إدلب
العملية العسكرية التى سُميت "غصن الزيتون"، وأطلقها الجيش التركى بداية العام الجارى، للقضاء على وحدات حماية الشعب التركية التى تشكل إرهابًا على الدولة التركية، حسبما أعلن أردوغان، كانت خير دليل على تأكيد رغبة السلطان العثمانى فى توسيع نفوذه على حساب الأراضى السورية.
بمعنى أصح، فالعملية العسكرية التركية تعتبر احتلالًا لشمال سوريا، والإجراءات التى تمت بعد ذلك من قبل سلطات أنقرة فى عفرين، بعد غزوها، بداية من تعيين والٍ تابع لتركيا فى هذه المنطقة، مرورًا بإصدار بطاقات هوية للأهالى هناك، وزيادة عدد القوات التركية وعدم تراجعها رغم هزيمة الأكراد وعدم وجود أى خطر على الحدود التركية، تؤكد ذلك.

وتتعاون تركيا مع قوات المعارضة السورية لتحقيق أهدافها غير الشرعية، بالتالى تريد أنقرة بقاء المعارضة حية، وإيقاف سلسلة انتصارات الجيش السورى المتتالية، إذ سيطر على أغلب مناطق البلاد، وألحق هزائم مستمرة بالمعارضة والميليشيات والفصائل التابعة لها، وتتبقى مدينة إدلب فقط تحت سيطرة تلك الجماعات.
بالطبع تريد أنقرة بقاء الوضع كما هو عليه فى إدلب، التى تتخذها المعارضة المسلحة كقاعدة لها لشن هجمات على المناطق والمدن السورية الأخرى.
المبعوث الدولى إلى سوريا، ستيفان دى ميستورا، أكد ذلك عندما قال إن جبهة النصرة تشن هجمات على قاعدة حميميم الروسية بسوريا.
يأتى ذلك، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة التى تسقطها الدفعات الروسية بشكل مستمر فوق حميميم، ما يدل على أن المعارضة السورية تستغل إدلب، محتمية فى أهلها، لنشر الفوضى والحرب داخل القطر السورى.
وأشار دى ميستورا، خلال كلمته بجلسة مجلس الأمن بشأن الأوضاع فى إدلب السورية، إلى أن الأمم المتحدة على استعداد للعمل مع جميع الأطراف لإجلاء المدنيين من إدلب حال طلب ذلك، وأكد: "أى معركة فى إدلب ستكون مروعة ونخشى على المدنيين"، وهو ما يعنى ضرورة خروج المعارضة المسلحة سلميًا من إدلب، لكن ذلك من الصعب أن يحدث فى ظل تمسك تركيا التى تدعم هذه الميلشيات بإعلان هدنة، وعدم السعى الجدى فى إخراج هؤلاء لحماية المدنيين.

اقرأ أيضًا: مخطط أردوغان الاستعمارى| محاولة جديدة لفصل الشمال عن الدولة السورية
القمة الثلاثية
فى القمة الثلاثية "التركية الروسية الإيرانية"، فى طهران، ظهرت بوادر خلافات على الاجتماع الذى عُقد لمناقشة هجوم عسكرى مُحتمل على محافظة إدلب، آخر معقل تحت سيطرة فصائل معارضة، بسبب موقف الرئيس التركى.
حيث اقترح أردوغان إعلان هدنة فى إدلب، ما لقى رفضًا قاطعًا من الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين، والإيرانى حسن روحانى.
بوتين تمسك بضرورة دحر التنظيمات الإرهابية هناك، وشدد على عدم إمكانية إبرام أى اتفاق تهدئة مع جبهة النصرة وداعش، وقال: "جبهة النصرة وداعش ليسا طرفًا فى المحادثات، والحكومة السورية الشرعية لها الحقّ فى استعادة السيطرة على كل أراضيها الوطنية، وعليها أن تقوم بذلك".
واعتبر الرئيس الروسى أن هناك جهات تحاول حماية الإرهابيين فى سوريا، فى إشارة واضحة لموقف الباشا العثمانى.
من جانبه، قال الرئيس الإيرانى إن العملية العسكرية فى إدلب أمرًا لا بدّ منه، مطالبًا كل المسلحين فى سوريا إلقاء السلاح، والسعى لإنهاء الصراع.
وتبرر تركيا موقفها المؤيد لإعلان هدنة فى إدلب بأن أى هجوم سيحدث من الممكن أن يساهم فى تدفق اللاجئين إلى أراضيها.
وقال أردوغان إن قدرة تركيا على استقبال اللاجئين بلغت أقصى مداها، فى مؤشرٍ على إحجام أنقرة عن استقبال المزيد من اللاجئين فى حال حدوث تدفق من إدلب السورية.

تركيا تدعم المعارضة
وتثبت الوقائع أن المعارضة السورية تلقى دعمًا كبيرًا من الحكومة التركية، فهذه المعارضة وفصائلها المسلحة مثل جبهة النصرة هى من ساهمت فى توغل الجيش التركى داخل الشمال السورى.
قيادى فى جماعة من المعارضة المسلحة فى سوريا، أكد ذلك عندما خرج مشدد على أن تركيا قدمت تعويضات لأسر مسلحين فى المعارضة السورية، قتلوا خلال معارك خاضوها دعمًا لهجومها على عفرين السورية.
وأكد القائد العسكرى العام لفرقة الحمزة، الملازم أول عبدالله حلاوة، أن أسرة كل مقاتل سقط فى عفرين تحصل على 60 ألف ليرة تركية، ما يعادل 9142 دولارًا.
وأضاف، أن أقارب 65 من المقاتلين فى فرقته حصلوا على تعويضات بالفعل، مؤكدًا أنهم سيحصلون على سكن وجنسية فى تركيا، موضحًا حصول المصابين على 15 ألف ليرة، وقد يصل التعويض إلى 30 ألف ليرة، إذا كانت الإصابة قد تسببت فى إعاقة دائمة.

وأضاف مأمون شعبان، الذى قُتل ابنه وهو فى الـ19 من عمره فى المعارك: "وُعدنا بالحصول على الجنسية لعائلة الشهيد، ومنح العائلة منزل داخل الأراضى التركية.. الإخوة الأتراك لم يدخروا أى شئ من أجل مساعدتنا"، وهو دليل واضح يؤكد أن الحكومة التركية لن تساهم فى أى حل سلمى يمكن بموجبه خروج المعارضة المسلحة من إدلب واستسلامهم، ومن ثم سيطرة الجيش السورى على هذه المحافظة.