الكاتبة الدكتورة عزة كامل
يرشف قهوته فى بطء وتلذذ، يرتدى نظارة سوداء، ملابسه لا تخرج ألوانها عن اللون الأسود، تفوح منه رائحة العطر، شعره الأبيض اللامع مصفف بعناية.
المقهى واسع، به كثير من الممرات والحجرات الواسعة، فى عمقه يوجد بار، يتدلى من سقفه ثريا قديمة تعكس الضوء الشاحب من خلال المرايا التى تحيط بجوانب المقهى، يتردد على المقهى زبائن متنوعون معظمهم من الموسيقيين والمثقفين العجائز وبعض الأجانب.
كان أحيانا يذهب إلى البار يجلس على أحد كراسيه العالية، يتأمل بهدوء فى وجوه الزبائن، فى هذا اليوم دلف مسرعا إلى المقهى، المصابيح الشاحبة تضىء ركنه الليلى وتغلفه بحزن شفيف، تلهى بخواطر شتى، بعضها يغمره بالسرور، والبعض الآخر يترك فى نفسه التعاسة، رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، رشف آخر قطرة، حدق فيه بتمعن، وجد حبيبات مسحوق البن وقد اتخذت بقعاً صغيرة داكنة، اتخذت أشكالا لها أنساق مختلفة، أخذ يتكهن بما يخبئه هذا الفنجان، حاول أن يفك طلاسم هذه الرسومات التى شكلتها هذه الحبيبات، لا يؤمن بالسحر أو الشعوذة، ولا بما يكشفه الطالع، لكن كان هناك شيئا يعصر ذاته الضائعة، يعرقله عن اجتياز ماضيه وجرحه النامى.
فى المساء تستيقظ الأحزان ويصبح المرء أكثر دعة و يوقظ فيه الشهوة والحنين والأحلام، وتداعبه الخيالات وتصيب الجسم حمى الأشواق.
انتبه على صوت النادل يقدم له فنجان قهوة آخر، وهناك فى الطرف القصى من القهوة، كانت تجلس، لم يكن جمالها يبهر، لكن كانت ابتسامتها الهادئة تربك، طويلة، نحيلة، عيناها داكنتان واسعتان، شعرها بنى مسترسل على كتفيها، شفتاها ملونتان بلون أحمر داكن، وبين ثناياها المحمومة دعوة مجنونة للارتشاف، شىء ما يظهر من بين عيونها، شيء غامض حيوى، ينضح وجهها كبرياء و لوعة.
شعر برجفة الحمى الساخنة تجرى فى أوصاله، أفرغ فنجان القهوة بنهم فى جوفه وعيناه مستقرتان على نهديها الناهضين، انتفخت أوداجه وأخذته النشوة، تهلل وجهه الضامر، عاوده شوق غامض، شوق لا ينام، هرع إليها متخففا من ثقله، ينداح فى قلبه النغم ويستقطره، يتوجع ويذرف الآهات: آه لو يعود زمن الحب الذى هجرنى، وجعلنى أحيا بلا حب، فى كل ليلة أرجع وحيدا.... لا يكون هناك ود أو ألفة أو حنان... لا أسمع إلا همسات أنفاسى، لا أشم إلا رائحة جسدى، ويلفنى الصمت، صمت بليد كصمت ريح الموت، أتلفع بالعذاب، أخشى صرير الليل ووحشته، أموت كل يوم مرتين مرة حين تغرب الشمس ويسود الظلام، ومرة حين أغفو فى نوم بائس، قلق.
الآن تمتزج فى عينيه دموع وأحلام منداة بعطر الحب، أصبح العالم يعج من حوله بهاء وحلاوة، أتتحقق أمنيته، تلك الأمنية بعيدة المنال.
التقت عيونهما، حاولت أن تتحاشاه، أشاحت بوجهها عنه.
راودته فكرة عكرت صفوه، ماذا لو رفضت أن تحدثنى؟
تطلع إليها حاول أن يخرج كلماته التى تحمل أسى ظاهرًا.
قال بصوت مرتفع ضاغطًا على كل حرف:
سيدتى ... يشرفنى أن أكون مضيفك هذه الليلة.
فوجئت بكلماته.. نظرت إليه طويلا.
- تحسبينى أمزح؟
رمقته باستنكار غاضب ، قضبت حاجبيها، قالت بنبرة يشوبها الضيق:
- إنى مندهشة، مندهشة جدا، إزاء سلوكك هذا...
أمجرد أننى أجلس بمفردى.. يحق لك أن تقتحمنى وتفرض نفسك على، تسمح لى أن أسألك.. من أنت يا سيدى؟
قال بتوسل و كلماته تغمغم فى حلقه:
- لن أزعجك.. أنا آسف.. اعتقدت أنك وحيدة مثلى، ويمكن أن يبدد كل منا وحدة الآخر؟ لكن يبدو أننى أرتكبت خطأ جسيماً سامحينى.
نظرت إليه وعيناها تندى تعاسة وحرمان، ابتسمت ابتسامة عذبة ولم تستطع هذه الابتسامة أن تخفى الحزن الممتد على شفتيها.
- إن كلماتك تدهشنى و لكن أحس فيها الصدق والصراحة.. وبنعومة أزاحت الكرسى، وقالت:
- تفضل.. أعتقد أن حدسك صائب
أخذ يحتسيا الشاى.. ويحدثها عن نفسه
- أنا رجل بسيط، أحب الحياة، ثملت بحلم السعادة، كان لى بيت صغير عامر، زوجة حنون، وأطفال زينوا حياتى، ماتت الزوجة صغيرة.. كبر الأطفال.. غادروا.. وتركونى وحيدا.
لم يبق الزمن لى بشىء، أنفقت الأيام أحاورها و أناجيها، اقتلعت الجنة الصغيرة التى كنت أحياها، لا أجد إلا وسادتى أضع فيها حزنى و نزقى وهمى، ما يرعبنى ويخيفنى أن أموت و لا يعرف أحد، أو يذرف على أحد الدموع، إن وجع رأسى شديد فهو ينزف ألما وظلمة ووحشة.
أصبحت أهدابى أثقل من أن ترى الضوء الطبيعى، فالليل ساتر للوجع والخطايا، يمنحنى فرصة لترويض وساوس صدرى، التى تزداد يوما بعد يوم، فلم يعد أمامى إلا أن أحصى أوراق العمر المتبقية، ماذا يعنى أن يكون لك أبناء لا يذكرونك وربما لم يعودوا يعرفون تفاصيل ملامح وجهك، إن عزائى الوحيد أن صحتى جيدة، وقادر على أن أجىء كل يوم إلى هذا المقهى الذى أفقد فيه قيمة الزمن والوقت ... أتأمل فى وجوه الناس، وكم تكون سعادتى غامرة عندما تبصر عينى عاشقين يبثان أشواق قلبهما البرىء، وعندئذ أغفى مطمئنا وحالما على مقعدى.
توهجت أحاديثه تارة وخبت تارة أخرى، توحدت معه، ومن شدة انفعالها اندفعت إلى وجنتيها حمرة خفيفة، أشبكت يديها وقالت وهى تغتصب ابتسامة من وجهها الذى يفيض حنواً وشفقة: أحببت أستاذى الذى كان يعلمنى فنون التمثيل، كان مثلى الأعلى، لم تكن عينى ترى سواه، كان هو دينى و دنياى، استسلمت لرغبته الجارفة فى امتلاك جسدى.. وامتلاك روحى.
رمت رأسها للخلف وكأنها تتذكر.. تابعت: وكأى أنثى تنشد السكينة والدفء، طلبت منه الزواج، رفض، أصبح خشناً، قاسى المعاملة، كنت كالطير الصغير الذى يستزيد من الخوف حتى يطفو على السطح، انسحقت أمامه، فالخوف من أن يتركنى جعلنى أتحمل الذل والمهانة، كان يتطاول على وفى أحيان كثيرة عندما يتعكر مزاجه، يشدنى من شعرى ويمطرنى ضربًا، 4 سنوات تحملت صنوف العذاب منه وقررت الهرب، كان طيفه يمر كالوجع أمام عينى، أراد أن ينتقم منى، حاربنى فى كل مكان، أقفلت فى وجهى جميع أبواب التمثيل وسبل الرزق، ولم يتبق أمامى إلا أدوار ثانوية، رضخت وتقبلتها، كان الجميع يريد جسدى، نزلت إلى الهاوية، تقبلت أشياء ذليلة، أكره نفسى، مر على الزمن وأكل من روحى وجسدى.
توقف فى حلقها الكلام، داهمها البكاء، نشر الصمت عباءته بينهما، ارتشف رشفة طويلة من كأسه، هم بأن يقبلها، وضع ذراعيه على كتفها، لم يجد إلا الفراغ، صرخ وأخذ يتلوى ويموء، أسرع إليه النادل وبعض الزبائن:
- ماذا حدث يا أستاذ؟
- أين هى؟
- من؟
- المرأة التى تجلس معى.. التى كنت أحتضنها؟
نظروا إليه نظرة اندهاش واستغراب:
- لم يكن أحد معك، كنت تجلس وحدك.. يا حول الله.. مسكين لقد طاش عقله.
أحس بأنه يريد أن يمزق الكؤوس الموضوعة على الطاولة، حدق فيه الزبائن، انحنى على الطاولة وضع رأسه عليها، أخذ يضغط بيده اليمنى على الكؤوس التى تحطمت بين أصابعه، انسال اللون الأحمر بين كفيه، عرق بغزارة، انكمش كصبى خائف مرتعش يتخفى من شيء يطارده، سمع أصواتًا تحاصره، أصواتا حاقدة، مبحوحة، خائفة، قاسية، امتزجت برائحة القهوة وطعمها الذى مازال عالقاً بين شفتيه.. ارتخت يداه، بحث عن زوجته.. أولاده ... تلك المرأة ... وغاب عن الوعى.