البريكست
وللمرة الأولى منذ حرب فوكلاند 1982، يعقد مجلس العموم البريطانى جلسة استثنائية، غدًا السبت من أجل التصويت على القرار الأخطر سياسيًا واقتصاديًا فى تاريخ بريطانيا، "البريكست".
ولم يبقى أمام رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون، وقتًا طويلاً، إلا أنه يبذل قصارى جهده لإقناع البرلمانيون فى بلاده بأهمية إقرار الاتفاق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، لا سيما وأنه تمكن أخيرًا من الوصول إلى اتفاق جديد مع التكتل الأوروبى الذى ضاق ذرعًا بملف البريكست وما أثاره من توترات داخل الاتحاد.

اتفاق بشق الأنفس
الوقائع تؤكد أن جونسون الذى وصل إلى السلطة فى نهاية يوليو الماضى، فقد بالفعل غالبيته البرلمانية فى مجلس العموم، ولم يعد لديه سوى 288 نائبا، بينما يحتاج إلى 320 صوتا لتمرير الاتفاق الذى توصل إليه بشق الأنفس.
وإذا فشل جونسون فى الحصول على تصويت البرلمان لإقرار البريكست هذه المرة، فلن يكون أمامه سوى بروكسل بإرجاء جديد للملف، على أن يكون الإرجاء هذه المرة لمدة ثلاثة أشهر، وذلك بموجب القانون الذى صوت عليه النواب فى مطلع سبتمبر الماضى فى مجلس العموم، وبينهم 21 منشقا عن حزب جونسون "المحافظين".
فوائد لن تتكرر فى اتفاقات أخرى
ويبدو أنه بالرغم من القلق الذى يساور الجميع بشأن اعتماد الاتفاق، إلا أن رئيس وزراء بريطانيا بات أكثر ثقة هذه المرة فى اعتماد الاتفاق، وهو ما عبر عنه مؤكدًا "ثقته المطلقة" خلال اجتماع له ببروكسل، فهو يرى فى اتفاقه الجديد فوائد لن تتكرر إذا تم إرجاء الاتفاق مجددًا.
المعضلة الأكبر هنا التى تواجه اتفاق جونسون هى رفض الأيرلنديين له، فقد أعلن الحزب الوحدوى الديمقراطى فى أيرلندا الشمالية رفضه التام للاتفاق فور نشره، وهى معضلة كبيرة لأن هذا الحزب تحديدًا كان من شأنه أن يؤمن الأكثرية لجونسون.
وأكد الحزب الذى يضم 10 مقاعد داخل العموم البريطانى، إنه "غير قادر على دعم هذه المقترحات" بخصوص مسائل التسوية الجمركية وموافقة حكومة أيرلندا الشمالية على مسودة بريكست.
أما الأوروبيون، وعلى رأسهم رئيس البرلمان الأوروبى جون كلود يونكر، فهم يرون أن الوضع سيصبح "شديد التعقيد" حال رفض البرلمان البريطانى للاتفاق الذى تم التوصل إليه الخميس بين بريطانيا والاتحاد الاوروبى خلال تصويت غد السبت.

العمال البريطانى يصر على الرفض
بينما يواصل حزب العمال البريطانى إصراره على رفض اتفاقات جونسون، داعيًا 244 نائبًا يمثلونه إلى رفض الاتفاق بين لندن والاتحاد الأوروبى، إذ يؤكد رئيس الحزب جيريمى كوربين، أن أفضل طريقة لحل بريكست هو إعطاء الشعب الكلمة الفصل فى استفتاء ثان، بينما صوت 52 بالمئة من الناخبين لصالح مغادرة الاتحاد الاوروبى قبل ثلاث سنوات.
ويبدو أن معركة جونسون لإقرار اتفاقه، غدًا السبت، لن تكون سهلة أبدًا، فإلى جانب الأيرلنديين والعمال البريطانى، رفض الاتفاق كل من الاستقلاليين الاسكتلندينن ـ وهم 35 نائبًا ـ وكذلك الليبراليين الديمقراطيين ـ وهم 19 نائبًا، بينما لا يكل جونسون ولا يمل، فقد كثف اتصالاته مع النواب فى محاولة لإقناعهم على مدار اليوم الجمعة، وتوصل للاتفاق بصعوبة بالغة بعد أسابيع مكثفة تركزت حول تعديل ترتيبات إبقاء الحدود مفتوحة بين مقاطعة أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا العضو فى الاتحاد الأوروبى.

شبكة الأمان.. مخاوف لا تتوقف
واتفقت جميع الأطراف على أنها لا تريد بنية تحتية على الحدود، لتجنب تفاقم التوترات بشأن سيطرة بريطانيا على أيرلندا الشمالية، ما تعارف عليه باسم "شبكة الأمان"، وهو ما تسبب بعقود من أعمال العنف الدامية حتى تسعينات القرن الماضى.
ومن شأن الاتفاق الجديد أن يبقى المملكة المتحدة فى منطقة جمركية واحدة، ويسمح لها بإبرام صفقات تجارة دولية، إلا أنه يتطلب من لندن فرض رسوم أوروبية على بعض السلع التى تعبر أيرلندا الشمالية، وستطبق أيرلندا الشمالية قواعد الاتحاد الأوروبى حول الزراعة والمواد الغذائية والسلع الصناعية.
ومن المقرر أن ينطوى الاتفاق الجديد على بعض عمليات التدقيق الجمركى والضريبى بين أيرلندا الشمالية وبريطانيا، وهو ما يخشاه الحزب الوحدوى الديموقراطى، محذرين من أن هذه الخطط "تقوض وحدة الاتحاد"، على الرغم من حق التصويت المحلى فى أيرلندا الشمالية كل 4 سنوات بشأن مراجعة هذه الترتيبات.
المعركة تبدو صعبة بالنسبة لرئيس وزراء بريطانيا، وتضع مستقبله السياسى داخل بريطانيا على المحك، ففشل تمرير الاتفاق فى هذه المرة سيعطى فرصة أكبر لتحالفات خصومه ضده، إلا أن التوقعات تشير إلى نسب تصويت متقاربة، ما يعنى احتمالية نجاح إقرار الاتفاق هذه المرة بعد سنوات ثقيلة من الجدل حول "بريكست" فى الداخل البريطانى، ومحيطهم الأوروبى.
