البث المباشر الراديو 9090
متحف محمود مختار
إذا ترجلت فى نهاية كوبرى الجلاء، متجهًا إلى ميدان التحرير، سوف تجد على يمينك مبنى هندسيًا يضم قطعًا نحتية متباينة الحجم والخامات، لفنانين مصريين حاليين وسابقين، وقطعًا تمتدُ بروحها إلى عصرٍ من النحت القديم، للنحات المصرى الكبير الراحل محمود مختار.

هذا المبنى الذى يحتوى على قطع فنية نحتية لأجيال مختلفة، هو "متحف محمود مختار" الذى تم افتتاحه فى البداية عام ‏1952‏، بملحق خاص بمتحف الفن الحديث ليعرض 59 تمثالاً، وأشرف على تأسيسه وإعداده كل من الفنان راغب عياد زميل محمود مختار وصديقه، وكمال الملاخ الصحفى والأثرى البارز، ليقوم بعدها المهندس رمسيس واصف بتصميم متحف مختار الحديث فى حديقة الحرية بوسط القاهرة.

محمود مختار

ولد النحات المصرى الكبير الراحل محمود مختار فى العاشر من مايو سنة 1891، ونشأ بمدينة المحلة الكبرى، وتحديدًا بقرية طنباره، ووالده "إبراهيم العيساوى"، كان عمدة القرية لكن مختار عاش مع جدته لأمه فى بيت خاله بقرية نشا فى المنصورة، وعرف عنه أنه عندما كان طفلًا صغيرًا، كان يقضى معظم وقته بجوار الترعة يشكل فى الطين مناظر، كان يراها حوله فى القرية.

جاء محمود مختار إلى القاهرة عام ‏1902‏ وعاش فى أحيائها القديمة، واُفتتحت مدرسة الفنون الجميلة، أمام "درب الجماميز" عام ‏1908، فكانت مدخله إلى مستقبل غير متوقع، بعد أن التحق بصف أول دفعة، وهو فى السابعة عشرة من عمره.

بدت موهبة مختار ساطعة للأساتذة الأجانب، ما حدا بهم إلى تخصيص "مرسم خاص" له، ضمن مبنى المدرسة، لإعداد منحوتاته، من تماثيل، وأشكال تستعيد مشاهد الريف، وملامح رفاق الحى، ودفعت موهبته أيضاً الأمير يوسف كمال، إلى أن يبعث به إلى باريس.

اتجه محمود مختار للعالمية عام 1913، حين عرض تمثال "عايدة" فى صالون باريس، وبعد 7 سنوات عرض نموذجًا مصغراً "لتمثال نهضة مصر" فلفت أنظار كبار نقاد فرنسا، الذين أعلنوا ميلاد فنان جديد، يضيف أبعادًا مبتكرة لفن التمثال الحديث على أسس من التراث المصرى القديم، ثم عرض تمثالى "الطاقية" و"كاتمة الأسرار"، وفى عام 1930 بعد إقامة نهضة مصر بعامين عرض 40 تمثالًا فى قاعة "برنهايم" بباريس، ممثلاً وجه الفن المصرى المعاصر.

نهضة مصر والاكتتاب الشعبى

رغم أن مختار درس جزءًا كبيرًا من فن النحت فى مصر على يد النحات الفرنسى "لابلانتى"، فإنه لم ينسَ جذور مصر، والنحت الفرعونى، متأثرًا بالمجسمات الشعبية المصرية التى كانت شائعة فى الأزبكية وشارع محمد على، فانعكس ذلك على التماثيل الكاريكاتورية التى أبدعها أثناء سنوات الدراسة قبل أن يرحل إلى باريس عام 1911 مثل تمثال "ابن البلد" المحفوظ بمتحف مختار بالجزيرة.

شكلت جميع أعمال محمود مختار ملامح خاصة وبراعة نحتية فائقة، مثل تمثال "الخماسين"، غير أن تمثال "نهضة مصر" لاقى الاستحسان الأكبر من النقاد الأوروبيين، حيث تتقمص مصر جسد الفلاحة، التى تقف ممشوقة فى اعتزاز تستند إلى "أبى الهول" فى شموخٍ يدل على الروح الوطنية، وفى تعبير يدل على المضى قدماً فى طريق الثورة، التى اندلعت قبل عام واحد من إبداع مختار لتمثاله وعرضه فى صالون باريس عام 1920.

فيما كان الوفد المصرى فى باريس يعرض للقضية والمطالب المصرية، قامت الجماعة المصرية بدعوة الوفد، وقدمت مختار له فقام الوفد بزيارة متحف جريفان وشاهد أعمال مختار، وعلم الوفد بموضوع التمثال فشاهدوه ولما لمسوا تقدير الجهات الفنية فى باريس أدركوا أن هذا الشاب الذى لم يكن يعرفونه لابد أن يتبوأ المكانة اللائقة به فى بلاده، وبعد عودتهم إلى مصر ترقبوا أنباء عرض تمثال مختار فى باريس فى المعرض الفنى العام ليتلقفوا ردود الفعل، وقبل افتتاح المعرض بأيام ينشر مجد الدين حفنى ناصف مقالات متتابعة بجريدة "الأخبار" عن محمود مختار والنهضة الفنية فى مصر، فانتهز الدكتور حافظ عفيفى، عضو الوفد المصرى، هذه المناسبة وأخذ يوجه عبر صفحات "الأخبار" نداءات تدعو الأمة للاكتتاب لإقامة تمثال نهضة مصر، وتحول النداء بإقامته فى مصر أشبه بحركة شعبية ومشروع قومى.

تكاثر الداعون من رجال الدولة والفكر والأدب لإقامة التمثال، وفى هذا المناخ الاحتفالى بهذا العمل الوطنى والعبقرى وبصاحبه كان التوقيت المناسب لعودة مختار لوطنه إذ استقبل استقبال الفاتحين والنابغين، وبدأ الناس فى تقديم التبرعات، وكذلك الهيئات ودور العبادة بما فيها المساجد التى لم تنظر للتمثال نظرة تحريم، فكانت تدعو لجمع التبرعات أيضا.

بلغ الاكتتاب ذروته حتى بلغ القرى والنجوع، وتشكلت لجنة للتمثال وبدأت مناقشاتها فى كل ما يتعلق بأمر التمثال من حيث مادة صنعه ومكانه وحجمه وغير ذلك، ولم تلبث أن استجابت الحكومة لحماس الشعب فرخصت بإقامة التمثال فى مدخل القاهرة، وسجل مجلس الوزراء برئاسة عدلى يكن باشا مظاهر الحماس التى استقبل بها التمثال، وينفذ مبلغ الاكتتاب "6500 جنيه" فتتابعت إسهامات الحكومة وخصصت مصلحة السكك الحديدية جزءا من ميزانيتها لاستكمال المشروع ونقل الأحجار ثم وضعت وزارة عبد الخالق ثروت مبدأ اشتراك الحكومة فى نفقات إقامة التمثال، خصصت مبلغ 2000 جنيه.

كان محمود مختار نحاتًا عبقريًا بمعنى الكلمة، وامتدادًا صريحًا لجيل من الآباء القدامى، وكان أيضًا مفكرًا يحس قضايا شعبه ويعبر بتماثيله عن رغباته وأحلامه وكان ينفذ تماثيله بالخامة المناسبة للشكل والمضمون، فالمناجاة بالرخام الأبيض ووجه الفلاحة بالصلصال المصبوب برونزًا حتى تكتمل ملامس الصلابة والمشقة رغم الجمال المصرى الأصيل، والحجر الصناعى لتمثال الخماسين حتى يوحى بهبوب العاصفة، وقد أنجز معظم تماثيل الفلاحات بين عامىْ 1924 و1930 ومن أهمها "الخماسين" والفلاحة التى تمسك جرتها بيد واحدة وتنحنى عليها كأنها تملؤها.

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ، حال ذلك دون إعادة مجموعة من تماثيل مختار، غير أن جهود هدى شعراوى كُللت بالنجاح فى عودة التماثيل، كما كان لجهود ‏طه حسين (وزير المعارف فى الفترة من عام ‏1950‏ حتى ‏1952‏) أثر كبير لإعادة أعمال محمود مختار إلى مصر.

وبعد أن تُوفىّ مختار عام 1934، ونظراً للقيمته الفنية والتاريخية، نادى الصحفيون ورواد الحياة الثقافية فى مصر وعلى رأسهم المناضلة هدى شعراوى بالحفاظ على أعماله الفنية، وجمعها لحمايتها من الاندثار والضياع، وكللت هذه الجهود بقيام وزارة المعارف عام‏ 1938‏ بإنشاء متحف لمختار ومقبرته على نفقة الوزارة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز