البث المباشر الراديو 9090
د.إيناس علي
المؤلم في بعض الحوادث التي نسمع عنها يوميًا ليس وقوع الجريمة وحده، وإنما أن تقع أحيانًا أمام أعين الناس، ثم لا يتحرك أحد.

امرأة تتعرض للتحرش في مكان عام، وأخرى تتعرض للاعتداء أو الخطف وسط منطقة مزدحمة، وأم تصرخ من اعتداء أبنائها عليها، بينما يقف المحيطون في صمت، وكأن ما يحدث لا يعنيهم.

هنا لا يصبح السؤال عن الجريمة وحدها، بل عن شيء أعمق: ماذا حدث لقيم المروءة والشهامة بيننا؟

بالطبع، ليس المطلوب من الإنسان أن يلقي بنفسه في مواجهة خطر قد يهدد حياته؛ فالشجاعة ليست تهورًا، والمروءة لا تعني أن يتحول المواطن إلى رجل شرطة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تتجنب خطرًا حقيقيًا، وبين أن تدير ظهرك لإنسان يطلب النجدة.

أحيانًا لا تحتاج المساعدة إلى بطولة أو مخاطرة. قد تكون في مجرد الاتصال بالجهات المختصة، أو طلب الدعم من الموجودين، أو الوقوف إلى جوار الضحية بعد انتهاء الخطر، أو الإدلاء بشهادة إذا كنت شاهدًا على ما حدث.

المشكلة أن عبارة «وأنا مالي؟» أصبحت أحيانًا أقوى من إحساسنا بالمسؤولية تجاه الآخرين.

والأسوأ أن الهاتف أصبح في بعض المواقف أسرع من الضمير؛ نصور الواقعة، ونوثق الألم، وننشغل بتسجيل لحظات الخوف والعنف، ثم نعود إلى حياتنا وكأن الإنسان الذي كان يصرخ أمامنا لم يكن سوى مشهد عابر على شاشة.

وكأن معاناة الآخرين تحولت من مأساة تستدعي التدخل إلى مادة تستحق المشاهدة والمشاركة.

والأخطر أن هذا الشعور باللامبالاة امتد إلى بعض البيوت. قد نسمع عن أم تتعرض للإهانة أو الاعتداء من أبنائها، ويعرف الجيران أو الأقارب بما يحدث، لكن الجميع يختبئ خلف عبارة: «دي مشاكل عائلية».

نعم، خصوصية البيوت أمر مهم، والتدخل في شؤون الأسر ليس أمرًا يُستهان به، لكن عندما يتحول الخلاف إلى عنف وتهديد وإيذاء، يصبح الصمت تخليًا عن إنسان يحتاج إلى حماية.

المروءة ليست كلمة قديمة انتهى زمنها، والشهامة ليست بطولة استعراضية أمام الكاميرات. المروءة أن تشعر بأن للآخر حقًا عليك، حتى لو لم تعرفه، وأن ترى إنسانًا في مأزق فلا تعتبره مجرد مشكلة تخص شخصًا آخر.

أن تمد يد العون حين تستطيع، وأن تقول كلمة حق حين يكون صوتك مهمًا، وأن تستدعي من يستطيع التدخل عندما لا تملك القدرة على التدخل بنفسك.

نحن لا نحتاج إلى مجتمع من الأبطال، بل إلى مجتمع من البشر.

مجتمع لا يقف متفرجًا على الظلم، ولا يحول معاناة الآخرين إلى فيديو، ولا يربي أبناءه على أن النجاة الشخصية أهم من كل شيء.

فالمجتمعات لا تُقاس فقط بعدد القوانين الموجودة فيها، وإنما أيضًا بمدى شعور أفرادها بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض.

ربما لا نستطيع أن نمنع كل جريمة، ولا أن نوقف كل اعتداء، لكننا نستطيع ألا نسمح بأن يصبح الظلم أمرًا عاديًا، وأن يصبح صراخ المظلوم بلا مجيب.

نستطيع أن نعيد إلى أبنائنا معنى أن تكون قويًا دون أن تكون قاسيًا، وشجاعًا دون أن تكون متهورًا، وأن تكون مواطنًا يرى في سلامة الآخرين جزءًا من سلامته.

فالسؤال ليس فقط: أين ذهبت المروءة؟

بل السؤال الأهم: متى نقرر أن نعيدها؟

والحقيقة أننا قادرون على ذلك؛ قادرون على أن تعود المروءة إلى الشارع، والشهامة إلى المواقف، والرحمة إلى علاقاتنا، وأن تعود كل تلك القيم الأصيلة النبيلة التي لم تكن يومًا مجرد كلمات، وإنما كانت جزءًا من شخصية هذا المجتمع وذاكرته وضميره.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن تقع الجريمة أمام أعين الناس، وإنما أن تقع... ولا يشعر أحد بأنها تعنيه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز