تنظيم القاعدة فى سوريا
- أردوغان يساعد "النصرة" على اقتناص السلطة بالمحافظة ويتنصل من "الاتفاق الروسى"
- أنقرة تتحالف مع الجولانى بعدم ضرب "متطرفى" إدلب لتستخدمهم كذريعة لسحق الأكراد
- برلين توقف مساعدات بالملايين للسوريين بسبب التعاون "الانتهازى" بين تركيا والقاعدة
فالأتراك لم يكتفوا فقط بدعم الإرهاب واللعب على كل الحبال السياسية، لكنهم أصبحوا كذلك كلمة السر فى تعذيب ملايين البشر بالموت البطىء.
صحيح أن قصة الانتهازية التركية الجديدة ترويها إدلب "المحافظة والمدينة على السواء" دمًا ودمارًا ورهبة ومخاوف لا حدود لها وظروف معيشية وصحية غاية فى السوء والتدهور، إلا أن كل تفاصيل الحكاية كشفتها ألمانيا فجأة ودون سابق إنذار.
وقررت برلين قبل ساعات قليلة تعليق مساعداتها المالية فضلًا عن الدعم اللوجيستى المقدم من جانبها إلى إدلب السورية، محملة تنظيم القاعدة ممثلًا فى "هيئة تحرير الشام" الإرهابية، جبهة النصرة سابقًا، والتى تبسط سيطرتها على أجزاء واسعة من المحافظة المسؤولية عن ذلك، فيما بدت السياسات التركية المريبة شمال بلد بشار الأسد كسبب آخر رئيسى لتعجيل القرار الألمانى.

وتحت عنوان "لحظة مريرة لسياسة المساعدات التنموية الألمانية وملايين الناس فى منطقة إدلب السورية"، أشارت صحيفة "بيلد" فى تقرير لها ترجمه "مبتدا"، إلى أن القرار الألمانى بإيقاف الإسهامات الإنسانية لبرلين للمنطقة المنكوبة سيؤثر سلبًا على مرتبات مئات الأطباء والممرضات فى 41 مستشفى ومركزاً صحياً، علاوة على إيقاف دعم المدارس بالمواد التعليمية اللازمة، ناهيك بأن عمليات توفير المعدات والمركبات الزراعية وكذا برامج التدريب الإدارى ستصبح جميعها فى مهب الريح.
وتقدم ألمانيا مساعداتها المالية والفنية لإدلب عبر ميزانية وزارة الخارجية، فضلاً عن نظيرتها الاتحادية المختصة بالتعاون الاقتصادى والتنمية، والتى أكدت من جانبها، فى بيان رسمى حصلت "بيلد" على نسخة منه، أن "تعليق مشاريعها فى إدلب يعود فى المقام الأول إلى استيلاء تنظيم إرهابى على السلطة هناك منذ مطلع يناير الجارى".
وكانت وزارة الخارجية الألمانية كشفت فى السياق ذاته أن "هيئة تحرير الشام" استولت فعليًا على مواقع المشاريع الألمانية فى المنطقة بداية العام الجارى.

وتابعت، فى بيان لها، أن هذه المجموعة مدرجة فى الأمم المتحدة كمنظمة إرهابية وثيقة الصلة بتنظيم القاعدة.
ونتيجة لذلك، تم فى البداية إلغاء تدريجى لتدابير تثبيت الاستقرار ودعم الحكم المحلى فى المنطقة، قبل أن يتحول الأمر إلى تعليق كلى للأنشطة كافة بدءًا من 10 يناير.
وترى برلين أن الصراعات المسلحة التى شهدتها المدينة وفجرتها "هيئة تحرير الشام" قد أفسدت كل شىء، حيث قتل على إثرها 312 مسلحًا و111 مدنيًا بين أبريل 2018 و10 يناير 2019، حسب إحصاءات المرصد السورى لحقوق الإنسان.

وكانت هيئة تحرير الشام توصلت فى العاشر من يناير الجارى إلى اتفاق مع فصائل مقاتلة لوقف إطلاق النار فيما بينها بعد معارك دامية استمرت 9 أيام كاملة، حيث نص الاتفاق على "تبعية جميع المناطق" فى محافظة إدلب ومحيطها لـ"حكومة الإنقاذ"، وهى واجهة سياسية تابعة للهيئة.
وجاء فى بيان رسمى للهيئة أنه "وقع اتفاق بين كل من هيئة تحرير الشام والجبهة الوطنية للتحرير (مجموعة كبيرة من الفصائل) ينهى النزاع والاقتتال الدائر فى المناطق المحررة، ويفضى بتبعية جميع المناطق لحكومة الإنقاذ السورية".
ووفق المرصد السورى لحقوق الإنسان أيضًا، فإن هيئة تحرير الشام "قاعدية الجذور" أصبحت تسيطر على 75% من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السورى شمال غربى البلاد، والتى تضم "محافظة إدلب إضافة الى أجزاء من محافظات حلب وحماه واللاذقية".
فى المقابل، فإن "فصائل جهادية أخرى تسيطر على 5% من هذه المساحة، ليبقى نحو 20% بأيدى الجبهة الوطنية للتحرير التى تضم مجموعة من الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا".
وعمومًا، يتواجد فى إدلب عشرات الآلاف من العناصر المسلحة، غير أن معظمهم ينتمون للقوى الإسلامية، وعلى وجه التحديد جبهة تحرير الشام، النصرة سابقًا، واجهة القاعدة فى سوريا، فضلًا عن روافدها مثل مسلحى غصن الزيتون الموالين للأتراك وتنظيم حراس الدين، والحزب الإسلامى التركستانى وقوامه آلاف المقاتلين الشيشانيين والإيجور الصينيين والأوزبك وغيرهم من المقاتلين الأجانب.
أضف إلى ذلك الآلاف من الدواعش، والذين نجح محمد الجولانى، الزعيم الأعلى لهيئة تحرير الشام، فى إقناعهم بالتخلى عن خلافاتهم الإيديولوجية مع القاعدة والتحالف مع أذرعتها، كهيئة تحرير الشام.

على هذا النحو، بدا الوضع معقدًا وبشدة أمام جهود برلين الإنسانية والتنموية فى إدلب، حيث يعيش نحو 3 ملايين نسمة ما بين سكان أصليين وآخرين نازحين، فكان القرار بتعليق صرف مبلغ 15.1 مليون يورو لعام 2019 بشكل مؤقت وغير محدد المدة.
وكانت ألمانيا أنفقت ما بين عامى 2017 و2018 فقط، أكثر من 54 مليون يورو فى صورة مساعدات لتنمية البنية التحتية لإدلب، من بينها ما يزيد قليلًا على 10 ملايين يورو فى برنامج المساعدات الممتد منذ 3 سنوات لـ"دعم عملية الاستقرار والانتقال السياسى فى سوريا".

ولا تبدو الأصابع التركية ببعيدة عن مأساة إدلب الكبيرة، حيث يرى أوميد نوريبور، النائب عن حزب الخضر، عضو لجنة الشؤون الخارجية فى البرلمان الألمانى "البوندستاج"، أن وقف مساعدات البنية التحتية المقدمة من جانب برلين لإدلب، إنما يشكل ضربة قاسية لملايين الناس المحتاجين فى المنطقة، غير أن المسؤولية فى ذلك تقع على عاتق تركيا، التى طالما كانت تعتبر نفسها قوة حماية للمدينة.
نوريبور تابع، فى تصريحات خاصة لـ"بيلد"، أنه على الرغم من وجود 12 مركزًا عسكريًا لتركيا فى إدلب، إلى جانب عشرات الفصائل الموالية، فقد تمكن المتطرفون فى هيئة تحرير الشام من السيطرة عليها دون عائق، وبالتالى فإن الكرة تقع فى ملعب أنقرة.
ويجب على رجب طيب أردوغان أن يضمن فقدان هيئة تحرير الشام السيطرة مرة أخرى، وهى الحالة الوحيدة التى يمكن بعدها أن تستأنف ألمانيا مساعداتها.

ولن تستجيب أنقرة لتلك الفرضية أبدًا، على الأقل فى القريب المنظور، حتى لو أدى ذلك إلى تنصلها رسميًا من التزامها السابق التى كانت قد قطعته على نفسها إرضاءً لموسكو بتطهير إدلب من الإرهابيين.
وكانت أنقرة تعهدت بذلك لمنع عملية عسكرية شاملة كان النظام السورى بالتعاون مع موسكو يستعد لتنفيذها الخريف الماضى لتحرير إدلب من المتشددين، ومن ثم إعلان كامل التراب السورى تحت السيادة السياسية والعسكرية لحكومة بشار الأسد.
أنقرة كانت ستفقد الحجة المطلوبة لاستمرار التدخل فى الشأن السورى فى حال زوال قوى الإرهاب من إدلب ومن ثم تحريرها على يد قوات النظام.

ارتأت بقاء الإرهابيين كواجهة لصراعها الحقيقى مع الأكراد السوريين، ومن ثم ترفع شعار التدخل فى سوريا لوأد المتشددين فى إدلب، بينما هدفها الرئيسى سحق الكرد.
الخبير العسكرى الروسى يورى ليامين، يقطع فى هذا الشأن بأن "أنقرة لا يبدو أنها تريد التورط فى الصراع فى إدلب، لأن قضية تركيا المركزية هى المسألة الكردية".

وتابع فى تحليل منشور له: "إلى حد ما، قد يكون نجاح هيئة تحرير الشام مفيدا للأتراك.. بما أن بعض المقاتلين من الفصائل المهزومة، الذين لا يرغبون فى الانضمام إلى الهيئة مضطرون الآن إلى اللجوء للأتراك فى عفرين، ما يعنى المزيد من لحم المدافع للهجوم على الأكراد، فالمقاتلون بعد خسارتهم كل شىء فى إدلب، سيعتمدون بشكل كامل على الأتراك".
وفى السياق ذاته، كتب المحلل السياسى والعسكرى، أندرية أنتيكوف، فى صحيفة "إزفستيا" الروسية، أن "زعيم النصرة أبو محمد الجولانى عبر عن دعمه لعملية تركية محتملة ضد الأكراد شرقى الفرات، وقد منح ذلك سببا لعدد من وسائل الإعلام للحديث عن تطابق مصالح هذه المجموعة الإرهابية وأنقرة".