البث المباشر الراديو 9090
الفنانة التشكيلية  المصرية الراحلة إنجي أفلاطون
"هكذا الإنسان.. يستطيع أن يتأقلمَ ويتكيف مع أى ظروف صعبة تحيط به، طالما هو قوى وطالما هو إنسان، إننا هنا وفى السجن عالم القيود والسدود، فى عالم لا قيمة فيه للحقوق ولا قيمة فيه لحياة الإنسان".

وهكذا كتبت زهرة الصبار المصرية، الفنانة التشكيلية الرائدة إنجى أفلاطون، فى مذكراتها، والتى اعتقلها البوليس السياسى عام 1959 بعد مرحلة من حياةٍ احتشدت بالنضال والفن متلازميْن، وقد انحازت، وهى ابنة الطبقة الأرستقراطية من الباشاوات، إلى ملح الأرض من البسطاء والكادحين فى الوطن، وعبرت عنهم كثيرًا فى أعمالها التى تنقلت عبرها من مرحلةٍ فنية إلى أخرى.

بداية الطريق

ولدت إنجى أفلاطون عام 1924، لعائلة ارستقراطية ناطقة بالفرنسية، وكان والدها حسن أفلاطون، عميد كلية العلوم فى جامعة القاهرة، ومؤسس قسم "علم الحشرات" بالجامعة، شاركت إنجى الدتها "صالحة أفلاطون" أنشطة وفعاليات اللجنة النسائية بمنظمة الهلال الأحمر المصرى، وقد افتتحت والدتها داراً للأزياء فى القاهرة، وتأثرت بها وبعزمها فى العمل كامرأة مطلقة، وشكّل هذا الأمر مصدر إلهام لها، حيث افترق والداها حين كانت وشقيقتها الأكبر "جولبرى" فى سن مبكرة.

التحقت إنجى بمدرسة القلب المقدس فى القاهرة ثم بالثانوية الفرنسية، حيث اهتمت بشدة بالأدب والتاريخ السياسى، وتعرفت على النظرية الماركسية، حتى صارت فى بداية الأربعينيات من أولى النساء اللائى التحقن بكلية الفنون بجامعة القاهرة، وأظهرت خلال فترة تعليمها اهتمامًا كبيرًا فى الفن، ومنذ عام 1940 تدرّبت إنجى أفلاطون على يد الرسام والمخرج السينمائى كامل التلمسانى، الذى تميز بأعماله الفنية الاحتجاجية والساخرة من الأعراف الاجتماعية.

تعرّفت إنجى مع التلمسانى على مجموعة السرياليين "الفن والحرية" التى أسسها جورج حنين عام 1939، ثم تتلمذت بعد ذلك لمدة سنة كاملةً على يد الفنانة "مارجو فيلون" المولودة فى سويسرا، لتلتحق بعد ذلك بمرسم الفنان حامد عبد الله.

عاشت إنجى أفلاطون حياتها فى نضالٍ سياسى وبرزت كناشطة نسائية نسائية مصقولة بالفن وثقافاته المنفتحة على الإنسانية، والتحقت سنة 1942 بمنظمة الشرارة الشيوعية (إيسكرا)، وكانت فى 1945 من مؤسسى "رابطة فتيات الجامعة والمعاهد".

الاعتقال

نشرت إنجى أفلاطون مجموعة الكتب، منها "80 مليون امرأة معنا" و"نحن النساء المصريات" فى سنتى 1948 و1949 على التوالى، وبعد لقائها بالمثقفة والمناضلة النسائية سيزا نبراوى سنة 1950، التحقت أفلاطون بـ "لجنة الشابات بالاتحاد النسائى المصرى" عام 1951، وأسهمت مع سيزا وعدد من المناضلات فى تنظيم "اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية"، لتسافر بعد ذلك فى منتصف الخمسينيات إلى النوبة والواحات، وتستلهم الكثير من مشاهد الحياة اليومية فى الريف، إلى أن صارت رسومها أواخر الخمسينيات​ أكثر ارتباطًا بالسياسة، ونتج عن هذا النشاط اعتقالها فى مارس 1959، مع 25 امرأة من المناضلات، حيث سُجنت أفلاطون لمدة أربع سنوات ونصف، مارست خلالها الرسم بكل طاقتها.

فى يوليو 1963 أُفرج عن إنجى أفلاطون، لتخرج من السجن وتعود مجددًا للدفاع عن المقهورين، وتنادى بالعدالة الاجتماعية وحق الشعب فى حياة كريمة فتتعرض للمطاردة والاعتقال، ويتم استبعادها من قوائم التكريم لكنها تجد تقدير وحفاوة الحكومة الفرنسية التى منحتها "وسام الفارس" أعلى الأوسمة، كما عرضت أفلاطون أعمالَها الفنية ولوحاتها بعديد من عواصم العالم، وأصبح الرسم نشاطها الرئيسى حتى وفاتها سنة 1989.

وقد استلهمت إنجى أفلاطون لوحاتها من الواقع الاجتماعى للطبقة الكادحة المصرية مثل الفلاحين والحرفيين والعمال، مع التركيز على النساء فى كفاحهن اليومى، وعكست أعمالها الأولى تأثير كامل التلمسانى عليها وكذا مجموعة "الفن والحرية"، ثم التقت عام 1956 بالفنان المكسيكى، رسام الجداريات، دافيد ألفارو سيكيروس، خلال زيارته لمصر، وتميزت لوحاته بأسلوب واقعى اجتماعى، صادف هوىً كبيرًا لدى إنجى المناضلة، وترك وقعًا عميقًا بروحها، حتى صوّرت خلال فترة الاعتقال الواقع المرير فى السجن، مثل النساء فى المهاجع أو خلف القضبان.

تخلت أواخر فترة سجنها عن الأسلوب الواقعى الاجتماعى وبدأت تنفذ أعمالًا تشير إلى الحرية غير المحدودة، مثل الأشجار والمراكب الشراعية. وبعد الإفراج عنها أصبح أسلوبها أكثر خفة، مستخدمة الألوان الحية فى تصوير الريف الكادحين المصريين العاملين باليومية، كأن تجربة السجن صهرت داخلها ماردًا أراد أن يحول مرارة الواقع إلى خيالٍ ملون لكن ذى علاقةٍ وطيدة بهذا الواقع، حتى تميّزت هذه الأعمال بإيقاع يشاغب الضوء.

حُلم المتحف

قبل وفاتها أوصت أفلاطون بأن تؤول أعمالها إلى وزارة الثقافة المصرية، وحدث ذلك فعلًا بموجب عقد أبرمته الوزارة مع الورثة عام 1994، ويقضى بإقامة متحف خاص لأعمالها، غير أن هذه الأعمال المهمة لإنجى ظلت حبيسة مخازن الوزارة فترة طويلة، ولم يُعرض منها سوى عدد قليل من الأعمال بإحدى قاعات قصر "الأمير طاز" فى القاهرة.

عام 1989 أصيبت إنجى بجلطة وتُوفيت بعد أيام قليلة، لتترك وراءها أكثر من 1000 لوحة حصيلة مشوارها الفنى ما بين لوحات زيتية، وفحم وأحبار، وفى سبتمبر2011 ، تم افتتاح متحف دائم لأعمال إنجى أفلاطون، يضم بعضًا من أعمالها، بالإضافة إلى العديد من مقتنياتها الشخصية.

حيث يحتوى المتحف على أكثر من 80 عملاً لأفلاطون، ومجموعة من مقتنياتها الشخصية ، كما يمكن مشاهدة بعض من لوحاتها فى متحف الفن المصرى الحديث بساحة الأوبرا ، وقد أقامت قاعة "سفر خان" معرضًا استعاديًا عام 2014 بعنوان "عالم إنجى".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً