أردوغان والسراج
الأمر برمته جعل الليبيون يدركون أن مماطلات السراج الإخوانى فى التوصل لحل سلمى فى ليبيا، وتضييع الوقت فى مفاوضات سياسية تصل فى كل مرة إلى طريق مسدود، كان هدفه تسليم ليبيا للأتراك، ورئيسهم الإخوانى رجب طيب أردوغان، ما دفع الجيش الوطنى الليبى، بقيادة المشير خليفة حفتر، للإعلان عن بدء المعركة الحاسمة"، وتحديد "ساعة الصفر" لتخليص طرابلس من ميليشيات السراج التى تصارع الوقت لإسترجاع المحتل التركى إلى البلاد.
اتفاقيات مشبوهة تستفز مشاعر الليبيين
وبدا السراج وأردوغان فعلا فى سباق مع الوقت لإقرار الاتفاقيات المشبوهة التى خرجوا بها على الرأى العام الليبى والعربى والعالمى فى أواخر نوفمبر، وفى الوقت الذى استطاع فيه أردوغان تمرير تلك الاتفاقيات داخل برلمان بلاده والمصادقة عليها يوم 17 ديسمبر، كان الغضب يسيطر على كل شبر فى أرض ليبيا، وداخل قلب كل ليبى حر، فرفض البرلمان الليبى هذه الاتفاقيات علنا، مؤكدا أنه لا يحق أصلا للسراج توقيع مثل هذه الاتفاقيات دون موافقة البرلمان بحسب اتفاق الصخيرات الذى أتى بـ "الوفاق" والسرج.
ويبدو أن أردوغان وزبانيته فى تركيا، وخصوصا داخل حزب العدالة والتنمية الإخوانى الحاكم هناك، لم يتمكنوا من إخفاء مطامعهم فى ليبيا حتى فى التصريحات العامة، فخرج علينا ياسين أقطاى، مستشار الرئيس التركى أردوغان، معلنا وبكل بجاحة أن ليبيا باتت تحت مسؤولية تركيا، مستندا إلى اتفاقيتهم المشبوهة مع رئيس الوفاق، فائز السراج.
الأمر أشعل الغضب فى عروق الليبيين، فتوعد اللواء أحمد المسمارى، المتحدث باسم الجيش الوطنى الليبى، بتدمير أى سفينة تركية تدخل إلى المياه الإقليمية الليبية، لافتا فى مؤتمر صحفى يوم 16 ديسمبر الجارى إلى إسقاط طائرة مسيرة تركية حاولت استهداف قوات الجيش الليبى.
تحرشات أردوغان تثير الغضب ليبى ودولى
لم يقتصر الغضب على الداخل الليبى فقط، فقد كانت التحركات التركية استفزازية بما يكفى لتخرج الكثير من دول المنطقة والعالم عن صمتها، خاصة وأن تحركات أردوغان كانت نوعا من التحرش الصريح بدول شرق المتوسط، لاسيما اليونان، التى تخطاها أردوغان معلنا اتفاقية الترسيم البحرى المشبوهة مع السراج، متجاهلا وجود جزر اليونان، ومتعديا على المياه الإقليمية لليونان، وخصوصا جزيرة كريت التى تجعل فكرة وجود حدود مشتركة بين تركيا أمرا مستحيلاً.
هنا أعلنت الحكومة اليونانية موقفها وفق الأعراف الدولية والدبلوماسية المعهودة، وطردت سفير "الوفاق" التى تتخذ من العاصمة طرابلس لها، من أثينا، تنديدا بالاتفاقية المشبوهة التى تعد خرقا واضحا لقانون البحار بالأمم المتحدة، وهو الموقف الذى أيدته مصر وقبرص، مؤكدين تضامنهم مع اليونان ضد هذه التحرشات الخرقاء.
فى ذلك الوقت التحم غضب الشعب الليبى الحقيقى مع الغضب اليونانى، وسافر رئيس مجلس النواب الليبى إلى أثينا معلنا تأييده لموقف اليونان ضد ممارسات الوفاق ورئيسها السراج، ورفض النواب الليبين لتلك الاتفاقيات التى لا منطق فيها ولا قانون.

أمن قومى مصرى وعربى
وكان موقف مصر واضحا منذ البداية، فالمسألة أمن قومى مصرى وعربى، ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسى يعلن دعمه للجيش الليبى فى مواجهة الميليشيات الإرهابية التى يقودها فائز السراج، مؤكدا أن مصر لن تسمح بأى مساس بأمنها القومى فى ليبيا.
وبطبيعة الدور المصرى الذى ينطلق عادة من قاعدة دبلوماسية عريقة والتزام بالقوانين الدولية، بعثت مصر برسالة إلى مجلس الأمن الدولى، تؤكد على أن الاتفاق الموقع بين تركيا والوفاق ينتهك قرارات مجلس الأمن بشأن ليبيا، وخاصة القرار 1970 لعام 2011، محذرة فى رسالتها من أن القرار يسمح بنقل أسلحة إلى الميليشيات المتمركزة فى غرب ليبيا.

أصوات داعمة لمؤتمر برلين
هنا، بدرت عدة إعلانات دولية، إذ أعلنت الحكومة الألمانية عن دعمها لما يعرف بـ "عملية برلين"، لمساندة جهود السلام وتحركات المبعوق الأممى الخاص بليبيا، غسان سلامة، وتتضمن المبادرة تنظيم مؤتمر دولى فى برلين، يتم من خلاله اعتماد أطر سياسية لإطلاق عملية سلام بين الأطراف الليبية، وهى مبادرة تدعمها فرنسا وإيطاليا.
كما أعلنت الرئاسة الروسية دعمها للمبادرة الألمانية، لأجل إنهاء الحرب فى ليبيا، ووفقا للبيان الذى نقله الكرملين، قال الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إنه من المهم ألا يزداد الوضع فى ليبيا تفاقما، وأن تستأنف الأطراف المعنية حوارا سلميا لإنهاء النزاع.

دائما.. قطر فى خندق واحد مع الإرهاب
وبينما تتجه كل الدول والأطراف الدولية للجهات القانونية والدولية نحو مبادرات السلام، كانت قطر تقف فى مكانها المعهود، فى خندق واحد مع الإرهاب والميليشيات، معلنة دعمها الأمنى والاقتصادى واللوجستى للميليشيات الإرهابية فى طرابلس المنضوية تحت ما يسمى بـ "حكومة الوفاق"، فى دعم صريح للإرهاب الذى يسعى الرئيس التركى وجماعته الإخوانى لنشره داخل الأراضى الليبية من أجل تحقيق أطماعه وإحياء وهم الخلافة العثمانية من جديد.
فى ذلك الوقت كشفت وثيقة مسربة فى اليونان عن فضيحة عسكرية تركية بشأن الطائرات المسيرة من طراز بيرقدار، والتى اشترتها قطر وتنشرها أنقرة حاليا فى ليبيا، إذ كانت قطر وتركيا وقعتا اتفاقا فى العام الماضى لشراء هذا الطراز من الطائرات، بالإضافة إلى نشر سرب منها بالقرب من ليبيا، حيث وقعت حكومة السراج الإخوانية اتفاقا بدورها مع تركيا لنشرها!

أطماع أردوغان وجباية السراج
المسألة برمتها تتلخص فى أطماع أردوغان الاقتصادية فى ليبيا والمنطقة العربية، ومساعيه المتطرفة لإحياء حلم الدولة العثمانية من جديد، وكانت حكومة السراج الإخوانية هى حصان طروادة الذى يستخدمه أردوغان للدخول إلى ليبيا والسطو على مقدرات الشعب الليبى من ثروات شرق المتوسط التى لم يستطع أردوغان إيجاد ذريعة ملائمة لوضع موطئ قدم له فيها منذ بداية الكشف عن ثروات الغاز الطبيعى هناك.
وتوافقت أطماع أردوغان مع أطماع فائز السراج الذى يبحث عن طريقة للبقاء بميليشياته داخل العاصمة طرابلس، وهو مستعد لدفع أى ثمن مقابل البقاء، وهنا كانت رسالته الواضحة للأتراك أنه مستعد للقيام بدور الوالى الذى يعطيهم الجباية من قوت أبناء ليبيا ومقدراتهم، والتقط الأتراك الرسالة، وانتهزوها فرصة لفرض نفوذهم عنوة فى شرق المتوسط كجزء من السياسة التركية الاستعمارية التى يتبعها أردوغان.