الباحث أوريجانوس الباجوشى
وفى هذا الحوار، يفجر الباحث المتخصص فى المخطوطات المسيحية إسحاق إبراهيم الباجوشى، والملقب بـ"أريجانوس"، مفاجأة كبرى، حيث يؤكد بالأدلة وجود أكثر من دستور مكتوب للكنيسة القبطية، يعود للقرن الثانى عشر الميلادى، وآخر طُبع فى بداية القرن العشرين.
الباحث من مواليد ملوى بتاريخ 3 يناير 1979، حصل على ليسانس الحقوق فى 2004، ثم دبلوم معهد الدراسات المسيحية قسم علم اللاهوت عام 2014، بتقدير امتياز، ثم دبلوم قسم الآثار المسيحية من ذات المعهد عام 2018، بتقدير جيد جدًا وكان الأول على هذه الدفعة، ويقوم بإعداد رسالة ماجستير فى علم اللاهوت موضوعها كتاب "نظم الدر والجوهر" وفيه الرد على القضاء والقدر لابن المقفع، ويقوم بتدريس مادة علم المخطوطات بمركز القديس مار مرقس للدراسات الليتورجية بالقاهرة تحت إشراف الأنبا روفائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، وكذلك فى مدرسة تيرانس للتعليم اللاهوتى والوعظ بالإسكندرية ويرأس تحرير مجلة "الصخرة القبطية".
أوريجانوس.. لماذا تلقب نفسك بهذا الاسم؟
اسم أوريجانوس سيظل اسمًا محيرًا للكثيرين، فقد اختلف عليه قديسين مع قديسين، وأعتز بهذا الاسم الذى لُقب بالرجل الفولاذى، وأمير شراح الكتاب المقدس، وهو فى مقدمة العلماء المضطهدين، ثانيًا: كان لدى مشروع فى عام 1998 وهو عمل دراسة على الكتاب المقدس مستوحى من الهاكسبلا "أى السداسيات" والتساعيات التى عملها أوريجانوس.

وظللت أفكر فى كيفية التنفيذ، ولكن دون جدوى، مع ضيق اليد، وأيضًا عدم التأهيل العلمى الكافى للعمل حاد دون تنفيذ هذا الحلم ولكن يبقى المشروع حلمًا أن تنفذه إحدى المؤسسات الدولية، وهو عمل نسخة كتاب مقدس كاملة بعدة أنهار، مثلًا العهد القديم "النص العبرى- النص العبرى بحروف لاتينية (إنجليزية) النص اليونانى- النص اليونانى بحروف إنجليزية- النص المسيحى الصعيدى- النص المسيحى البحيرى- النص السريانى- النص العربى- النص اللاتينى- الترجمة باللغة الإنجليزية" سبع نصوص من خلال المخطوطات وقراءة من خلال العلماء ثم ترجمة دقيقة.
هذا الحلم كان جزءًا من دراسة الكتاب المقدس التى تربينا فيها من خلال آباء وخدام كنيسة العذراء بملوى، ثم قمت بعمل بحث غير مكتمل وغير منشور عن "أوريجانوس المُفترى عليه، وهل يمكن الرد على الهرطقات المنسوبة إليه من خلال كتاباته؟"، وسبق وكتبت 9 مذكرات دراسية عن الكتاب المقدس، والعقيدة، وأقوال الآباء مستوحاة من أسئلة التكريس والرهبنة التى سبق وامتحننى فيها الأنبا ديمتريوس تحت اسم "أوريجانوس الباجوشى"، "أثناسيوس الملوانى" وانتشرت وتداولت بين الكثيرين فى ملوى، ولم يكن يعرف أحد أنى الكاتب لئلا يحدث تصادم فى وقت كان الكل يمتنع عن النشر فيه، وهذا ما جعلنى أحتفظ وأعتز بهذا الاسم.
قدمت دراسات حول مدينة ملوى وأيضًا إقليم المنيا. ما موقعها فى التاريخ المسيحى ومن هم أشهر رموزها؟
نعم نشرت مجموعة من الأبحاث والنشرات عن ملوى، وهى مدينة عظيمة، ومنها بحث عن: "المختصر فى تراجم من ملوى" الجزء الأول، وبحث عن: "تاريخ قرية البياضية- ملوى"، وبحث عن: "تاريخ دير الملاك الريرمون"، وبحث عن: "اعرف بلدك قرية دير أبو حنس"، بالمشاركة مع بيجول أنسى، وخلف شحاتة، وتمت طباعته.

أيضا أعددت بحثًا عن: "مدينة أنصنا وأديرتها وكنائسها وأشهر شخصياتها"، وآخر عن: "نُساخ بردنوها ومخطوطاتهم"، بالمشاركة مع يوستينا القمص، وتم نشر الجزء الأول والجزء الثانى قيد النشر، وبحث عن: "الأرشدياكون نجيب جرجس مرقس" بتقديم من الأنبا ميخائيل مطران أسيوط وتم تسليمه للمطبعة فى 2011 ولكنها لم تصدره للآن، وبحثًا عن: "مرقس مشرقى الملوانى وكتاباته" وبحثًا عن: "يوحنا البهنساوى وأعماله"، وبحثًا عن: "تاريخ ملوى فى العصر الحديث" والذى طلبته منى لجنة إعادة افتتاح متحف ملوى، والذى كان مزمع نشره فى الكتيب التعريفى الخاص بالمتحف وتاريخ ملوى والذى لم يُطبع للآن.
ومن ضمن الأبحاث التى أعددتها، بحث عن: "الحياة النيابية بملوى" وأعمال وسير بعض النواب فى مجلس شورى النواب إلى مجلس النواب الحالى، وطلبت من حزب المصريين الأحرار ممثلاً فى سكرتاريته فى ملوى طباعته، وبحث عن: "أضرحة ملوى وأولياؤها" وساعدنى فى هذا البحث الأستاذ قاسم على قاسم ومحمد رمضان ومحمود السبروت وأيضا القس أريانوس عادل إسحاق من خلال علاقاته الطيبة بشيوخ القرى المجاورة، والرجوع لكتاب سعاد ماهر وكذلك أحمد أنور الصناديقى مؤرخ ملوى، وبحث عن: "المؤرخ أحمد أنور الصناديقى وأعماله" فى مؤتمر تحوت الأدبى عام 2014.
أما عن سمالوط، فقد قمنا تحت رعاية وإشراف البروفيسور أشرف إسكندر صادق، أستاذ المصريات والقبطيات بجامعة ليموج بفرنسا، ورئيس مجلس إدارة موسوعة عالم الأقباط الفرنسية، مع الأستاذ حنا عايد والأستاذ شنودة رزق الله وبيجول أنمسى وجرجس إبراهيم، بتأسيس متحف قبطى فى سمالوط، وقمنا فى خلال فترة وجيزة بعمل تقارير علمية عن 58 كنيسة ومكان أثرى بالإيبارشية بإعداد تقرير عن جميع المخطوطات والمعادن والأخشاب للإعداد لتجهيز المتحف، وتوقف العمل بعد ذلك لظروف خاصة بالأب المطران، ولكن خلالها قمت ويشاركنى بيجول بإعداد فهرس للمخطوطات والمعادن وتاريخ كهنة الايبارشية وكذلك أثناء تواجدى قمت بعمل بعض الأبحاث منها.
ما هو هدف مؤتمر أصدقاء التراث العربى وأهم ثماره؟
الهدف الرئيسى من المؤتمر خروج كتابات الآباء والمعلمين التى صيغت باللغة العربية للنور، ولكن من أهم ثماره الجلوس على مائدة واحدة مع جميع الطوائف والأديان حول تراث مسيحى يمكن أن يشارك فى دراسته الجميع دون التدخل فى مناقشة صحة أو عدم صحة المعتقد، مثال مناظرة راهب مسيحى مع يهودى حول دراسة للنص وقدمتها الدكتورة نهى الشعار من جامعة الشارقة، فهى مسلمة تقدم دراسات عن اليهود والمسحيين، وكذلك يقدم الأب وديع أبوالليف دراسة عن ابن المقفع أسقف يعقوبى"، ويقدم القمص يوسف الحومى عن "الوزراء فى عهد الفاطميين"، وهم من النساطرة، وهو أرثوذكسى.

ويقدم الدكتور القس وجيه يوسف عن "عمار البصرى النسطورى"، وهو بروتستانتى، ويعد المؤتمر الوحيد المسكونى منذ النشأة، من أهم العناصر فيه المهندس عصام عياد ونبيل فاروق فايز، وكثير مما ذكرناهم، ومن ثماره أيضًا وجود دورية علمية محكمة للتراث العربى المسيحى فى مصر، يهتم بها الأب ميلاد شحاتة، تصدر عن مركز الثقافى الفرنسيسكانى ويرأس تحريرها الدكتور باسم سمير الشرقاوى.
من خلال دراساتك حول أساقفة العصر الأُموى. هل بالإمكان أن تشرح لنا وضع المسيحيين فى هذا العصر؟
قام المسيحيون فى هذا العصر بعدة ثورات لصد وطرد المغيرين للبلاد حينذاك، ولكن لعدم درايتهم الكافية بالحرب والخيانة التى تعرضوا لها من البعض، لم يحالفهم الحظ، ومن خلال دراسة أساقفة ذلك العصر، يتضح لنا جليا كثرة الأسقفيات، وكثرة عدد المسيحيين والكنائس، ومدى المعاناة التى قاساها المسيحيون فى حكم الأمويين.
ما أهمية مدينة أنصنا الأثرية وما المطلوب للاهتمام بأطلالها؟
إذا تحدثنا عن مدينة أنصنا، التى تقع شرق النيل بمدينة ملوى، يعوزنا المجلات، فكيف نجمع بحرًا فى زجاجة؟! فقد تعاقبت فيها الحضارات منذ فجر التاريخ، مرورًا بعصر الأسرات الحاكمة لمصر وكذلك العصر البطلمى والرومانى والمسيحى وصولا للحكم الإسلامى، فقد كانت أنصنا أولى المدن التى تأخذ حكمًا ذاتيًا وليس ذلك فحسب، بل سُمح للمصريين بالزواج من الرعايا اليونانيين والرومان، وبها العديد من المقابر والمعابد والمسرح وقوس النصر والأديرة والكنائس والمدن القديمة التى تحتاج إلى اهتمام خاص من دراسة وترميم وتنشيط سياحى واقتصادى.
كيف ترى حالة التعدد فى المراكز البحثية المسيحية المنتشرة حاليًا؟
تعدد المراكز البحثية يُثرى الدراسات المسيحية ويعمقها ويوفر حالة من التنافس العلمى وليس التزاحم، ويمكن للكثير من المسيحيين وغيرهم من الدراسين الاستفادة من ذلك بشكل أوسع من خلال إصدارات تلك المراكز ومحاولة النهوض بهذه الدراسات بشكل أفضل.

ما هى معوقات البحث فى مجال القبطيات حاليا وكيف يمكن مواجهتها؟
"هذا المجال مالوش سوق، ومفيش عليه طلب كثير داخل مصر، والباحث فى القبطيات الحقيقى يبحث لأجل البحث وإفادة الكنيسة والمجتمع والعلوم المسيحية، ويشعر بأنه همه وليس اهتمامه.. لا يستطيع أن يحمل همك إلا أنت، وأذكر هنا أحد الشباب "طالب فى الصف الثالث الثانوى" حين قال لى: "أنا لا أرضى لنفسى أن أهتم بالقبطيات لأنه مجال يجعل صاحبه فقيراً لا يستطيع أن يجد قوته ولا يُدعم من أحد، وكذلك يرتاد هذا المجال المتسلقون أحياناً لأجل الشهرة والمكانة ليس إلا".
ومن المعوقات فى هذا المجال عدم وجود مراكز بحثية جادة تضم باحثين جادين إلا فيما ندر، وإذا وُجد فهو لا يتقاضى قوت يومه مع أن إنتاجه يفوق ما يستطيع الأجانب تقديمه، والذين يجدون المقابل المعنوى والمادى، ثانيا: انتشار السرقات العلمية والنقل فى الآونة الأخيرة، ثالثًا: عدم توافر المصادر والمراجع بشكل كافٍ، يمكن التغلب على ذلك من خلال تفعيل حقيقى لدور "الأكاديمية القبطية اللاهوتية" التى تحدث عنها قداسة البابا تواضروس الثانى فى مؤتمر النهوض بالتعليم اللاهوتى والكنسى، والاستفادة من كوادر الشباب الباحثين وكذلك من العلماء المسيحيين الذين هم بالحق مسيحيون وليس متأقبطين، وتفعيل دور المراكز العلمية والبثية فى النهوض بذلك دون الخوض فى حروب فارغة لا طائل منها.
طالب المجمع المقدس بإصدار دستور لتعاليم الكنيسة. فهل هناك دساتير إيمان سبق إصدراها للكنيسة القبطية الأرثوذكسية؟
نعم كتاب اعترافات الآباء الذى أُعد فى القرن الثانى عشر تقريبًا، هو ما يعبر عن دستور الإيمان، ثم تلاه رسائل إيمانية وفى القرن العشرين كتاب "شرح فصول دستور الإيمان حسب تعليم كنيسة القبط والحبش والسريان" الذى صدر عام 1906 فى 200 صفحة بمطبعة التوفيق وقام بإعداده القمص ميخائيل المقارى والقمص سلامة منصور ويقع الجزء الأول وهو عبارة عن الكاتشيزم "أى التعليم" فى شكل سؤال وجواب، والذى ربما جاء ردًا على التخبط الذى حدث بسبب انتشار الكاثوليكية والبروتستانتية وكذلك كتاب "شرح التعليم المسيحى وقواعد الإيمان الكاثوليكى" تأليف كيريوس بطرس الجريجيرى، مطران بانياس، والذى أعده فى 1872، والذى جاءت طبعته الرابعة قُبيل صدور دستور الكنيسة القبطية بقليل، وهو ما تحاول الكنيسة اليوم عمله، ونرجو الاستعانة بكتاب اعترافات الآباء، وكذلك كتابات الآباء، وإجماع الكنيسة.

ما الدراسة التى تعمل على إتمامها حاليا؟
تحقيق كتاب "أقليم المنيا فى العصر المسيحى" من إعداد المؤرخ والعالم القمص ميصائيل بحر جرجس "1903- 1983" والذى نشر أجزاء منه فى مجلة صوت الشهداء من "1959- 1969" وسرد فيه تاريخ أسقفيات مديرية المنيا وكذلك أساقفتها وقديسيها وإدارتها وكنائسها وزيارة البطاركة إليها، ويشاركنى فى التحقيق الأستاذ خلف شحاتة ملك، والأستاذ بيجول أنسى إسحق، ويشرف على التحقيق الأستاذ الدكتور أشرف إسكندر صادق، والاستاذ الدكتور جلال أحمد أبوبكر.
وهناك دراسة ثانية عن الكهنة والأراخنة فى المنيا فى القرن التاسع عشر والعشرين، وهو عمل جماعى أيضا ينضم إليه الأستاذ عماد حرز مع بيجول وخلف.