البث المباشر الراديو 9090
المقرمشات
فى إحدى قرى محافظة الغربية، وتحديدًا بمركز زفتى، يلهو الأطفال أمام منازلهم، وما أن يحصل أحدهم على مصروفه اليومى، حتى تجرى قدماه، إلى محل البقالة القريب من منزله، ليشترى "كيس مقرمشات" من المعروض أمامه، دون أن يدرى أنه قد يقع فريسة لكثير من المخاطر.

أغلب محال البقالة بقرى مركز زفتى عبارة عن أكشاك "منزلية"، وضعت أمام المنزل، أو بإحدى غرفه، وتم استغلالها لعمل تجارى يساعد الأُسَر على المعيشة.

سموم أمام المنازل

هذا هو حال "أم محمد"، سيدة ثلاثنية، يعمل زوجها مزارعًا باليومية، مقابل 40 جنيهًا "جوزى شغله يوم أه ويوم لا، وعندى 4 أولاد فى التعليم، وقولنا نستغل غرفة من البيت، وفتحتها بقالة للمقرمشات والبسكويت، والحلويات.

تقول السيدة الأربعينة: "إحنا كلنا هنا محلات مفتوحة جوا البيوت وقدامها.. والطفل لو مشفش البضاعة قدامه واختار هيعرف إزاى هو عاوز إيه.. لازم أعرض البضاعة كدا، يعنى أحطها فى تلاجة؟!".

لا تعلم "أم محمد" بشروط ترخيص المحال التجارية، وعمَّا إذا كانت لديها شهادة صحية، وغرفتها تتطابق مع اشتراطات قانون المحال التجارية رقم 371 لسنة 1956 فى شأن المحال العامة وتعديلاته أم لا.

شروط ترخيص المحال التجارية

يشترط قانون ترخيص المحال التجارية حصولها على موافقة من الإدارة المحلية بالحى التابعة له، واعتمادها من الإدارة الهندسية، وأن تتم معاينة صحية من الإدارة الصحية، بالإضافة إلى موافقة إدارة الدفاع المدنى والحريق.

وأكدت مواد القانون أن عدم توافر ذلك يعنى تعرض صاحل المحل لعقوبة الغلق والغرامة المالية، طبقًا للمادة 33، والتى تنص على: "يعاقب كل من قام بفتح محل دون ترخيص بالحبس لمدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز سنة وغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه، ولا تتجاوز 20 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فضلا عن غلق المحل على نفقة المخالف".

المواجهة بالحملات التفتيشية

لا تألو الجهات الرقابية ومباحث التموين، فضلًا عن المسؤولين جهداً فى مواجهة تلك المخالفات، حيث اعتمد أحمد ضيف صقر، محافظ الغربية السابق، والمحافظ الحالى، هشام السعيد، شن عديد من الحملات التفتيشية على المحال التجارية، والتى تضمنت غلق المحال المخالفة، وضبط المخالفين، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالها، وتم تحرير 972 محضرًا لعدد من محلات البقالة والتموين والسوبر ماركت، وضبط السلع منتهية الصلاحية وغير الصالحة للاستخدام الآدمى، من مصاصات وكيك وأكياس مقرمشات للأطفال.

فرشة البيع

الأمر لا يتوقف على بقالة أم أحمد، فهناك عشرات من محال البقالة المجاورة لها، ولديها شكل مختلف، حيث يفترش الباعة أمام منازلهم، مثل الأربعينى طه السيد، والذى يرى أن عرض كراتين المقرمشات وصناديق المياه "أكل عيش ولازم كل يوم الصبح أعرض العصائر والمياه والمقرمشات قدام بيتى".

ودافع عن تجارته المعروضة تحت أشعة الشمس، قائلًا: "مفيش حد اشتكى وطول عمر العيال بيجى لهم مغص ونزلات معوية، يعنى المياه هنا والصرف مختلطين ببعض بالقرى، مش لأن المقرمشات فى الشمس!".

دكان طه السيد يحمل منتجات ذات أسماء تجارية غير معروفة، ومشروبات غازية لا تحمل أية بيانات، وجميعها تُعرض تحت أشعة الشمس مباشرة.. وعن الرقابة، قال: "محدش بيدخل جوا القرى.. الكلام دا فى المركز بس.. الناس هنا غلابة وتاكل الزلط!!".

النزلات المعوية ترد على أكاذيب عم طه

فى نفس القرية تعرض الطفلان الشقيقان ياسين، وإياد محمد، لنزلات معوية شديدة، شخَّصها الطبيب مؤكدًا أن الطفلين تناولا أغذية غير صالحة للاستهلاك الآدمى.

هذا ما شرحته أمينة عبد الهادى، والدة الطفلين، بأنهما دائمًا ما يقومان بشراء الحلويات والمعلبات من محل "أم محمد"، وبالفعل المنتجات تحت أشعة الشمس، "إحنا لما بنفتح كيس المقرمشات ريحته بتكون معفنة كأنه ريحة قبر، وحتى الكيكة طعمها وحش، بس مفيش بديل ومبنقدرش نمنع الولاد عن الشراء، وأغلب الولاد هنا علطول عندهم نزلات معوية وبيكتريا بالمعدة ونقص نمو وقصر قامة!".

رقم مفزع

كشفت دراسة للجمعية المصرية للصناعات الغذائية أن حجم استهلاك المصريين من المقرمشات يبلغ حوالى 5 مليارات جنيه سنويًا، وأنه من الصعب حصر عدد شركات المقرمشات فى مصر، لأن هناك عددًا كبيرًا من المصانع تعمل تحت بير السلم، وخصوصًا فى القرى والمحافظات كالبحيرة والمنوفية، ووجدت هناك أنواع من المقرمشات لم تسمع عنها القاهرة، أو الإسكندرية.

وأشارت الدراسة إلى أن الوضع بالمحافظات سيئ من حيث عدم التزام المحال التجارية بالاشتراطات العامة أو الصحية، لافتة إلى أن هناك بعض المحال والأكشاك فى القاهرة تعمل دون ترخيص.

الأكشاك.. قنابل مسمومة

فى القاهرة رصدت كاميرا "مبتدا"، من خلال المرور على بعض أكشاك بيع المقرمشات والمواد الغذائية، وجود عبوات عصائر وكيك وأكياس مقرمشات موجودة تحت أشعة الشمس، وبسؤال عدد من أصحابها أكدوا أنه لا يوجد مكان للعرض "لازم المستهلك يشوف المنتجات معروضة".

وقد توقف إصدار تراخيص الأكشاك لمدة تقترب من الـ5 سنوات، واعتمدت محافظة القاهرة منظومة جديدة تهدف إلى تنظيم توزيع الأكشاك ومراجعة تراخيصها وأماكنها وصحة تلك التراخيص.

الأكشاك الجديد تحل الأزمة

وكانت الأكشاك القديمة النمطية ضيقة للغاية إذا ما قورنت بمساحة الأكشاك الجديدة التى تبلغ مساحتها 6م2، وهى 5 أضعاف المساحة الحالية، ويتم تزويدها بثلاجتين للعرض، بالإضافة لمساحة تخزينية، مع تزويثد الكشك بـ"دائرة كهربائية وعداد"، حتى لا يُسمح بسرقة الكهرباء، على أن تكون ملكًا للمحافظة، مقابل حق انتفاع، ولن يتم تمليكها لأحد حتى لا يتم التلاعب فى رخصتها أو بيعها، وتم حصر حتى الآن 2766 كشك مرخص بالقاهرة، بالإضافة إلى 1113 كشك مخالف وتم إزالة 529 كشك منهم حتى الآن.

غضب أصحاب المحال المرخصة

اعترض بعض أصحاب المحال التجارية المرخصة، على ما يفعله أصحاب الأكشاك غير المرخصة تجاه الأطعمة والأغذية التى تقدم للجمهور وخصوصًا الأطفال، حيث قال محمد السيد، صاحب "سوبر ماركت"، بشارع قصر العينى، إن أغلب المعلبات سواء مشروبات أو أطعمة لها درجة حرارة معينة للتخزين ويحظر عرضها تحت أشعة الشمس المباشرة الشديدة.

وأضاف: "منتجات المقرمشات والكيك والعصائر والمياه المعدنية، جميعها داخل عبوات بلاستيكة، وعليها اشتراطات للتخزين، لازم نراعيها، وإلا تحولت إلى مواد سامة تسبب أمراض ونزلات معوية وتسمم، لكونها مصنَّعة من زيوت ونشويات، وتعرضها لدرجات الحرارة بصفة مستمرة، يعجل بانتهاء صلاحيتها، ويحولها إلى مادة سامة".

وتابع: "بالطبع فيه حملات تفتيش من قِبَل وزارة الصحة، ولازم العمال يكون لديهم شهادات صحية، ولازم تتوافر اشتراطات السلامة، والصحة المهنية، والتأكد من عدم وجود حشرات، والاهتمام بنظافة الأرضيات والعاملين، منعًا للعدوى، وأيضًا اشتراطات لتخزين المعلبات والأطعمة طبقًا للاشتراطات الواردة بها، وإلا تعرضت للمخالفة والغلق، والأهم ممنوع عرض الأطعمة المعلَّبة تحت أشعة الشمس.. دا لوحده مخالفة".

ضربات موجعة من «الصحة»

من جانبها، أعدمت وزارة الصحة والسكان، 135 طنًا و136 كيلو جرامًا من الأغذية الفاسدة، و20 ألفًا و589 لترًا من المياه والعصائر المعبأة منتهية الصلاحية خلال الحملات التى شنتها الإدارة العامة لمراقبة الأغذية على المحال والباعة، خلال العام الماضى.

وتم المرور على 25 ألفًا و302 من المحال، والتأكد من خلوها من الأمراض المعدية، كما تم فحص الأغذية التى يعرضونها للمواطنين للتأكد من سلامتها واستيفائها للاشتراطات الصحية.

وأكد الدكتور خالد مجاهد، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان، أن الحملات استهدفت المحال بالطرق العامة، والتجمعات السكانية، والتى تبيع أغذية، لافتًا إلى أنه تم تحرير 6 آلاف و701 محضر ضد المخالفين، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.

ضربات قاصمة فى 2018

كذلك شهد العام الحالى شن وزارة الصحة لحملات تفتيشية على المحال التجارية والمطاعم، وهو ما أكدته الدكتورة مايسة حمزة، رئيس الإدارة المركزية لشؤون البيئة، والمشرفة على الإدارة المركزية للرقابة على الأغذية بوزارة الصحة والسكان، بأن اللجان المرورية قامت بالمرور خلال الفترة الأخيرة على 27 ألف منشأة غذائية ما بين منتجة ومخزنة وعارضة للتأكد من استيفائها للاشتراطات الصحية العامة والخاصة الواجب توافرها طبقًا للقانون والقرارات المعمول بها، وتم سحب 54 ألفًا و872 عينة من المواد الخام والمنتج النهائى المتداول.

وأشارت إلى أنه تم إعدام أكثر من 700 طن و610 كيلو جرامًا من الأغذية الفاسدة، كما تم إعدام 22356 لترًا من المياه غير الصالحة للاستهلاك، لافتة إلى أنه تم تحرير 20 ألفًا و480 محضر جنحة صحية حيال المخالفات التى تم رصدها، وإيقاف تشغيل 3 آلاف و250 منشأة غذائية بسبب عدم وجود ترخيص ووجود خطر داهم على الصحة العامة للجمهور.

كوارث المقرمشات الفاسدة على الصحة

كشفت الدكتورة لبنى عبدالعزيز، استشارى التغذية أن الأغذية التى تباع تحت أشعة الشمس لها قدرة كبير على نقل العديد من الأمراض لأنها فى الغالب تكون ملوثة بالبكتيريا الضارة، وهى سبب مباشر للنزلات المعوية والأمراض الفيروسية، لأن الأطعمة تحتاج إلى درجات حرارة خاصة للحفظ وإلا تعرضت للتلف وتكون بمثابة السموم للإنسان.

وأشارت إلى أن هناك فوضى عارمة فى عرض المواد والسلع المعبأة فى عبوات بلاستيكية حيث يتفنن التجار فى أسلوب عرضها أمام محلات البقالة والسوبر ماركت، دون مراعاة لاشتراطات الحفظ الصحى لتلك المواد، وكون بعضها مقليًا ومصنعًا بمواد حافظة، ومكسبات طعم وراحة، وبالتالى يحدث التفاعل مع أشعة الشمس، ويكون سببًا فى الإصابة بأمراض الجهاز الهضمى، وتقرحات المعدة والفيروسات، وأيضًا، ضعف المناعة، وتسبب ارتجاع المرىء، وأمراض الأمعاء، وتترسب المواد السامة على الكبد والكلى محدثة أضرارًا بهما فى المستقبل، ويصاب المستهلك بالكسل، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، والسكر إلى جانب الأمراض النفسية الأخرى مثل الاكتئاب.

وتابعت الدكتورة لبنى: "يساهم عرض السلع المعبأة فى عبوات بلاستيكية فى تقليل فترة الصلاحية، لأن أشعة الشمس فوق البنفسجية تسرع فى ترشح المواد الكيميائية البلاستيكية لا سيما منها الديوكسين، والمعروف أن الديوكسين، والبلاستيك نفسه مكون من مواد مختلفة، بعضها عناصر ثقيلة كالرصاص والكروم، وهذه المواد تتفاعل عند تعرضها للحرارة ويحصل بها نوع من الترسبات عند تعرضها لدرجات حرارة عالية، وتتحلل مع المواد الغذائية لتكون مواد سامة".

واستطردت: "كما تحتوى المقرمشات المقلية على مادة الإكريلاميد وهى مادة سامة تنتج عند طهى النشويات لدرجة حرارة عالية، وعند التعرض لدرجة حرارة الشمس، تؤدى للتفاعل وتصبح مادة تضعف الجهاز المناعى عند الأطفال، وتؤثر سلبًا على الكبد، والقلب، والكلى، والعظام عند الأطفال، ولهذا يتعرض الأطفال إلى مشاكل تهييج المعدة والتهابها، والنزلات المعوية بشكل مستمر".

وترى استشارى التغذية أن المشكلة تزيد فى حال ما إذا كانت المنتجات من مصانع غير مرخصة، وبالتالى لا يتم التصنيع والحفظ طبقا للمواصفات القياسية، وخصوصًا أن أغلب المنتجات الغذائية بالمحافظات من مصانع "بير سلم"، ولم تحصل على موافقة وزارة الصحة على صلاحية المنتج، تزيد من فساد المنتجات الغذائية، ولا تضع تلك العبوات عبارة "تحفظ العبوة فى مكان نظيف وخال من الروائح، بعيدًا عن أشعة الشمس مباشرة".

دراسة بريطانية تنذر بكارثة

أكدت دراسة بريطانية للباحث شيريل كرو، أن شرب المياه المعبأة فى زجاجات بلاستيكية "المياه المعدنية" والمتروكة فى مكان يعرضها لأشعة الشمس تؤدى إلى الإصابة بمرض سرطان الثدى لدى النساء والرجال، لأن الحرارة تتفاعل مع المواد الكيميائية المصنوعة منها العبوة البلاستيكية، وتقوم بتحرير مادة "الديوكسين" شديدة الخطورة، والتى تظهر بنسبة كبيرة فى عينات الأنسجة المسببة لسرطان الثدى.

من جانبها، أكدت الدكتورة أمل سعد الدين، أستاذة صحة البيئة والطب الوقائى فى المركز القومى للبحوث، خطورة عرض عبوات البلاستيكية المعبأة بالطعام والشراب، تحت أشعة الشمس، خشية تحويل المواد التى تتكون منها الأكياس والعبوات بفعل أى تغير حرارى إلى مواد أخرى تحتوى على سموم عالية تصل للجسم من خلال تسربها للمياه.

وقالت: "حبيبات البولى إيثيلين، أو البتوتبين المستخدمة فى صناعة هذه الأكياس والعبوات تحتوى على أحد العناصر المسرطنة يسمى "ديثيل هيدروكسلامين، وبفعل درجة الحرارة تتحول إلى مواد سامة".

موقف حاسم من «التعليم»

قررت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى، العام الماضى، منع وتداول بيع المقرمشات وزجاجات المياه الغازية داخل المدارس، حرصًا على سلامة الطلاب، معلِّلة ذلك بأن بعض المدارس تخزن تلك الوجبات بطريقة خاطئة، وتعرضها للتلف، لافتة إلى أنها تسعى إلى الاقتصار على الوجبات الرسمية المقررة من قبل "الوزارة"، والتى تخضع للإشراف الطبى من قبل وزارتى الصحة، والتموين، وتم تعميم منشور إلى المديريات، والمدارس، ومسؤولى المدارس، والتغذية بالمحافظات بمنع دخول هذه الأصناف الثلاثة إلى كانتين المدرسة.

مصانع «مضروبة»

فى هذا السياق، قال المهندس حسن الفندى، عضو غرفة الصناعات الغذائية، إن 70% من مصانع الغذاء فى مصر غير مرخصة، وتعمل تحت بير السلم، بسبب غياب الأجهزة التنفيذية والرقابية، لافتًا إلى أن مخاطر ذلك تتمثل فى انعدام الرقابة الصحية عليها وتفشى الأمراض وتقديم غذاء غير آمن وغير صحى بسعر أرخص يقبل عليه المواطن الفقير.

تفعيل هيئة للغذاء

طالب المعنيون بالصناعات الغذائية بضرورة تفعيل هيئة سلامة الغذاء لمساعدة المصانع غير المرخصة للدخول فى المنظومة الرسمية وليس إغلاقها بل تطويرها، وهو ما أكده أشرف الجزايرلى، رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، للحفاظ على قطاع الصناعات الغذائية، والذى يصل حجم استثماراته إلى 500 مليار جنيه، فيما يبلغ عدد العاملين به نحو مليون عامل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز