غزوة بدر الكبرى
وخلال السطور التالية سنتعرض بإيجاز شديد لأهم خطوط هذه المعركة الفاصلة، وأهم ما فيها من دروس وعبر....
وقتها
غزوة بدر الكبرى وقعت فى الـ 17 من شهر رمضان المبارك فى العام الثانى من الهجرة، والموافق 13 مارس عام 624 بالتاريخ الميلادى، بين المسلمين بقيادة الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وقبيلة قريش ومن حالفها من العرب بقيادة عمرو بن هشام الشهير بـ "أبى جهل".
مكانها
سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى منطقة بدر التى وقعت المعركة فيها، وهى بئر مشهورة تقع بين مكة والمدينة المنورة.

خط سير الرسول وأصحابه
خرج الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، قبل الغزوة بعدة أشهر ومعه 150 أو 200 من المهاجرين لاعتراض قافلة تجارية لقريش كانت قريش قد استولت فيها على أموال المهاجرين الذين هجروا بيوتهم إلى المدينة تنفيذً لأمر الله، وقد كانت ذاهبة من مكة إلى الشام، فلما وصل النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى مكان يُسمى "ذا العشيرة" وجد العير قد فاتته، فلما اقترب رجوع القافلة من الشام إلى مكة، بعث الرسول الكريم طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، إلى الشَّمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى منطقة تسمى الحوراء، ومكثا حتى مرت بهما القافلة فأسرعا إلى المدينة وأخبرا الرسول بالخبر.
وعندما جمع الرسول الكريم المعلومات عن القافلة خرج مع عدد قليل من أصحاب، ولم يعزم على أحد بالخروج، لأنه لم يكن يتوقع عند هذا الخروج أنه خارج للقتال فى معركة مع قريش، ولذلك تخلَّف كثير من الصحابة فى المدينة، ولم يُنكِر على أحد تخلفه فى هذه الغزوة، ومن المؤكد أنه حين خرج الرسول محمد من المدينة لم يكن فى نيته قتال، وإنما كان قصده قافلة قريشٍ التى كانت فيها أموال كان جزء منها للمهاجرين المسلمين من أهل مكة.
ثم نزل الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر للرسول: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل.. أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟"، قال: "لا بل هو الرأى والحرب والمكيدة"، قال: "يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، ثم نبنى عليه حوضًا فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون"، فأخذ الرسول الكريم برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه.

أحداث «يوم الفرقان»
بات المسلمون ليلة المعركة "ليلة الـ 17 من رمضان"، وقد أنزل الله على جميع المسلمين النعاس حتى يستفيقوا لها، قال تعالى: " إذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَام".. أما الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، فقد ظل يصلى ويبكى حتى أصبح.
ثم بدأ الرسول بالتخطيط للمعركة، فصفَّ المسلمين فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبل أعداؤه الشمس حتى تؤذى أشعتها أبصارهم. كما أخذ يعدل الصفوف ويقوم بتسويتها لكى تكون مستقيمة متراصة.. ثم بدأ الرسول بإصدار الأوامر والتوجيهات لجنده، ومنها أنه أمرهم برمى الأعداء إذا اقتربوا منهم، وليس وهم على بعد كبير، فقد قال: "إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل"، كما نهى عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف، فقال: "ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".
ثم وصل جيش الكفر إلى ميدان المعركة، ثم كعادة العرب فى الحروب، خرج من جيش قريش 3 رجال، هم "عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة"، وطلبوا المبارزة، فأمر الرسول الكريم أن يخرج إليهم "عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبدالمطلب، وعلى بن أبى طالب".

وبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز على الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر بضربة موجعة، فكرَّ حمزة وعلى على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة وأتيا به إلى الرسول الكريم، ولكن ما لبث أن تُوفّى متأثرًا بجراحه، فقال الحبيب المصطفى: "أشهد أنك شهيد".
ولما شاهد جيش قريش قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة غضبوا وهجموا على المسلمين هجومًا عامًا، فصمد وثبت لهم المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبال كما أمرهم الرسول، ثم أمرهم الرسول بالهجوم، قائلاً: "شدوا، وواعدًا من يُقتَل صابرًا محتسبًا بأن له الجنة".
وقد ابتكر الرسول الكريم فى قتاله مع أعدائه يوم بدر أسلوبًا جديدًا فى مقاتلة الأعداء، لم يكن معروفًا من قبلُ عند العرب، فقاتل بنظام الصفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن فى سورة الصف ، حيث قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص".
ويعتمد هذا الأسلوب أن تكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التى خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها من المهاجمين على الأعداء، واتبع الرسول الكريم أسلوب الدفاع ولم يهاجم قوة قريش، وكانت توجيهاته التكتيكية التى نفذها جنوده سببًا فى زعزعة مركز العدو، وإضعاف نفسيته ومن ثم انتصار المسلمين، وهزيمة المشركين هزيمة ساحقة.
عدد قتلى المسلمين واليهود
انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين على قريش، وكان قتلى قريش 70 رجلاً، وأُسر منهم 70 آخرون عاملهم النبى أرقى معاملة وفك أسرهم كما قالت الروايات بأن يعلم كل واحد منهم 10 من المسلمين القراءة والكتابة، وكان أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم، بينما استُشهد من المسلمين 14 فارسًا مغوارًا.

الدروس المستفادة
يأتى على رأس الدروس المستفادة من تلك الغزوة الخالدة، التأكيد على مبدأ الشورى، فحينما انطلق جيش المسلمين لمواجهة الكفار، نزل النبى عليه الصلاة والسلام موقعاً أدنى ما يكون إلى بدر، فاستفسر الصحابى الجليل الحباب بن المنذر من النبى عليه الصلاة والسلام عن اختياره لهذا المكان إن كان أمراً من الله تعالى أم الحرب والمكيدة، فقال له النبى: بل الحرب والمكيدة، فأشار الحباب على النبى بالرأى سالف الذكر.
ومن تلك الدروس، عدم الاستهانة بالعدد وعدم الخوف من أى أحد والثقة فى نصر الله طالما تم الأخذ بالأسباب، فقد كان عدد المسلمين فى "بدر" 319 مجاهدًا، بينما كان المشركون ثلاثة أضعافهم أو يزيد، وعلى الرغم من ذلك فقد استطاع المسلمون تحقيق النصر، وهزيمة المشركين حينما قتلوا منهم 70 رجلًا، وأسروا 70 آخرين، وما كان ذلك النصر إلا بفضل جنود الله التى أيد المسلمين بها، ثم ثبات المسلمين فى أرض المعرك، والتخطيط الجيد من القائد والمعلِّم النبى الكريم، محمد، صلى الله عليه وسلم.
ولنا فى موقف النبى الكريم مع أسرى المشركين الأسوة والقدوة، حيث لم يأمر بقتلهم، ولا إهانتهم، وإنما عفا وصفح عنهم فى مقابل شىء بسيط يدل على تقدير الإسلام للعلم، حيث أمر النبى أن يعلم كل أسير 10 من المسلمين القراءة والكتابة ليؤكد مكانة العلم والتعلم التى بها ترتقى أى أمة على وجه الأرض.