البث المباشر الراديو 9090
رئيس كوريا الشمالية
فى النصف الشمالى من شبة الجزيرة الكورية، بشرق آسيا، تقع كوريا الشمالية، تتشارك حدودها مع الصين واليابان، ولا يفصلها عن جارتها الجنوبية إلا شريط عازل، وتسود العلاقات بين البلدين حالة من السلام الواهن، مثله فى ذلك مثل الشريط الذى يفصل بينهما، والذى تم إقراره بموجب اتفاق أشرفت عليه الأمم المتحدة.

وترى البلدين أحقيتها بحكم جارتها، وبالنهاية يستمد البلدين اسمهما من مملكة كوريو، تلك  التى حكمت فى العصور الوسطى، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.  

ورغم انطلاق كوريا الجنوبية كعملاق صناعى هام عالميًا، وصاحبة تحالف مهم مع الولايات المتحدة، إلا أن كوريا الشمالية بقيت حبيسة حكمها الشمولى والاستالينى كما يصفها المحللون، وتحبس أنفاس العالم ودول جوارها معها خشية تجاربها النووية التى لا تتوقف.

ويسيطر حزب العمال على كوريا الشمالية، بنظام الحزب الواحد، تحت ما يسمى بحكم "الجبهة الديمقراطية لإعادة توحيد الوطن"، وتعيش البلد منذ مؤسسها كيم إل سونغ، جد الزعيم الحالى كيم جونغ أون، بنظام الاشتراكية، أو كما يسميه البعض بنظام الزوتشية، وهى إيديولوجيا الاعتماد على الذات وعدم الاعتماد على الآخر، وهو ما يؤكده دستورها الذى تم العمل به منذ 1972.

رئيس كوريا الشمالية

دولة صغيرة تحبس أنفاس العالم

وكما أن الدولة الصغيرة بقيت حبيسة نظامها الاشتراكى وعزلتها عن العالم، إلا أنها تحبس أنفاس العالم معها بسبب تجاربها الباليستية وطموحها النووى الذى لا يتوقف، وفشلت معه كل محاولات التفكيك، إذ يرجع الجدل الدائر حول برنامج كوريا الشمالية للسلاح النووى إلى عقود طويلة من الزمان، لا سيما بعد تعليق المحادثات سداسية الأطراف فى 2006، والتى كان أطرافها "الكوريتين، والصين، واليابان، والولايات المتحدة، وروسيا"، عندما خابت كل الأمال فى أن تقلص البلد الآسيوى من أنشطتها النووية، وكان آخرها عام 2016 عندما أطلقت قذيفة باليستية طويلة المدى.

مسألة كوريا الشمالية تضع جميع الأطراف الدولية أمام معضلة كبيرة، وهى كيف تعيد تلك الدول إحياء عملية دبلوماسية يكون آملها إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووى، وإن لم يكن، فكيف يكون التعامل الأمنى الأمثل مع دولة مثل كوريا الشمالية حائزة لسلاح مدمر؟!

تفجير تمركز أمنى بكوريا الشمالية

حلم مستحيل وتعايش سلمى

يبدو أن مسألة نزع السلاح من كوريا الشمالية لا يمكن أن تتجاوز كونها حلم وأهداف نموذجية، وهو الشعار الذى رفعه السياسى الأمريكى هنرى لويس ستيمسون قبل سنوات طويلة، فالمسألة ليست سهلة مع دولة انعزالية وسريالية، وهو ما يفسر بالنهاية السر وراء فشل المحادثات بين بيونج يانج وسيول وواشنطن، إذ لم تجد كوريا الشمالية خطابًا يلائم طبيعتها القومية لنزع السلاح النووى، فعادت الأمور إلى نقطة الصفر من جديد.لذا يرى شين دينجلى، أستاذ وعميد بمعهد الدراسات الدولية التابع لجامعة فودان فى شنغهاى بالصين، أن تلك المسألة لا يجب أن تدفع المجتمع الدولى للاستسلام والخنوع، وإنما يرى فى النموذج الصينى الأمريكى للتعايش السلمى مثالاً يحتذى به فى التعامل مع بيونج يانج أيضًا بالتعايش السلمى، لافتًا إلى آخر مناورات نووية أطلقتها واشنطن ضد بكين، وأنه لم يكن هناك خيار أمام الصين سوى التعايش السلمى تحت ظلال السلاح النووى الأمريكى.

وأضاف دينجلى أن الصين تعاملت مع التهديدات الأمريكية بحكمة، وتغلبت على الأوقات العصيبة، حتى تمكنت من بناء القنبلة الذرية للصين، بل والتزمت حتى بعد ذلك بضبط النفس عندما وضعت سياسة الحد الأدنى للردع. ثم حدث فيما بعد أن قامت بكين بتطبيع العلاقات مع واشنطن متناسية فى هذا الوقت المشكلة الشائكة، فى إشارة منه إلى بيع السلاح الأمريكى لتايوان.

وأضاف أنه فى الوقت ذاته، لم يكن أمام الولايات المتحدة سوى الإذعان للواقع القائل بوجود الصين الحائزة للسلاح النووى، خاصة بعد أن اتخذت واشنطن قراراها بعدم البدء بهجوم عسكرى ضد برنامج السلاح النووى الوليد لبكين. وانضمت الصين فى نهاية الأمر إلى معاهدة منع الانتشار النووى، وأصبحت طرفا نوويا مسئولًا ومعنيًّا بالأمر، وأفلحت واشنطن فى التعايش السلمى مع الصين الحائزة للسلاح النووى لمدة تزيد الآن عن نصف قرن من الزمان.

كوريا الشمالية والصين

وبالنظر إلى الفرضية التى يعرضها الأكاديمى الصينى، فإن تطبيق نفس المنطق على كوريا الشمالية يعد أمرًا مثاليًا، خاصة وأن العالم والمجتمع الدولى لا يملك آليات عسكرية تمكنه من القضاء على الموارد النووية، لذا يصبح التعايش السلمى مع نووى كوريا الشمالية أمرًا حتميًا.

وفى هذه الحالة يرى الأكاديمى الصينى أيضًا أن الحل الأمثل والنموذجى هو السعى لقولبة السلوك النووى لكوريا الشمالية، أملاً فى التصرف بحكمة ومسؤولية عن ذى قبل، على سبيل المثال تبنى بيونج يانج للسياسة النووية المحدودة لعدم البدء بالاستخدام، وهو أمر يستحق القبول الدولى والثناء.

شروط خمسة ويد ممدودة بالسلام 

ويشير المتخصصون إلى مساعى كوريا الشمالية لقبول دولى بين الأمم، وهو ما تؤكده تلك الحملة الدعائية التى أطلقتها بيونج يانج فى شهر يناير 2016، رافعة خمس شروط مسبقة نظير نزع السلاح النووى، وكان من بين هذه الشروط نزع القوات الأمريكية من الجنوب، وهو مالم تعره إدارة باراك أوباما أى اهتمام فى ذلك الوقت.

وكانت شروط الشمال الكورى عادلة فى مجملها، إذ طالب بألا تهاجم الولايات المتحدة بيونج يانج باستخدام السلاح النووى، ولا تهدده باستخدامه.

وواقعيًا، فإن مسألة النزع الكامل للسلاح النووى على المدى القريب ليست أمرًا منطقيًا، وهو ما تصر عليه الولايات المتحدة، بينما يؤكد المتخصصون أن مجرد التخفيف من حدة التوتر وتعزيز القيود النووية هما أمران مثاليان وهدفان نموذجيان فى حد ذاتهما، ونقطة انطلاق لطمأنة الجانب الكورى الشمالى ونزع كامل للسلاح النووى فيما بعد.

وبطبيعتها كدولة صغيرة، وذا مقومات ضعيفة، فإن عدم الثقة السياسية يقف دائمًا كسبب رئيسى وراء كل عائق يقوض نزع السلاح النووى من شبه الجزيرة الكورية، ما يؤكد ضرورة تخلى واشنطن عن سياستها "كل شئ أو لا شئ"، إذ يتوجب على ترامب أن يحقق فرصة تاريخية بتعزيز الثقة مع الجانب الكورى وألا يصل إلى نقطة الصفر التى انتهت إليها جهود أسلافه فى الإدارة الأمريكية دائمًا.

وفد كوريا الجنوبية لدى كوريا الشمالية

«كل شئ أو لا شئ».. الحلم الأمريكى المحال

ورغم سلاح العقوبات الدولية المتصل، وتعليق المحادثات بين الأطراف الستة، كانت بيونج يانج تعلن فى يناير 2016 عن إجراء الاختبار النووى الرابع بنجاح، وترددت فى وسائل الإعلام الكورية الشمالية الأنباء عن إجراء الاختبار تلك المرة على قنبلة نووية حرارية.

المراقبون الدوليون ساروهم الشك فى تلك الدعايات الكورية، إلا أن المغزى كان واضحًا، وهو أن البلد الآسيوى الصغير مستمر فى تجاربه النووية، فى تحد للمجتمع الدولى، وتجاهل للضغوط المفروضة حوله من سلاح العقوبات.

فى ذلك الوقت رفعت إدارة باراك أوباما الديمقراطية شعار "النزع التام والنهائى للسلاح النووى وبشكل يمكن التحقق منه"، وهو نفس الخطأ الذى وقعت فيه إدارة ترامب الجمهورية عندما رفعت شعاره "كل شئ أو لا شئ"، دون النظر الواقعى لأسباب كوريا الشمالية المنطقية فى ضرورة حيازة السلاح النووى أيًا كانت التداعيات.

ترامب وكيم

تداعيات ومخاوف السيناريو الألمانى

ويوضح أندرى لانكوف، الأستاذ بجامعة كوكمين بسيول، والمتخصص فى الشؤون الكورية الشمالية، أن تلك البلد الديكتاتورية الصغيرة تتولى النخبة أمرها بالوراثة، ويحيط بها جيران عدائيين أكثر منها ثراءً، بينما الوضع الداخلى يشير إلى قادة يواجهون تهديدًا مستترًا بقيام ثورة شعبية، وتعتريهم المخاوف من هجمات أمريكية، وتتفاقم المسألة بجارتهم كوريا الجنوبية.

ويشير الباحث الكورى إلى أن هذه الأمور كلها تداعيات تؤكد مخاوف كوريا الشمالية من تكرار السيناريو الألمانى، أى انهيار نظام يليه استيعاب البلد بأكمله داخل دولة مجاورة أكثر ثراءً، وساعتها سيكون شعب كوريا الشمالية مضطرًا للترحيب بتلك الخطوة كما كان من شعب ألمانيا الشرقية من قبل.

ووفقًا للباحث لانكوف، فإن هذه المسألة تلخص مخاوف النخبة الحاكمة، أولاً بضياع السلطة، وثانيًا ما قد يترتب على ذلك من دفع ثمن انتهاكات حقوقية على مدار العقود الماضية، ما يدفع نظام بيونج يانج نحو التسلح النووى كرادع للعزو الأجنبى.

ويؤكد المتخصصون أن زعماء كوريا الشمالية تعلموا من التاريخ جيدًا، وأن مساومتهم على نزع السلاح النووى مقابل المزايا الاقتصادية ـ كحل سلمى ـ أو اتخاذ المزيد من العقوبات الدولية ضدهم ـ كإجراء لا سلمى ـ لن تفلح جميعها فى إقناع كوريا الشمالية بالتخلى عن سلاحها النووى، ولن تغريهم مجرد الوعود البراقة، فضياع السلطة من زعماء كوريا الشمالية لا يعنى كتابة مذكراتهم فى زاوية بهدوء، وإنما معناه السجن أو موعدًا مع اللا عودة.

صور تثبت ترقية جديدة لشقيقة زعيم كوريا الشمالية

العقوبات.. سلاح باطل المفعول

رغم عدم الرضا الصينى عن طموح كوريا الشمالية النووى، إلا أنها تفضل الوضع القائم وحالة اللا سلم واللا حرب بين الكوريتين، ولدى بكين قناعات منطقية فى موقفها الذى يدفعها دائمًا لمساعدة كوريا الشمالية فى تخفيف حدة العقوبات الدولية بالمساعدات الإنسانية لبيونج يانج، ما يجعل من العقوبات الأمريكية سلاحًا فاقد المفعول، لذا ستبقى العقوبات سلاحًا غير قادر على تحقيق النتائج السياسية المرجوة على أرض الواقع، حتى لو تأذى منها الاقتصاد الكورى الشمالى حد الانهيار، لا سيما وأن الشعب لا يعرف سوى حكومته ويعيش مواطنو كوريا الشمالية حالة أشبه بما عاشه السوفيت تحت حكم ستالين.

التقلب الأمريكى فى التعامل مع كوريا الشمالية بسياسة العصا والجزرة، أو السلمى واللاسلمى لن يجدى نفعًا مالم تتفهم واشنطن طبيعة الحياة فى كوريا الشمالية والمخاوف التى يعيشها زعماء تلك البلد ونخبتها، فحتى لو قبل الكوريون بتحميد السلاح النووى، إلا أنهم سيصرون على الاحتفاظ بأساس سلاح الردع الذى يرونه مسألة حياة أو موت، وهو أمر واقعى حتى وإن لم يكن على هوى الإدارات الأمريكية المتعاقبة.  

كوريا الشمالية تستعرض قوتها العسكرية

غطرسة المتفاوضين

ويطرح تشونج إن مون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة يونسى بكوريا الجنوبية، التساؤل الأهم، وهو كيف الخلاص من المأزق النووى لكوريا الشمالية؟ مؤكدًا "لم نجن من وراء فرض العقوبات سوى القليل"، كما أن المواجهة العسكرية خيارًا غير قابل للطرح. كانت ولا زالت المفاوضات هى السبيل الوحيد للسير قدمًا، غير أن هذا ينطبق فقط حال نجاح تلك المفاوضات، بمعنى أن يتسم القائمون على أمر التفاوض بالعملية والمرونة والاستعداد للإنصات باهتمام إلى بيونج يانج.

ويشير مون إلى أن سلاح العقوبات لن يجدى نفعًا فى مسألة كوريا الشمالية، مؤكدًا أن كوريا الشمالية ليست إيران، وإنما هى مجتمع متقارب للغاية ومعتاد على أمر العقوبات. ومن غير المحتمل فى الوقت ذاته أن تفرض الصين عقوبات من شأنها أن تقوض من استقرار الشمال، هذا بينما يرتكز النموذج السلوكى لبيونج يانج على مبدأ كلما زاد الضغط زاد التمرد. ويبدوا أن ربط العقوبات بانهيار النظام، وهى فكرة رائجة فى سيول وواشنطن وطوكيو كذلك، فكرة متغطرسة غير رشيدة.

ووفقًا للباحث الكورى، تظل السياسة الواقعية مطلبًا لا مناص منه فى تلك المرحلة الحرجة، وعلى المتفاوضين مع كوريا الشمالية أن يعلموا علم اليقين أن الوقت ليس فى صالحهم على الإطلاق.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون

«زر نووى» وتهديدات علنية

فى مطلع يناير2018، قال كيم جونغ أون، خلال خطابه بمناسبة العام الميلادى الجديد، إنه يملك زرًا نوويًا على مكتبه قادر على تدمير أمريكا، وعلى الفور رد ترامب مغردًا "أبلغوه أنى أملك أيضًا زرًا نوويًا على مكتبى، ولكنه أكبر ويعمل".

وتراشق زعيما البلدين، كوريا الشمالية والولايات المتحدة، الشتائم والأوصاف الشخصية الرزيلة، ما بين "مختل عقليا، والقصير البدين، والرجل الصاروخ"، وغيرها من الأوصاف السلبية، إلا أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فاجأ حشدًا من أنصاره، عندما قال، إنه والزعيم الكورى الشمالى كيم جونغ أون "وقعا فى الحب"، فى أحد خطاباته، حيث أثار ضجة كبيرة بحديثه.

ترامب وكيم يونج أون

وفجأة بدأت الأحاديث حول مساعٍ لانعقاد قمة بين الزعيمين المتعاركين وكانت كوريا الجنوبية وسيطًا جيدًا فى المسألة، وبدأت بوادرها تظهر فى التصريحات فيما بينهما.

تحدث ترامب مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فى 11 يناير 2018، قائلاً، إن لديه علاقة جيدة مع كيم جونغ أون، وكانت نقطة محورية لما يمكن أن نسميه "محبة بعد عداوة".

وعبّر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى اليوم التالى مباشرة، أثناء لقائه مع قادة أمريكيين البيت الأبيض، عن رغبته فى إجراء محادثات مع كوريا الشمالية، ولكن تحت شروط صحيحة.

أول لقاء تاريخى يجمع ترامب وكيم

«بوادر ومحادثات لنزع السلاح النووى»

صرح مبعوثون من كوريا الشمالية بعد مقابلتهم مع كيم جونغ أون فى 6 مارس 2018 أن الجانب الكورى الشمالى على استعداد لنزع السلاح النووى، وأن كوريا الشمالية ليس لديها النية للإبقاء على سلاحها النووى إذا تم القضاء على التهديد العسكرى ضد الشمال وضمان أمنه.

بعدها جاءت القمة الأمريكية - الكورية الشمالية، وكان اللقاء بين الزعيمين وديًا للغاية على عكس التصريحات السابقة، ولم يظهر فيه سوى مصافحات بين الزعيمين، ونشوة ترامب بتحقيق ما لم يقدر عليه سابقوه من رؤساء أمريكا، فقد تمكن أخيرًا، من عقد اتفاق غير مسبوق مع زعيم كوريا الشمالية، ومضمونه الأساسى نزع السلاح النووى.

وتوالت قمة، فالثانية، حتى كانت الثالثة والأخيرة فى العاصمة الفيتنامية هانوى، عندما فقد الجميع أعصابه وبدأت أمريكا تعلنها صريحة "كل شئ أو لا شئ"، وعاد الزعيم الكورى إلى بلاده يصب وابل غضبه على أفراد الإدارة الأمريكية ويتهم القائمين عليها بالغباء والكذب، لتنهار المحادثات مجددًا، وتبقى مسألة النووى فى كوريا الشمالية عالقة دون حل، وعودة إلى نقطة الصفر.

ترامب وكيم
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز