محمود الغزنوى
علا شأن الدولة الغزنوية "التى أسسها أبوه" فى فترة حكمه بفضل همته وحسن قيادته، إذ استطاع أن يغزو الهند بعد انتصاره فى حوالى 17 معركة فى 26 عامًا، فوسع من حدود مملكته التى ورثها حتى امتدت من بخارى وسمرقند إلى كوجرات وقنوج وشملت أفغانستان وبلاد ما وراء النهر وسجستان وخراسان وطبرستان وكشمير وجزءً كبيرًا من الولايات الواقعة فى الشمال الغربى من الهند.
واشتهر الغزنوى كذلك باسم "محطم الأصنام" حيث كان للهند صنم يسمونه سومنات، وهو أعظم أصنامهم وكان موجودا فى حصن حصين على ساحل البحر بحيث تلتقفه أمواجه، والصنم مبنى فى بيته على ستة وخمسين سارية من الصاج المصفح بالرصاص، ومن حجر طوله خمسة أذرع، منها ذراعان غائصان فى البناء وليس له صورة مشخصة، والبيت مظلم يضاء بقناديل الجوهر، وعنده سلسلة ذهب بجرس، وعنده خزانة فيها عدد كثير من الأصنام ذهبًا وفضة، عليها ستور مُعلقة بالجوهر منسوجة بالذهب، وكانوا يحجون إلى هذا الصنم ليلة خسوف القمر، لكن الغزنوى حطمه كاملًا.
الغزنوى اهتم للغاية بالأدب والفنون، إذ كان يعيش فى عهده كثير من العلماء والشعراء، منهم (ابن سينا وأبو الريحان البيرونى وأبو الفتح البستى والعسجدى والفردوسى والبيهقى والكسائى.
اشتهر بن سبكتكين بمحاربة البدع والرافضة، وأوضح ابن كثير فى كتاب "البداية والنهاية" أنه القادر بالله الخليفة استتاب فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرؤا من الاعتزال والرفض والأفكار والمقولات المخالفة للإسلام، وامتثل الغزنوى بأمر أمير المؤمنين فى ذلك، واستن بسنته فى أعماله التى استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها فى قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم, ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنة فى الإسلام، بحسب ابن كثير.
كان للغزنوى دور كبير فى إعلان خضوع دولته الضخمة وتبعيتها للخلافة العباسية ببغداد، وخطب للخليفة العباسى القادر بالله، وتصدَّى لمحاولات وإغراءات الدولة الفاطمية للسيطرة على دولته، وقام بقتل داعية الفاطميين التاهرتى، الذى جاء للتبشير بالدعوة الفاطمية.
ظل السلطان محمود الغزنوى فى جهاد دائم لا يهدأ فيه أو يتوانى، حتى لازمه مرض غريب أواخر أيامه، يقال إنه "السل"، وكان يزداد عليه يومًا بعد يوم، حيث تحامل على نفسه أمام الناس، وكان لا يستطيع أن يكلم الناس من شدة المرض، ومات فى غزنة وقبره بها ما زال معروفًا، وكانت مدة حكمه 35 سنة، وبلغت رايته الجهادية أماكن لم تبلغها راية قطّ، كما أقام شعائر الإسلام فى أقصى ربوع الأرض.