البث المباشر الراديو 9090
محمد أبو حامد
سيطرت فكرة مأساة إبليس، ومسألة تعارض الأمرين الصادرين إلى الإنسان على الأدب التراجيدى الغربى، خلال عصوره القديمة و الوسطى.

وتكمن المأساة الإنسانية فى هذا الأدب، أن الإنسان هالك أيّما اختار أحد الأمرين الصادرين إليه، فالأدب الغربى فى عصريه القديم والوسيط غلبت عليه النظرة الجبرية بالنسبة لما يتعرض له الإنسان من أحداث فى حياته، ومثال ذلك مسرحية "انتيجونا"، ولا توجد مسرحية فى القديم والحديث تثبت جبرية محضة يرزخ تحت ثقلها الإنسان.

وتثبت مواجهة الإرادة الإنسانية للأمرين المتعارضين مسرحية "أوديب ملكًا" لسوفوكليس، حتى أضحى نص هذه المسرحية مجالًا يستعرض فيه كبار الأدباء عقيدتهم فى القضاء والقدر، والوحى، والنبوءة، وحرية الإرادة، والحكم، والمحاكمة، والبصر، والعمى.

وقد تقررت مسرحية مأساة إبليس، على طلاب الدراسات العربية بعددٍ من الجامعات الغربية، ومنها هارفرد، وتتلخص أفكار الكاتب فى الآتى: أن قصة إبليس فى الآيات القرآنية ـ كما يزعم ـ تحمل فى طياتها تناقضًا بين المشيئة الإلهية والأمر الإلهى، ويبرز إبليس كبطل مأساوى يقع شهيد هذا التناقض، و يضحِّى بنفسه عاصيًا الأمر ليثبت المشيئة، و قد عرض الأستاذ توفيق الحكيم، فكرة قريبة من ذلك فى قصة له بعنوان"الشهيد".

ولعل أقدم أشمل صياغة تضمنت عناصر هذه المشكلة، وردت متفرقة فى التوراة على شكل مناظرات بين إبليس و الملائكة، ويتضمن حوار إبليس للملائكة فى هذه المناظرات 7 أسئلة يشكل كل منها شبهة من شبهات إبليس السبع، وكلها تدور حول حرية المخلوق المُبْتَلىْ، إزاء أفعاله الخلقية المحاسب عليها، ومدى نسبة هذه الأفعال إلى فاعليته، والركائز التى تقوم عليها هذه المسئولية.

ويتخذ إبليس فى مناظرته تلك للملائكة من معصيته للأمر الإلهى بالسجود لآدم أساسًا ومثلًا لهذه الشبهات، حيثُ يحاول جاهدًا أن يثبت وقوع المعصية منه بتقدير الله عز و جل السابق لها، حتى يوهم بأن جزاء الله عز وجل له بالطرد من رحمته، وتخليده فى النار متعارض مع العدالة الإلهية المطلقة، ويورد الشهرستانى فى كتابه الشهير "المِلل والنِحل" هذه المناظرة على النحو التالى:

يقول إبليس كما نُقِل عنه:

إنى سلمت أن البارى تعالى إلهى، وإله الخلق عالم قادر، لا يُسأل عن قدرته و مشيئته، وأنه مهما أراد شيئًا قال له: "كن فيكون"، وهو حكيم إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة.

قالت الملائكة: ما هى، وكم هى؟.

فقال إبليس: سبعة.

الأول منها: أنّه قد علِمَ قبل خلقى أىَّ شىءٍ يصدر عنّى، ويحصُل منّى، فلم خلقنى أوّلًا؟، وما الحكمة فى خلقه إيَّاىَّ؟.

والثانى: إذ خلقنى على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلّفنى بمعرفته وطاعته؟، وما الحكمة فى التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ولا يتضرّرْ بمعصية؟.

والثالث: إذ خلقنى وكلّفنى فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة، فعرفت وأطعت، فلم كلّفنى بطاعة آدم والسجود له؟، وما الحكمة فى هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك فى معرفتى وطاعتي إيّاه؟.

والرابع: إذ خلقنى وكلّفنى على الإطلاق؟، وكلفنى بهذا التكليف على الخصوص، فإذا لم أسجد فلم لعننى وأخرجنى من الجنّة؟، وما الحكمة فى ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحًا إلاّ قولى: "لا أسجد إلّا لك؟".

والخامس: إذ خلقنى وكلّفنى مطلقًا وخصوصًا فلم أطع فلعننى وطردنى، فلم تركنى إلى آدم حتى دخلت الجنّة ثانياً، وغررته بوسوستى، فأكل من الشجرة المنهىِّ عنها وأخرجه من الجنة معى؟، وما الحكمة فى ذلك؟، بعد أن لو منعنى من دخول الجنّة لاستراح منى آدم وبقى خالدًا فيها.

والسادس: إذ خلقنى وكلّفنى عمومًا وخصوصًا، ولعننى ثمّ طرقنى إلى الجنّة، وكانت الخصومة بينى وبين آدم، فلم سلّطنى على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروننى؟، وتؤثّر فيهم وسوستى، ولا يؤثّر فىَّ حولهم ولا قوّتهم و قدرتهم واستطاعتهم؟، وما الحكمة فى ذلك؟ بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجْتَالَهُمْ عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بهم وأليق، ما الحكمة؟.

والسابع: سلّمت هذا كلّه : خلقنى وكلّفنى مطلقًا ومقيّدًا، وإذ لم أطع لعننى وطردنى، وإذا أردت دخول الجنّة مكّننى وطرقنى، وإذ عملت عملى أخرجنى ثمّ سلّطنى على بنى آدم، فلم إذ استمهلته أمهلنى، فقلت : "أَنْظِرْنِى إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ" وما الحكمة فى ذلك؟ بعد إذ لو أهلكنى فى الحال استراح آدم والخلق منّى، وما بقى شرّ ما فى العالم، أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرًا من امتزاجه بالشرّ؟، ثم قال إبليس: فهذه حجّتى على ما ادّعيته من كلّ مسألة، انتهى.

- إن مسألة الجبر والاختيار أو قضايا القضاء والقدر من أصعب المسائل الدينية، ومن أعقد المشاكل الفلسفية التى واجهت الفكر البشرى على مدار تاريخه الطويل، إن لم تكن أصعبها وأعقدها على الإطلاق، ويمكننا أن نجد فى مجال الفكر الإسلامى أكثر من تصريح يثبت هذه الصعوبة منها:

ما يقرره ابن سينا: من أن القدر سر الله.

كما يصرح ابن رشد بأن: أدلة العقل والنقل حيال مشكلة القضاء والقدر متناقضة.

- وحيث أن هذه الأسئلة الـ7 المنسوبة لإبليس، وما نتج عنها من أفكار سواء فى المجال الفلسفى أو فى المجال الأدبى، تتعرض لأفكار دينية راسخة فى الأديان السماوية، وقد اتخذت ذريعة أساسية للإلحاد، فإن الموضوع يتجاوز دوائر الأدب أو الفكر المجرد، ليندرج فى اهتمامات المثقفين المهتمين بالأديان والمؤمنين بها، ولذلك سوف نناقش بعض هذه الأفكار فى المقال القادم إن شاء الله.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز