البث المباشر الراديو 9090
فريد فاضل
لم يكن من الصعب ملاحظة ما بدا على وجه الدكتور الفنان فريد فاضل من إشراق وهو يتحدث عن طفولته التى شهدت مولد موهبته المبكرة، وعن والدته صاحبة التأثير الكبير فى حياته، وعن أثر الإيمان فى تعميق رؤيته الفنية، وعن مصر التى عرفها عن قرب.

هو طبيب العيون الحاصل على الدكتوراه فى الطب، وعازف البيانو والكمان خريج معهد الكونسرفتوار، والفنان التشكيلى الذى أقام عشرات المعارض فى الداخل والخارج، كما مارس الغناء الكلاسيكى فى عدة حفلات كونسير جماعية مع كورال القاهرة منذ أكثر من 30 عاما، وقدم حفلات ريسيتال بيانو وكمان وغناء منفرد فى مصر والولايات المتحدة، ويقتنى أعماله الكثيرون فى شتى الدول، كما تزين لوحاته جدران عدد من المتاحف والسفارات فى الداخل والخارج.

فى حواره لـ«مبتدا» تحدث عن مولده بأسيوط التى يرى أنها تمتعت بقدر هائل من السماحة على مدى عقود طويلة، كما تحدث عن موهبته التى لم يكن غريبا أن تبزغ فى وقت مبكر وهو ابن العائلة الكبيرة التى عشقت الفن ومارست منه ألوانا متعددة، وعن رحلاته لاكتشاف مصر.

ــ يعرف متابعوك أنك أقمت أول معرض رسمى فى سن 13 سنة، فكيف بدأت الموهبة؟

لم يكن الفن بالنسبة لى رفاهية بقدر ما كان خضوعا لضرورة فرضت نفسها بالطبيعة، واحتياجا للتعبير عن الذات بصريا، وكانت البدايات الأولى خلال مرحلة الطفولة بتجميع بعض قصاصات الأوراق وإعادة تشكيلها، ثم جذبتنى الألوان بأنواعها فاتجهت إلى الرسم، وعند سن الثالثة عشرة أقمت أول معرض رسمى فى قصر ثقافة قصر النيل عام 1971، تلته معارض عديدة كان أهمها معرضى الخامس قبل التحاقى بكلية الطب بقليل، وهو المعرض الذى افتتحه المهندس سيد مرعى، رئيس مجلس الشعب فى ذلك الوقت، والذى أشار على لشدة إعجابه باللوحات بضرورة الذهاب إلى الأكاديمية المصرية بروما لمشاهدة الفن الإيطالى عن قرب، وأعد لنا رحلة لهذا الغرض استفدت منها كثيرا، حيث تعرفت خلالها على الفنان الكبير سيف وانلى، الذى كان مقيما بروما وهيأ لى فرصة التعرف على المدارس الفنية والفنانين الأوروبيين.

ــ وماذا عن الأسرة؟

بالطبع كانت النشأة وسط أسرة فنية ومثقفة سببا أساسيا فى استشراف الطريق، حتى إن والدى الذى كان مهتما بالكتابة إلى جانب عمله كمهندس ووكيل لوزارة المواصلات، قال لى عقب حصولى على الثانوية العامة بدرجات كبيرة: ما تستتخسرش المجموع، وطالما ميولك فنية وناوى تكمل فى مجال الرسم والموسيقى ادرس فنون، فضلا طبعا عن والدتى التى كانت مدرسة للموسيقى إلى جانب عملها كأستاذة لعلم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، والتى تبلغ من العمر الآن واحدا وثمانين عاما وما زالت تحرص على تدريس الموسيقى بجامعة توليدو بولاية أوهايو فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعيش الآن، بعد أن توقفت عن تدريس علم الاجتماع.

ــ وما سر أسيوط وأثرها رغم بعد المسافة بينها وبين الحركة الفنية والأدبية فى القاهرة فى ذلك الوقت؟

لم تكن أسيوط كما هى اليوم بطبيعة الحال، فقد كانت تتمتع بقدر هائل من السماحة التى كانت سائدة فى مصر كلها قبل موجات التحول الأخيرة، وكانت مليئة بالعائلات الكبيرة المسلمة والمسيحية على السواء، كما أنها كانت تحظى بعدد من المدارس الهائلة خاصة مدارس الإرساليات الأمريكية التى بدأت نشاطها فى أوائل القرن الماضى وقدمت خدمات جليلة للعلم والتعليم، وفيها مارس الطلاب أنشطة متعددة، فقد مارست والدتى على سبيل المثال رياضة التنس وركوب الخيل إلى جانب عزف وتعليم الموسيقى، كما كانت المدارس تحيى حفلات للموسيقى الكلاسيكية.

بالطبع لم أكن سعيد الحظ فلست من مواليد ذلك الزمن الجميل رغم أننى ولدت عام 1958 فى أسيوط تبعا لتقاليد عائلتنا حيث كان يقيم جدودى، وكان جدى الدكتور فهيم جرجس، حكيم باش "مدير" مستشفى الرمد بها، ولكننى لم أمكث هناك سوى أسبوع واحد، فقد كان والداى يعيشان بالفعل فى القاهرة مقر عملهما.

ــ رغم رسوخ الموهبة الفنية ووضوح الطريق فقد درست الطب، فما سبب ذلك؟

رغم خطواتى الناجحة والمبكرة فى مجال الفن فقد أحببت دراسة الطب ربما تأثرا بجدى طبيب العيون، وأعتقد أن دراستى العلمية أفادتنى كثيرا وأتاحت لى معرفة دقيقة بتشريح العين وبنظريات الضوء والبعد الثالث وكيفية عمل الشبكية، وهى المعرفة التى عمقت رؤيتى للفن التشكيلى ومعرفة مواطن التأثير فى المتلقى.

ــ على ذكر المتلقى.. تحظى لوحاتك بقبول واسع كونك تنتمى إلى المدرسة الواقعية، فهل هذا نابع من رؤية معينة؟

للفن روح، وللإبداع وحى، قد يتنزل فى منطقة بصرية فيرسم الفنان لوحة، أو منطقة سمعية فيغنى الفنان ويعزف، أو يقع فى منطقة لغوية فينشد المبدع شعرا، بينما قد يقع الإبداع فى منطقة وسطى بين ذلك فلا يكون المبدع أسيرا لوسيط فنى معين ويظل يتنقل كالفراشة بين ألوان مختلفة من الفنون.

هذا من حيث الجوهر، أما من ناحية الأداء، فأنا مؤمن بأن المتلقى جزء أصيل من العملية الإبداعية ولا ينبغى إهماله أو التعالى على ذوقه ومن ثم اتهامه بالجهل، كما أن موضوعى الأول كان ولايزال هو الإنسان، وخلال رحلتى الفنية اهتممت بشكل أساسى بالبحث عن الشخصية المصرية فى عمقها، وتناولتها فى الأغلبية العظمى من لوحاتى، خاصة ما يحمل منها روح التاريخ وما يعبر عن أصل الحضارة المصرية وخصوصيتها وعراقتها، ومعرفتى بها ناشئة عن معايشة حقيقية ومعرفة عن قرب نتجت عن جولات متعددة طفت فيها أرجاء مصر.

ولأن طبيعتى أكثر ميلا إلى التفاؤل، فإننى أحب أن يحمل الفن الذى أقدمه ألوانا من البهجة لإيمانى الشديد بأن الحياة بها من القبح ما يكفى، كما أن كثيرا من الفنون الآن باتت أحادية الرؤية ولا تقدم سوى سلبيات المجتمع بدعوى الواقعية، بينما الواقع يمتلئ بالجمال لمن يريد أن يراه ويسعى لاكتشافه.

ــ ما معالم رحلتك الفنية إذن، وكيف عكست الشخصية المصرية؟

بدأت رحلتى لتصوير مصر بمعرض أقيم فى المركز الثقافى المصرى بلندن عام 1989 تحت عنوان "الحياة فى مصر" بهدف التعريف بطبيعة حياة الشعب المصرى، وكان للمعرض صدى طيب لدى المصريين والأجانب، وبحكم أننى كنت قائد اجتماع الشباب بكاتدرائية جميع القديسين بالزمالك، والتى تتبع الكنيسة الإنجليكانية ومقرها الأساسى لندن، فقد كانت لى صداقات متعددة تربطنى بكثير من البريطانيين الذين كانوا يأتون إلينا فى إطار التبادل الثقافى، وهؤلاء أضافوا بحضورهم المعرض زخما وتألقا.

بعد ذلك أقمت معرضين تحت اسم "روح مصر"، وكانت هذه بداية اهتمامى بإبراز الجمال الكامن فى أقاليم مصر وثقافة الأماكن، فتوالت معارضى "أحلام الجنوب" و"الصعيد من جديد" و"بحرى" و"البحث عن النوبة" و"صحراء واحة ووادى" و"خواطر سكندرية"، فقد أدركت أن مصر فيها غنى وتنوعا، وأن كل مكان بها يعطى جانبا من هذا الجمال.

ـ تظهر أعمالك عشقا خاصا للنوبة فهل لذلك علاقة بأصلك الصعيدى؟

بداية، لكل مكان بمصر طبيعته وجماله الخاص، وأنا لا أنظر للنوبة كأحد مكونات الصعيد التقليدية المتعارف عليها، وقد عشقت النوبة بشكل خاص منذ رحلتى النيلية عام 2000 ودعوتى إلى فرح نوبى، وفى الرحلة تعرفت على المعابد التى أنقذت ورفعت إلى مستوى فوق مياه النهر الذى ارتفع بعد تحويل مجراه وبناء السد العالى فى أضخم مشروع ثقافى فى القرن العشرين حارب من أجله المثقف الكبير الدكتور ثروت عكاشة وأشرفت عليه منظمة اليونسكو، كما أننى لامست الوجدان النوبى وعايشت النوبيين حتى وقعت فى غرامهم، وكانوا موضوعا للعديد من أعمالى.

ــ من الألوان إلى الأنغام.. كيف تنتقل بين المسارين؟

العزف بالنسبة لى مهم فى الانتقال من الطب إلى الفن التشكيلى، فعملى كطبيب يضعنى دائما فى مواقف إنسانية صعبة نظرا لطبيعة المهنة والتعامل مع حالات مرضية بعضها يتعذر شفاؤه، ولمدة 20 عاما ظللت أمارس جراحة العيون، لكننى أكتفى الآن بمناظرة المرضى فى العيادة الخارجية لمستشفى الرمد التذكارى، الأمر الذى يجعلنى بحاجة للموسيقى حتى أستطيع مواصلة الرسم.

أبدأ نشاطى الفنى بالعزف الذى أعتبره مدخلى الحقيقى إلى عالمى الخاص مع الألوان، خاصة وأن الموسيقى تجعل الإنسان قادرا على مواجهة قسوة الواقع والدخول إلى عوالم غير منطوقة وغير معروفة الدلالة والتعبير، لا سيما إذا كانت موسيقى مجردة غير مصحوبة بكلمات، فهذا الفكر التجريدى يساعد الفنان على الدخول إلى مجالات جمالية تجعله لا يفقد الصلة بالواقع ولكن يرتقى به فوق الفجاجة.

ــ لك تجربة فى خدمة الكتاب المقدس.. فما مدى ارتباط الإيمانى بالفنى فى حياتك؟

بالفعل قدمت الرسوم التوضيحية لقصص الكتاب المقدس، وكانت تجربة عظيمة، فأنا أستمد رؤيتى للفن ودوره من إيمانى بالله أولا، حتى إننى أصلى قبل بداية كل لوحة مخاطبا ربى "إيدك قبل إيدى"، كما أننى أؤمن بالوظيفة الأخلاقية للفن ودوره فى ارتقاء الإنسان، وأؤمن أن الفن منحة من الله وهبها للإنسان ليستكشف الطبيعة التى هى أصل الجمال، ويعزف على لحن الوجود الخالد ألحانا يعيد بها ترتيب الأشياء وتفكيك الكليات الكبرى وفق رؤية خاصة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً