البث المباشر الراديو 9090
متحف محمد محمود خليل
كثيرًا ما نقرأ عن "الفن التشكيلى" بما يضمه من مجالاتٍ مختلفة، أنه أحد الفنون "الرفيعة"، ولا يمثلُ هذا التعبيرُ حكمَ قيمةٍ بقدرِ ما يمثل ـ فى مجتمعاتنا ـ حكمًا طبقيًا ينحازُ إلى فئةٍ جماهيرية بعينها تهتمُ بهذا الفن سواء على مستوى الممارسة أو التلقى.

ولعل استمرار تداول هذا التعبير، لنوعٍ من الفنون ـ يمتدُ إلى أزمانٍ غابرة، حين لجأ الإنسان الأولُ إلى تدوين يومياتِه وتأريخ واقعه على الجدران ـ أمرٌ يبعث على الدهشةِ فى ظل تطور التشكيل من المجالات المعتادة "النحت، التصوير، والرسم"، إلى مجالاتٍ أحدث مثل "الأعمال المركبة"، الـ"بيرفورمانس"، والفيديو آرت، وغيرها، وكذا فى ظل وجود وسيط حيوى ومتاح بين هذا الإبداع وجمهور المتلقين بشرائحهم كافة، وهو وسيط "المتاحف"، والذى يعانى قطيعةً من هذه الجماهير، لأسبابٍ ربما تتعلق بأزمات الواقع المعيشية، وربما لانعدام مشاريع التثقيف العملية، ومن ثم اختفاء تأثير "التربية المتحفية"، فى وقتٍ تُسهم فيه هذه المتاحف فى كسر حاجز التقليد بمعرفة التاريخ عبر اللوحة والقطع النحتية.

وتذخر مصر بعددٍ كبيرٍ جدًا من المتاحف النوعية، التى تنتمى لمؤسسات متباينة، فهناك مثلا المتاحف الفنية والقومية التابعة لقطاع الفنون التشكيلية، مثل متحف محمود مختار، محمد محمود خليل، محمد ناجى، دنشواى، طه حسين، سعد زغلول، عفت ناجى وسعد الخادم، متحف الفن المصرى الحديث وغيرها، فضلًا عن المتاحف الحربية والزراعية، ومتاحف الآثار.

يمثل متحف محمد محمود خليل بالجيزة شاهدًا ممتدًا على عصر من الفنون، وخصوصًا أعمال فنانى القرن التاسع عشر فى أوربا، حيث يضم المتحف 304 لوحة لـ 143 رسامًا، منهم 30 لوحة لتسعة فنانين مصريين، وحوالى 50 تمثالًا، وعددًا من أعمال الكاركاتير السياسية القديمة، إضافةً لعدد كبير من الفازات الصينى القديمة، فمن هو محمد محمود خليل، هذا "المجنون" بالفن والفنانين؟

ولد محمد محمود خليل بك عام 1877، وكان محباً للفنون، هوايته الكبرى جمع الأعمال النادرة، نشأ وعيه المبكر فى أسرة ثرية، ودرس الزراعة، التى صار وزيرًا لها فيما بعد، ليسافر إلى باريس، ويدرس القانون بجامعة السوربون، ويتعرف إلى "إميلين" التى تزوجها، والتى حفزت لديه هذا الجانب العاشق للفن، فكانت تقتنى كثيراً من اللوحات التى ضمها قصره بعد ذلك .

شغل محمد محمود خليل عدة مناصب، حيث كان رئيسًا لمجلس الشيوخ فى الفترة من 1938 إلى 1942 ووزيرًا للزراعة عام 1937، وتجاوزت اهتماماته الفن التشكيلى إلى الأدب والموسيقى، وقد أسهم فى تأسيس جمعية محبى الفنون الجميلة سنة 1924، وتولى رئاستها عام 1925، وشارك كقوميسير بالمعرض الدولى للفنون بباريس عام 1937، كما كان عضوًا بالأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة .

اشترى خليل قصره المواجه لكورنيش النيل بالجيزة فى الأربعينات، ليؤول إلى زوجته الفرنسية إميلين هيكتور بعد وفاته فى التاسع والعشرين من ديسمبر، عام 1953، وقبل وفاة إميلين عام 1960 تركت وصية يؤول بمقتضاها المتحف ومقتنياته إلى الدولة، التى أغلقته عام 1972 لتلحقه بمسكن الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ثم أعيد افتتاحه عام 1995 وقد تكلف تطويره أكثر من عشرين مليون جنيه، كأحد المتاحف التابعة لوزارة الثقافة المصرية، والذى ضم إلى جانب زهرة الخشخاش "المفقودة حتى الآن"، 207 لوحات فنية لرواد الفن فى العالم وفنانى التأثيرية مثل فان جوخ، ورينوار، ومونيه، وجوجان، وكوربين، وديلاكرواه، وبييرو، وسيزان، إضافة إلى مجموعات من الفازات النادرة من الصين وإيران وفرنسا ومجموعة من الأعمال المشغولة بأحجار كريمة وتماثيل رخامية وبرونزية وبالجص لكبار النحاتين فى العالم مثل كوردييه ورودان، الذى يضم المتحف تمثاله المنحوت للفنان بلزاك والمسمى "بلزاك مرتدياً الردونجوت" .

فمتى يتم افتتاح متحف محمد محمود خليل مرة أخرى للزائرين، ومتى يكون هناك اهتمامٌ حقيقى بالتربية المتحفية للنشء والأجيال المُقبلة، ربما تتغير الصورة الطبقية تجاه الإبداع، وربما يُحدث الفن تغييرًا فعليًا فى بنية المجتمع الثقافية تجاه آفاقٍ أرقى؟

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز