق. فقد أظهرت الحرب أن القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم تفوقها التكنولوجي، لا تعمل بمعزل عن الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاستخباراتي. بل إن استمرار العمليات الدفاعية والهجومية ارتبط بدرجة كبيرة بحجم المساندة التي قدمتها الولايات المتحدة، سواء عبر تزويدها بالذخائر ومنظومات الدفاع، أو من خلال الدعم اللوجستي والاستخباراتي. وهو ما أعاد التأكيد على أن إسرائيل، رغم امتلاكها جيشًا متطورًا، لا تستطيع إدارة حرب طويلة ومعقدة دون شريكها الاستراتيجي الأمريكي.

هذه المعطيات تؤكد أن الحرب لم تكشف فقط عن نقاط ضعف الخصوم، بل كشفت أيضًا حدود القوة لدى الجميع. فالتفوق العسكري وحده لم يعد كافيًا لتحقيق الحسم، كما أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يمنع الاختراقات الأمنية، ولا يضمن السيطرة الكاملة على مسرح العمليات.

أما على المستوى العربي، فقد برز نموذج مختلف في إدارة الأزمة، يقوم على توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية بدلاً من الانجرار إلى التصعيد العسكري. فقد لعبت مصر دورًا محوريًا في مواجهة أحد أخطر تداعيات الحرب، وهو مشروع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، حيث تمسكت برفض هذا السيناريو انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي، وأصرت على أن يبقى الحل داخل الأراضي الفلسطينية، وليس على حساب دول الجوار.

كما أسهمت الجهود المصرية، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، في الدفع نحو اتفاقات لوقف إطلاق النار، والعمل على الانتقال إلى مراحل تفاوضية هدفت إلى تخفيف التصعيد واحتواء تداعياته الإنسانية والسياسية. ورغم التعقيدات التي صاحبت تنفيذ هذه التفاهمات، فإن التحرك الدبلوماسي المصري ظل أحد المسارات الأساسية الهادفة إلى منع اتساع دائرة الصراع.

والأهم من ذلك، أن السياسة العربية، وفي مقدمتها التحركات المصرية، ساهمت في الحيلولة دون تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة كانت ستدفع المنطقة بأكملها إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية يصعب احتواؤها.

لقد أثبتت هذه الأزمة أن القدرة السياسية قد تكون، في لحظات كثيرة، أكثر تأثيرًا من القدرة العسكرية. فليست كل معركة تُحسم بالصواريخ والطائرات، بل إن بعض المعارك تُحسم على موائد التفاوض، وفي غرف الوساطة، ومن خلال بناء التوافقات الإقليمية والدولية. وهذه ليست علامة ضعف، وإنما تعبير عن فهم عميق لمفهوم القوة الشاملة في العلاقات الدولية.

إن الجسارة الحقيقية ليست في توسيع رقعة الحرب، وإنما في امتلاك القدرة على منع اندلاعها، وليست في إطلاق النار، بل في إيقافه عندما تصبح كلفة استمراره أكبر من أي مكسب محتمل. فالدول التي تنجح في حماية شعوبها، والحفاظ على استقرارها، ومنع انزلاق الإقليم إلى صراع مفتوح، تمارس شكلًا متقدمًا من القوة السياسية والاستراتيجية.

وفي النهاية، كشفت الحرب أن المنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة تعريف لموازين القوى. إيران اكتشفت أن منظومتها الأمنية ليست عصية على الاختراق، وإسرائيل أدركت أن تفوقها العسكري لا يغنيها عن المساندة الأمريكية، بينما أثبتت الدول العربية أن امتلاك الحكمة السياسية، وتغليب الدبلوماسية، والسعي إلى احتواء الأزمات، قد يكون السلاح الأكثر فاعلية في زمن تتغير فيه قواعد الصراع بصورة متسارعة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز