فرانك سيناترا
لذا فإن الحديث عن اختيار القصة الصحفية التى كتبها الصحفى جاى تاليز، وحملت عنوان Frank Sinatra has A Cold، بأنها أفضل قصة صحفية نشرتها مجلة إسكواير الأمريكية فى تاريخها، أمر يخص من اختار.
وطالما خرجت القصة الصحفية المنشورة عام 1966 وترجمها إلى العربية إيهاب عبدالحميد فى كتاب من 100 صفحة تقريبا، بعنوان "فرانك سيناترا عنده برد" فإنها بذلك صالحة للنقد والانتقاد والجدل، بعد أن تحوّلت من وسيط إلى آخر، ومن جمهور إلى جمهور، له الحق أن يقرأ ويحتفى، وله الحق أن يقرأ وينتقد إن أراد.
بدايةً، أن يُترجم مثل هذا العمل الصحفى إلى العربية فهو أمر عظيم، ويمثل دعوة للصحفيين المصريين وفى القلب منهم من له علاقة بصنعة الأدب، أن يهتموا أكثر بهذا النوع من الكتابة الذى كاد يندثر فى الصحافة الأدبية والفنية المصرية.
وأعنى بـ"كاد يندثر" أن هذا النوع عرفته مصر فى حقب ربما تسبق زمن نشر قصة Frank Sinatra has A Cold فى مجلة إسكواير، ولعل أشهر قصة صحفية كُتبت عن فنان كانت قصة أسمهان التى كتبها الصحفى الكبير محمد التابعى، ونشرها فى مجلة "آخر ساعة" على حلقات سنة 1949، ونُشرت بعد ذلك فى كتاب بعنوان "أسمهان تروى قصتها".

أسمهان
أيضًا من ضمن القصص الصحفية التى كتبها صحفيون مصريون عن مشاهير الفن فى السبعينيات والثمانينيات، ما كتبه المبدع جليل البندارى فى "أخبار اليوم" عن راقصات مصر اللاتى عاصرهن الكاتب، ومنهن تحية كاريوكا وسامية جمال، إلا أن قصته الأروع والتى تحولت إلى عمل سينمائى هو ما كتبه عن شفيقة القبطية التى لم يعاصرها.
ونذكر فى هذا المقام، ما كتبه الصحفى الكبير منير عامر عن العندليب عبدالحليم حافظ فى مجلة "صباح الخير"، وما كتبه محمود عوض عن أم كلثوم فى "أخبار اليوم"، والذى حوّله إلى كتاب بعنوان "أم كلثوم التى لا يعرفها أحد".
غايته، أن نوع الكتابة فى قصة "فرانك سيناترا عنده برد"، ربما كان جديدا على الصحافة الأمريكية، فالمعلومات المتوفراة لدىَّ فى هذا الخصوص ضئيلة للغاية، لكنه فى المقابل ليس جديداً على الصحافة فى مصر، رغم اختفائه الحالى، لذا فإن اختيار إصدار الكتاب فى هذه اللحظة دعوة حقيقية لإحياء نوع قديم من الكتابة الصحفية، كان حديثاً وقتها!
الأمر الآخر أن الهدف كما هو مكتوب فى مقدمة الكتاب، لفت الانتباه إلى كيفية صنع قصة صحفية بعدد قليل من البشر، وتحويلها إلى استثمار حقيقى فى المحتوى الأرشيفى للمؤسسة الصحفية، حيث لا تزال القصة تلقى الرواج نفسه الذى لاقته وقت نشرها فى منتصف الستينيات، وهو هدف نبيل إن أدرك القراء.
أما الكتاب نفسه، فهو رائع اللغة ورائق السرد، استخدم فيه المترجم ألفاظًا ليست فصيحة صرفاً، ولا عامية صرفاً، أولها عنوان الكتاب الذى يحمل لفظتى "عنده" و"برد"، العاميتين الفصيحتين، اللتين لهما بدائل كثيرة فى الفصحى، وكذلك "محزّقة" صـ 23، و"الصنايعية" صـ 31، و"طقطقة" صـ 33، و"مدوّر" صـ 39، و"تتكرمش" صـ 50، و"أنا دايخة" صـ 73، وغيرها.

كتاب فرانك سيناترا عنده برد
اقترب إيهاب عبدالحميد أولاً من العالم اللغوى للصحفى جاى تاليز، قبل أن يقترب من عالم فرانك سيناترا، الذى كان واحداً من أشهر المطربين الأمريكيين. اقترب المترجم بشكل كبير من كتابة تناسب زمن الستينيات، ونجح فى تحويلها إلى كتابة تناسب روح عام 2016، لكنه بالغ فى أمانته بنقل النص المكون من 15 ألف كلمة، حيث كان بإمكانه حذف بعض الفقرات التى أوقعت الكتاب فى شر هبوط إيقاع القراءة أو "اللخبطة"، مثل حديثه عن الأمريكيين من أصل إيطالى، وكذا وصف المباراة التى فاز فيها الملاكم محمد على كلاى على باترسن، لمجرد ذكر منافسه المطرب إيدى فيشر الذى كان يغنى النشيد الأمريكى فى بدايته.
القصة الصحفية أظهرت الجوانب الشخصية لفرانك سيناترا، وأيضاً تحدثت عن عالمه الملىء بالأصدقاء والندماء والنساء، والأماكن التى كان يسهر ويشرب فيها. تحدثت كذلك عن لحظات ضعفه ووحدته ومعاناته. اقتربت من نجاحاته الغنائية والسينمائية، ومن كواليس تصويره بعض الأعمال، لا سيّما البرنامج التليفزيونى "سيناترا.. رجل وموسيقاه" الذى ظهر فيه على شاشة محطة "إن بى سى"، والذى قال للمخرج عندما شاهد نفسه فى أثناء تصويره "إن الذى لديك هنا هو رجل عنده برد".
كاتب القصة الصحفية جاى تاليز، اختار سيناترا تحديداً، لأنه ليس فقط واحداً من أهم مطربى العالم، لكنه -كما وصفه- الرجل الذى يستطيع أن يُربك صناعة الموسيقى والسينما والاستعراض وما وراءها من صناعات، تمامًا كما يمكن لوعكة مفاجئة أصابت رئيس الولايات المتحدة أن تهز الاقتصاد القومى الأمريكى بأكمله.
سيناترا كان يحكم إمبراطورية كبرى، فلديه شركات أفلام وتسجيلات وشركة طيران ومؤسسة لصناعة أجزاء الصواريخ، وشركات عقارية فى مختلف أنحاء البلاد، كما كان لديه فريق من المساعدين قوامه 75 شخصاً. كان سيناترا مؤسسة فنية اقتصادية، كما كان الرجل الوحيد فى أمريكا الذى يتمتع بكامل حريته، وهو أمر لو تعلمون عظيم.
القصة الصحفية جديرة بالقراءة والنظر والتأمل، كما أنها جديرة بإثارة الشغف لمعرفة رأى سيناترا نفسه عنها، فضلاً عن أنها جديرة ليس بالاقتناء فقط، بل بالاحتذاء، سواء بما كتبه تاليز عن سيناترا، أو بما ترجمه إيهاب عبدالحميد بإبداع عن تاليز.