البث المباشر الراديو 9090
تنظيم داعش
قبل أيام، نشر التنظيم الإرهابى المعروف إعلاميًا بـ"لواء الثورة"، شريطًا مصورًا ادعى أنه لعملية اغتيال العميد عادل رجائى، مدير الفرقة التاسعة مدرعات.

كان لافتًا حرص معد الشريط على الإيهام بأنه يحتفظ بلقطات أكثر عن العملية لم يقم بنشرها لأسباب أمنية تخصه، وتتعلق بأفراد خلية التنفيذ.

لكن الشريط فى الأصل ظهر فى مضمونه رديئًا، غامضًا وغير مفهوم، رغم أن لقطاته توحى بأنها حقيقية.

ومع ذلك، بيد أن الدباجة التى تضمنها الشريط المصور، صنعت من هيئته مادة تشبه كثيرًا ما يتم تقديمه عبر فيديوهات تنظيم داعش الإرهابى، من حيث جودة الإنتاج التقنى.

صوت مؤثر يتحدث فى خلفية لقطات تنطوى على شىء من الإبهار، صياغة خطاب حماسى شعاراتى جذاب بالنسبة للمتلقيين من جمهور التصعيد العنيف ضد الدولة، والأهم الإصرارعلى نسج هالة من الغموض بشأن قدرات التنظيم على مجابهة الدولة والأمن.

شريط دعائى بامتياز، فيما يعد نسخة كربونية من فيديوهات مماثلة للعديد من الخلايا التنظيمات الصغيرة النشطة على الأرض، والتى تحولت لمجرد نوافذ إعلامية تمارس الإرهاب والعنف فى الأغلب عبر فضاء السوشيال ميديا، من خلال وسائط مصورة تضخم من إمكانياتها، ولو كان ذلك بالتزييف أو النفخ فى القدرات على خلاف الحقيقة.

حركة حسم، المشجع الأول لتنظيم لواء الثورة، وربما هى تنظيمه الأم من الباطن، أكبر مثال على تنظيمات "الشو الإعلامى"، إن جاز التعبير، فغالبية عملياتها الكبرى فى الفترة الأخير، باءت بالفشل الذريع، ومع ذلك فمقاطعها التى توثق تلك الأحداث تتحدث عن فتوحات كبرى.

الحركة فشلت فى اصطياد أهدافها الثلاثة الأخيرة المفتى السابق، على جمعة، النائب العام المساعد، المستشار زكريا عبدالعزيز عثمان، والقاضى بمحاكمات المعزول محمد مرسى، المستشار أحمد أبوالفتوح، ومع ذلك تنسج شرائطها المصورة بطولات من ورق.

التصوير بالنهج الداعشى الحماسى المتقن، الصور والتعليق الصوتى والمؤثرات البصرية، جميعها مبهرة وجذابة، فى الأخير هناك منتج براق لعمليات فاشلة، فيما أن التأثير النفسى والهالة الإعلامية المعظمة لقدرات التنظيم المتدنية، قد تحققا على نحو ما، من مراقبة سلوك تنظيم كحسم مثلًا، ومن بياناته المتاحة فى فضاء السوشيال ميديا، لا يمكن رصد أى ندم من جانبه على إفلات الضحايا من سياراته المفخخة أو رصاصاته الطائشة، وكأن مجرد المحاولة، وما تبعها من إثارة فزع وقلق، هو الهدف الأسمى بالنسبة له، وعمومًا، ومع صعود التنظيمات المريع إلى الواجهة على خلفية إسقاط نظام الحكم الإخوانى وعزل رئيسه، محمد مرسى، منتصف العام 2013، حدثت تغييرات نوعية عدة فى تكتيكات العنف والإرهاب.

فالزخم الذى كانت تحظى به الكيانات الإرهابية قبل سنوات قليلة مثلا جراء سابق تغلغلها وتجذرها على الأرض تحت عين جماعة المرشد ورجالها، وبتنسيقات لا حصر لها مع جماعات السلفية الجهادية بسيناء وغزة وعناصر من كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكرى لحركة حماس المسيطرة على القطاع، ناهيك عن الدعم الروحى واللوجيستى وبالمقاتلين الأجانب أيضًا، من جانب دواعش العراق والشام، قد تراجع رويدًا رويدًا مع تمكن الجيش من تنفيذ استراتجيات مثمرة، كحق الشهيد، فى مواجهة حروب العصابات والدروب الجبلية مع العناصر التكفيرية المتطرفة.

وبالتالى كان القرار الصعب، بلجوء ما تبقى من فلول وخلايا التنظيمات وذئابها المنفردة، سواء فى سيناء أو خارجها إلى سياسة "الكمون"، ثم توجيه ضربات نوعية قوية من حين لآخر للحفاظ على بصمة "التواجد الموجع"، أو فى أقل تقدير قيادة عمليات تحقق الشو الإعلامى، ولو لم تصب أهدافًا، وهو ما يرتبط دومًا بالخلايا والحركات العنيفة الصغيرة النشطة بالقاهرة والوادى على طريقة حسم وأخواتها.

إذن، الجماعات المسلحة صارت تتخذ من تكتيك "الكمون" الإجبارى سبيلًا لبقائها فى قلب الأحداث، وبخاصة فى ظل حرص القائمين عليها دومًا على الشو الإعلامى، وبالتالى بدأت توجهات التنظيمات العنيفة لاستهداف المنشآت والأمن، منصبة فى عمليات يتم اختيار توقيتاتها بعناية حتى تواكب أحداث كبرى مهمة للبلد، ومن ثم يتحقق لها "خطة سرقة الكاميرا" من الجميع عنوة.

مثلًا، محاولة الاغتيال الفاشلة للمفتى السابق على جمعة، تواكبت مع الذكرى الأولى لافتتاح تفريعة قناة السويس، ومع الذكرى الثالثة لفض رابعة.

بالقياس على ما سبق نجد أن حركة حسم، استهدفت من عملياتها كافة، الفاشلة قبل القليلة الناجحة، تحقيق مزايا نفسية وترويجية، كالدعاية لنفسها ولإمكانياتها التنظيمية، والإيحاء بقدرتها على الوصل إلى شخصيات نافذة، ما يمنحها هالة التمكن من الإيلام فى مواجهة السلطة.

على هذا النحو، يجمع المراقبون، على اهتمام حسم ومن صار على دربها، كحركات لواء الثورة وسواعد مصر وغيرهما، بالناحية الإعلامية وبتقنيات التصوير وإنتاج فيديوهات الدعاية، والتى تقتبس كثيرًا من النهج الداعشى فى هذا الصدد.

إن الخبرات السابقة لمثل تلك التنظيمات تكشف بجلاء عن اقتصارها فى كثير من الأحيان على مجرد أفراد يجيدون التعامل مع تقنيات الكمبيوتر، ومن ثم يتمكنون من صناعة الأساطير الزائفة أو حتى المضخمة بمجرد ضغطة ذر على لوحة المفاتيح.

المعركة صارت دعائية بامتياز، وتضخيم القدرات فى فضاء الإنترنت هو الهدف بصورة أساسية، بينما التأثير على الأرض ليس كله حقيقيًا، وفى الأغلب يكون الفشل حاضرًا ومتصدرًا للمشهد.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً