عزة كامل
الشيخ فى صحن الدار يتكئ إلى زاوية من زواياه العديدة جسده المتعب وملامحه الهرمة وذاكرته المختلطة تشى بحالته الصحية، لمّا رآنى استوى جالسًا، أمرنى بالقعود ودمعت عيناه وبكى حتى ابتلت ليحته، ثم قال:
"زدت فى العمر على المائة واقترب الرحيل، لقد حان أن يستكين العبد لمولاة فيتقبله، إننى الآن راكع بين يدى ربى الذى يغرب الشمس ويذوى القمر فى محاقه، الموت يأتى فجأة، فمن زرع خيرًا يوشك أن يحصد ثمارًا ناضجة، ومن زرع شرًا يحصد ندامة".
كنت مطرق الرأس منصتا أستمع لما يقول وهو يخرج من جيبه ورقة صفراء مطوية بعناية، أخذ يقبض يديه ويبسطها عدة مرات، وأومأ أن أتقدم، أعطانى الورقة، قرأت وأخذت أبكى بحرقة لأمر ذكره ذل فى هذه الورقة فكيف يمكن لهذا الرجل الصالح أن يفعل ذلك؟!
عندما رأى دموعى محصورة وراء الدهشة والخوف قال: يا بنى لا تغتر بملكُك ولذتك وشهوتك، فالدنيا فانية والسلطان زائل... يا ولدى سأعطيك عهدًا، ولا تخالف عهدى، قلت: أعهد، قال: "إذا مت تعال إلى قبرى فى الليالى المقمرة". تركته وهو مغمض العينين أصفر الوجه ورجعت منكسرًا يملك الإشفاق قلبى وأخذت فى البكاء حتى كاد أن يغشى علىّ.
ثلاثة أيام وأنا أسمع أنينه وبكاءه وفى اليوم الرابع عندما جن الليل، كان آخر العهد به، فراغ وصمت مهيبان، لفا المكان الذى كان يشغله، أصابنى اليتم وتمرغت فى عذابى.
فى أول ليلة مقمرة بعد وفاته ذهبت إلى قبره كما عاهدته وبكيت بقوة، فقد هاجنى الشوق إليه، وإلى دفئه وفتنته وفصاحته، لكن كيف لهذا الرجل الذى لا يُشق له غُبارُ أن يضل عن نهجه فى يوم من الأيام؟ هل يمكن أن يكون الصدأ علاه فى لحظة من الزمان؟، كيف يمكن لقريحته التى تفيض رحمة وطهراً أن تفيض كرهاً وبغضاً.. ارحمنى يا رب العالمين وابعد عنى وسوسة الشيطان الرجيم.
أردت الانصراف لكنى ارتعشت من الذعر والفزع فقد سمعت صوتا كأنه قادم من القبر، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أجد أحدًا.. ركضت مبتعدا، فلما كان من الليل، أتانى الشيخ فى منامى ورأيته جالساً على فراش ناعم وأخبرنى بأنه لم يمت وكان ضاحكًا مستبشرًا، وفى الليلة الثانية ذهبت لزيارته وسمعت نفس الصوت الذى سمعته أمس قادما من القبر اقشعر جلدى واشتعل رأسى، حاولت أن أتمالك نفسى وقلت من أنت؟ جاء رد.. أنا صديقك وحبيبك الذى اشتاق إليك، يا بنى لا تبخل بدموعك دعها تنحدر على خديك فهذا شفاء لكبدك المحترق.. اتبع الحق واعكف على العلم وكن فوق الظن وتخلص من شوائبك، وادفع عنك الغرور ففى الغرور ويل، والجأ لمن له الحل والعقد والأول والآخر واتبع نوره فتزداد حصافتك وتستنير بصيرتك.
رجعت محموما إلى بيتى وفى منامى رأيت أننى مت والشيخ يقرأ آيات من القرآن على قبرى بصوت خاشع، وفى الليلة الثالثة بعد زيارة القبر وبعد سماع الصوت نفسه، رأيت العجوز فى منامى طلق الوجه لكنه لم يكلمنى ولم يمسنى، أيام وليال قطعت اللذات عن نفسى وظللت أحيا الليل وأنام النهار، وأبكى وأكثر البكاء، أصبحت قريح القلب مغمومًا مكروبًا، وفى آخر ليلة مقمرة أقمت عند قبر الشيخ إلى أن انطوى شطر كبير من الليل، فرأيته يخرج من القبر ويمشى فى الخلاء، مشيت خلفه وجدته يقابل شاباً اسمرًا نحيلاً، رقيق البشرة فيقول له وهو ينظر بقوة فى عينيه: "لا تبع آخرتك بدنياك فى هوى غيرك"، فأخذ الشاب ينشج حتى اختلفت أضلاعه، فما كان من الشيخ إلا أن جلس وأمر الرجل أن يصعد منكبيه، فتردد الرجل فاستحثه فصعد فإذا به يرى سحبا متوالية قادمة وإذا بسحابة سوداء تظهر فجأة وتقف فوق رأسه وسمع رعدًا وأظلمت السماء وضربه نور البرق فأحرقت ثيابه، وأخذ الشاب يصرخ ويصرخ ولم يتحرك العجوز لإنقاذه بل تركه ومشى، وجدت نفسى أصرخ صراخا يفوق صراخ الشاب، هذا نظير شر ومصيبة سوف تحل.
انتهت الليالى المقمرة، وانتهت زيارتى لقبر العجوز وتحولت حياتى إلى هم وغم مستمرين، اصطليت بنار الأرق وتعب النفس، أدركت أننى فى محنة قد لا أتجاوزها، فى الليل كنت أذهب فى الخلاء وأناجى ربى يا عالم الغيوب وغافر الذنوب، وكاشف الكروب أتوجه إليك يا رب العالمين لتفك غمتى، اللهم إنى أسألك خير هذه الرؤية وأعوذ بك من شرها، إنى أهرب منى إليك وألتجئ إلى رحمتك.
فى منامى رأيت قمرين يتقاتلان فى السماء تدور حول كل منهما نجوم صغيرة ثم إذا بأحد القمرين يسقط مع نجومه ويحترق قبل الوصول إلى الأرض، وإذا بنجمة صغيرة تسقط على رأس الشاب الذى رأيته مع الشيخ عند القبر، وفى وهلة أخرى من الحلم رأيت الشاب يغتسل بالماء البارد والنجوم مجتمعة فى دائرة حول رأسه.
الورقة الصفراء المطوية التى أعطانى إياها الشيخ حمل ثقيل يملأ قلبى عذاباً، أقرأها مراراً، أقذفها إلى الأرض، ألتقطها، أقرأها مرة أخرى، تتولد أسئلة بلا أجوبة، ألم يعلمنى الشيخ الحروف ويأمرنى أن أصيغ منها جملا بخط جميل حسن؟، ألم يصحح أخطائى؟، ألم يعلمنى النحو والصرف، وتفسير وتأويل الكلام والنصوص؟، ألم يزرع فى نفسى أن العلم فيه شفاء وأن لى فيه بقاء؟، لقد سلمنى أبى لهذا الشيخ ليعلمنى القرآن، لعلنى ذات يوم أصبح واعظا أو شيخا، الأيام تمر والحروف تزداد ويكتشف الشيخ أن لصوتى جمالاً ونغمات، يأمرنى بترتيل القرآن، أعشق الترتيل وتهتز من نغماتى الشجية القلوب وكانت تلك بداية العذاب، فقد ارتبطت بالشيخ ارتباطا شديدا، أصبح هو دينى ودنياى، كان الشيخ يحثنى على الخروج إلى الناس وتكوين أصدقاء وأصحاب، لكننى كنت أكره الاختلاط، تأتينى رؤى عجيبة تزداد يوما بعد يوم يفسرها لى الشيخ وينظر إلى نظرة متحيرة ولكنها مملوءة بالحنان، يا بنى أنت منظور لتفسير رؤى الناس، لكن احذر فقد يصيبك غضب بعضهن فالرؤى تحمل كثيرا من الشر وقليلا من الفرح والسرور فقدر المفسرين محفوف بالمخاطر.
أسير فى وسط الناس كالمندوه، لا أنظر إلى أحد، لا أتبادل الحديث مع أى إنسان، أتوحد مع وجيب داخلى، لا يهدأ بالى إلا عندما أكون مع الشيخ، استزيد من بحر علمه وحكمته التى لا تنضب، أعبر البرزخ وأعود إلى دنيا الصمت والانصراف عن الناس وقد طبت نفسا وقرت عيناى، أمتلك كنوز المعانى وفصاحة اللفظ، تتدفق وتجىء من علم الشيخ ودروسه ومواعظه المستمرة لى.
أعود إلى المقابر أشق الصفوف، ألمس الشواهد، أدوس على نبات الصبار، أصل إلى مقبرة الشيخ، أرش ماء الورد، أزرع بذور الرياحين فالشيخ كان يتضوع من مجلسه دائما روائح الزهور الطيبة، لا يليق به زهر الصبار إلا فى طبعه فقد كان صبورًا حليمًا، محباً للحياة يحب الروائح الذكية والنسائم العليلة والجمال، يكره القبح والكآبة.
الحياة رحلة، رحلة مقدرة ومحتومة، نمشى فيها، نتعثر، نقاوم غدر الزمان، أحيانا تحنو علينا، وأحيانا أخرى تضربنا بدنسها ويحجب ظل الأرض غرة شمسها وتدمى النفوس، ومن شدة شدوها تتصدع الأفئدة ويصبنا شوق لا نشفى منه لأنه مكنون فى الضمائر، تضع أمامنا أمورًا خفية لا نكون مهيئين لإدراكها ونضل عن فهمها، ونعدم الدواء الذى نستشفي به من الداء، تمد الحياة بيننا وبينها جسر من التعب، ويبقى لنا الليل نستأنس بظلمته الغشومة المتعسفة، تفاجئنا الآجال وتخذلنا الآمال ونصبح أجسادًا تجازى بأعمالها فأما إلى دار القرار وإما إلى محل البوار.
دقت طبول الرحيل وأغصان الروح ذابلة كأوراق الخريف ولكنها تتعافى عندما تنتقل إلى جوهر الجمال وأصله، فالموت ما هو إلا بوابة نعبر منها إلى حياة جديدة تتحرر فيها الروح.
هذه الليلة سأقرأ الرسالة التى تحتويها الورقة الصفراء.. سأقرأها بصوت عال.. يجب أن أهزم خوفى أن أهزم هذا السواد الذى يلف أجنحة الليل، ها هو صوت الشيخ يتدفق من بين السطور:
لم أنل فى صباى إلا البؤس والحرمان فقد فارق أمى وأبى الدنيا وأنا طفل صغير.. عشت أنا وأختى الرضيعة فى كنف أسرة أذاقتني العذاب، هربت..
غربت وشرقت فى الدنيا وعملت بأعمال وضيعة.. تعرفت بفتاة يتيمة تعمل خادمة عند ناس طيبيين، تزوجت بها وأنجبت منها ولداً.. بعد سبعة عشرة سنة.. اكتشفت أن هذه المرأة التى تزوجت بها هى أختى.. من يومها أصبح العذاب رفيقى والسخط نديمى وكنت دائم البغض أعض نواجذى من مرارة الكرب الجاسم على صدرى، وأخذت أتذبذب بين الكذب والحقيقة، أتأرجح بين نار لا يطفأ لهيبها ولا تخمد جمرها وبين ماء الحق الذى نأى عنى، وفى يوم ليس له شمس عزمت أمرى.. وأخذت ابنى إلى الخلاء وقتلته بفأس.. شطرت رأسه نصفين.. ودفنته.. مشيت أنادى عليه ودمه بين يدى.. وزمجرت بصوت عال ومرعب تحت القمر.. كنت أرتجف فى الوحدة والليل يتقدم.. تتطاير روحى فى الريح، ومادت الأرض وهدر الرعد ولمع البرق وصعقتنى لعنة القتل ولم يكن هناك فى تلك الصحراء إلا صوت ارتجافة جسدى، هربت بعيداً، وكل دقيقة تمر وكل ساعة، كل ليلة أسمع صرخة مكتومة سرعان ما تتحول إلى صيحات مجلجلة، كأنها آتية من الجحيم، من يومها وأصبح هذا العالم الذى يتفجر فى كل بقعة من أرضه بئر الخطيئة، وتسكن الأشباح الشيطانية والأرواح الخبيثة بيوته العامرة وتمرح فيه النفوس المبهمة، فأصبح بلا قيمة أو معنى.
حاولت التكفير عن ذنوبى لتطهير نفسى من الدنس، فأحسنت وتفضلت وبذرت وحصدت، حصدت الخير فيك، وكنت أنت ابنى الذى لم أقتله، وحاولت إبعاد الآفة المحيطة لتهدئة البال والهروب إلى ربى وإليك.
ولزمت قعر بيتى واعتزلت الخاصة والعامة، لم أسمح لأحد أن يجالسني بالساعات مثلك، اتخذت منك صديقاً دون أن تدرى، وأخلصت لك الثقة وأصفيت لك المودة، واشتملتك بعلانيتى وها أنا الآن أشملك بسرى الذى أعلم أنك لن تجعله سلاحا تحمله على فى أى وقت.. أطلب منك الصفح والعفو كما طلبتهما من العلى القدير على هذه الخطيئة التى ارتكبتها.
انتهى الشيخ.. سكت صوته، ابتلعه صمت الغرفة، أحسست بألم ساحق يندفع إلى قلبى ويهرسه، و صدرت منى شهقة بكاء.. لم أدر بنفسى وأنا أمزق الورقة الصفراء قطعاً صغيرة.