البابا شنودة الثالث
يقول ماجد كامل، البلاحث بأسقفية الشباب، إن موهبة الشعر نمت عند البابا شنودة منذ شبابه، ويروى فى مذكراته أنه أخذ يكتب الشعر منذ الطفولة، ولكنه لم يتقن كتابته فعلاً إلا عندما توجه إلى مبنى دار الكتب المصرية بباب الخلق، وأطلع هناك على كتاب "أهدى سبيل إلى علمى الخليل.. العروض والقافية" فأنكب على دراسته يوميًا، إذ كان يذهب إلى دار الكتب يوميًا فى الصباح والمساء حتى أتقنه تمامًا، ومنه تعلم علم العروض والقوافى وبحور الشعر المختلفة.
ويضيف كامل أن الأنبا شنودة عندما كان طالبًا فى البكالوريا، طلب منه مدرس اللغة العربية أثناء الامتحان الشفوى أن يتلو عليه أحد القصائد المقررة، فٍسأله أى قصيدة تريد؟ فقال له القصيدة التى تحفظها.. فسأله مرة أخرى من أى عصر من العصور تريد أن أتلو عليك قصيدتها؟ فرد عليه المدرس: وهل تحفظ جميع العصور؟ فأجابه الطالب نعم، فقال المعلم إذن اسمعنى قصيدة من العصر الحديث، فرد عليه ولأى شاعر من شعراء العصر الحديث؟ فسأله المدرس وهل تحفظ لجميع الشعراء؟ فرد عليه أكثر من ثلاثين شاعرًا.
وتابع الباحث أنه عندما سأل المدرس الأنبا شنودة، وكان اسمه وقتها نظير جيد، ولماذا تحفظ كل هذه القصائد؟ فرد عليه "ذلك لأنى أحب الشعر" فسأله المدرس وهل تكتبه أيضًا؟ أجاب نعم أكتبه، فقال المدرس اسمعنا بعضًا من شعرك، وهكذا كان الطالب أول وربما آخر طالب يمتحن فى شعره فى البكالوريا.
ويشير ماجد كامل أن قداسة البابا شنودة شعر بمسحة روحية، بحكم تكوينه كراهب وأيضًا كرجل دين مسيحى، ولقد عبر عن شوقه المبكر لحياة الرهبنة فى قصيدة شهيرة له بعنوان "غريبًا عشت فى الدنيا" نظمها عام 1946، علما بأن تاريخ رهبنته هو 18 يوليو 1954، أى قبل رهبنته بحوالى 8 سنوات، يقول فيها:
تركت مفاتن الدنيا ولم أحفل بناديها
ورحت أجر ترحالى بعيد عن ملاهيها
خلى القلب لا أهفو لشىء من أمانيها
نزيه السمع لا أصغى إلى ضوضاء أهليها
أطوف ههنا وحدى سعيدًا فى بواديها
بقيثارى ومزمارى وألحان أغنيها
وساعات مقدسة خلوت بخالقى فيها
هنا فى الدير آيات تعزينى وأمثال
هنا لا ترهب الرهبان قضبان وأغلال
ولا تلهو بنا الدنيا فأدبار وأقبال
وفى نفس الشهر الذى ترهبن فيه، أى يوليو 1954، كتب قداسته قصيدة بعنوان "سائح" والسائح هو أعلى درجات الرهبنة القبطية، حيث يجول الراهب فى الصحراء هائمًا فى حب الله ليس له دير ولا حتى مكان للسكن، أما نص القصيدة فيقول:
أنا فى البيداء وحدى ليس لى شأن بغيرى
لى جحر فى شقوق التل قد أخفيت جحرى
وسأمضى منه يوما ساكنا ما لست أدرى
سائحا أجتاز فى الصحراء من قفر لقفر
ليس لى دير فكل البيد والآكام ديرى
لا ولا سور فلن يرتاح للأسوار فكرى
أنا طير هائم فى الجو لم أشغف بوكر
أنا فى البيد طليق فى أقامتى وسيرى
أنا حر حين أغفو حين أمشى حين أجرى
وغريب أنا أمر الناس شىء غير أمرى
وأثناء وحدته فى مغارة بالقرب من دير السريان، نظم قصيدة بعنوان "من تكون؟" وتاريخ نظمها عام 1960، وفيها يسأل نفسه بعض الأسئلة الفلسفية مثل من أنا؟ ومن أكون؟ قال فيها:
كل ما هو لك صمت وسكون وهدوء يكشف السر المصون
اعتزلت الناس حتى ما ترى غير وجه الله ذى القلب الحنون
وتركت الكون بل أنسيته لم يعاودك إلى الكون الحنين
هل ترى العالم إلا تافها يشتهى المتعة فيه التافهون
كل مافيه خيال يمحى كل ما فيه سيفنى بعد حين
هل ترى الآمال إلا مجمرا يتلظى بلظاه الآملون
ليت منهم . هم جسوم بينما أنت روح فر من تلك السجون
قد يقول البعض هذى حكمة ويقول البعض كلا بل جنون
فأترك الناس إلى أفكارهم مثلما شاء الهوى يفتكرون
لك نهج مفرد والناس فى منهج مختلف يضطربون
أنت قلب هائم فى حبه أنت سر بيت شعرى من تكون
أنت سر لست أدرى كنهه أى شيء فيه لى غير الظنون
أنت روح سابح سابح فى عمقه يجتلى الأعماق فى صمت رصين
أن فى صمتك سرا لن يرى قدس أقداسه إلا الصامتون
وعبّر قداسته عن هذه النزعة النسكية التى لا تشتهى شيئًا ولا ترغب فى شىء فى قصيدة جميلة له بعنوان "وماذا بعد هذا؟" استوحى معانيها من مثل الغنى الغبى الذى ورد فى الكتاب المقدس، وملخصه إنسان غنى ظن أنه أمتلك كل شىء فى الدنيا، فقال كلى يا نفسى وأشربى فأمامك خيرات كثيرة لسنين طويلة، ولم يعلم أنه فى نفس اليلة سوف يموت ويترك كل هذا المال، أما نص القصيدة فيقول:
سأهدم فى المخازن ثم أبنى وأجمع فضتى وأضم تبرى
وأغرس لى فراديسا كبارا بأثمار وأطيار وزهر
وأقطف وردة من كل غصن وأطرب مسمعى من كل طير
وأسعد بالحياة ومشتهاها وأنعم فى رفاهية وخير
وابنى معبد للمال ضخما أقدم فيه قربانى وشكرى
وماذا بعد هذا ليت شعرى؟ سألقى الموت مهما طال عمرى
وهذا المال يا ويحى عليه سأترك كل أموالى لغيرى
وأفنى مثل مسكين فقير وأرقد مثله فى جوف قبر
ونسمة قبره ستهب حولى ولا تفريق بين غنى وفقر
وفى قصيدة أخرى لقداسته بعنوان "تائه فى غربة" يعبر فيها عن حتمية الموت، وكيف أن الإنسان لا يستطيع أن يأخذ معه شيئًا، حيث يقول فيها:
لست أدرى كيف نمضى أو متى كل ما أدريه أنا سوف نمضى
فى طريق الموت نجرى كلنا فى سباق بعضنا فى أثر بعض
كبخار مضمحل عمرنا مثل برق سوف يمضى مثل ومض
يا صديقى كن كما شئت أذن وأجر فى الآفاق من طول لعرض
أرض آمالك فى الألقاب أو أرضها فى المال، أو فى المجد أرض
وأغمض العين وحلق حالما ضيع الأيام فى الأحلام وأقضي
آخر الأمر ستهوى مجهدا راقدا فى بعض أشبار بأرض
بهدأ القلب وتبقى صامتا لم يعد فى القلب من خفق ونبض
ما ضجيج الأمس أذن؟ أين بركانه من حب وبغض

وتنتقل إلى شكل آخر من أشكال قصائده، فلقد عرفت الكنيسة القبطية بلقب "أم الشهداء" حتى قالت إحدى المؤرخات الإنجليزيات، تدعى مسز بوتشر، لو وضع شهداء العالم كله فى كفة وشهداء الكنيسة القبطية فى كفة أخرى، لرجحت كفة شهداء الكنيسة القبطية، ولتخليد ذكرى هؤلاء الشهداء كتب البابا شنودة الثالث أكثر من قصيدة نذكر منها قصيدة بعنوان "أبطال"، وفيها يناجى أرواح هؤلاء الشهداء، يقول فيها:
نلتم الأمجاد فى دنيا ودين وهزأتم بالطغاة الملحدين
لم تموتوا أيها الأبطال بل قد سكنتم فى سماء الخالدين
لم يمت من قاوم الكفر ومن بيسوع هز عرش الكافرين
لم يمت من صار باستشهاد قدوة تبقى على مر السنين
لم يمت من قدم الروح على مذبح الحق جريئا لا يلين
لم يمت كل غريب ههنا مر بالدنيا مرور الزائرين
عجبا كيف صمدتم للطغاة فى ثبات أدهش الكون مداه
اى شيء حبب الموت لكم هل رأيتم فيه أكليل الحياة؟
أم بصرتم بيسوع واقفا فى انتظار، فاستبقتم للقاه؟
أم سمعتم مثل همس الوحى من قد دعاكم فاستجتم لدعاه؟
أم تخيلتم عمود الدين قد راح يهوى فاصطفتم لحماه؟
أيما كان قد كان داعى الموت لم نستطع حسبانكم فى المائتين
لم تموتوا أيها الأبطال بل قد سكنتم فى سماء الخالدين
وعن الشعر الوطنى، كان البابا شنودة يتردد على المنتدى الذى كان يعقده الزعيم مكرم عبيد (1889- 1961) مؤسس حزب الكتلة الوفدية، وكان مكرم كلما شاهده يرحب به قائلاً "أهلاً شاعر الكتلة"، ومن القصائد التى نظمها نظير جيد وهو طالب فى مرحلة الثانوى، والتى تكشف عن عشقه الشديد لمصر، نذكر هذه القصيدة:
تريد الكنانة عزما قويا شبابا يضحى وشعبا جديدا
شبابا يعيد بناء الحدود يعيش شريفا يموت شهيدا
من الآن هيا لنبنى اتحادا وننسى العداء وننسى الحقودا
وإذا ما أراد الدفاع جحيما لحرق العدو نكون وقودا
أهذى الجموع تعالوا سويا إلى سلم المجد ترقى صعودا
هتاف الحماسة منى أقبلوه خذوه شعارا خذوه نشيدا
وكتب قداسته يقول:
جعلتك يا مصر فى مهجتى وأهواك يا مصر عمق الهوى
إذا غبت عنك ولو فترة أذوب حنينا أقاسى النوى
إذا عطشت إلى حبك يوما بحبك يا مصر قلبى أرتوى
وفى قصيدة أخرى يقول: نحب هذا الوطن ونحب ما فيه.. نحب نيله وأراضيه وشوارعه وحواريه ومزارعه وصحاريه.. نحب صناعه وفلاحيه.. نحب مستقبله وحاضره وماضيه.. نحب هذا الوطن حين يرضى وحين يغضب.. نحبه حين يمنح وحين يمنع.. نحب فراعنة أجدادى وأحب أرضه أرض ميلادى.. أحب نيله ليس فقط وهو يجرى فى الوادى.. بل حينما يجرى فى فؤادك وفؤادى.

لا يعلم الكثيرون أن قداسة البابا الراحل الأنبا شنودة كتب الشعر الفكاهى أيضًا، فقد كتب هو طالب فى كلية الآداب قسم التاريخ هذه القصيدة التى يعبر فيها عن كرهه الشديد لمادة الجغرافيا، وقال فيها:
حاجة غريبة بأدخلها بالعافية فى مخى ما تدخلش
بنشوف فى الأطلس أمريكا وألمانيا وبلاد الدوتش
ما تقول لى بأى فوتغرافيا وتقول ما تقول ما هأصدقش
حاجة غريبة بأدخلها بالعافية فى مخى ما تدخلش
ورياح مبلولة تجيب ميه ورياح جافة ما تمطرش
ورياح بتساحل فى الساحل تتبع تعريجه وتمشي
ورياح بتغير وجهتها ورياح تمشى ما تحودشي
أنا عقلى إتلخبط فين ديا وديا وبين ديا وديا ما أفرقشى
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وهو طالب فى السنة الثانية أقامت الكلية حفلة لتكريم عميد الكلية، فألقى فيها هذه القصيدة الكوميدية التى يعبر فيها عن رغبتهأان يكون عميدا للكلية ولو لشهر واحد، قال فيها:
ياما نفسى شهر واحد بس مش عايزه يزيد
يعملونى فيه عميد أو حتى نائب للعميد
كنت أعمل للسكاشن كلها ترتيب جديد
كنت أخلى الشخص يتخرج تقول زى الحديد
كنت الغى قسم جغرافيا ومش ناقصين مضايقة
متنا من كتر المذاكرة ومش لاقيين ذاكرتنا حايقة
من غير الجغرافيا تبقى دراسة الكلية رايقة
مش ظريف الإقتراح يخليكم ما متعيطوش
بس أنا يا خسارة عايش وسط ناس مايقدروش
لو كانوا يعرفوا مقدارى كانوا ما يسبينوش
يعنى لو ما كنتش أعرف المناخ ده استوائى أبقى جاهل؟
يعنى لو ماكنتش أعرف الجبل ده التوائى أبقى جاهل؟
يعنى من غير ايزى زوى وميزى زوى وكينى زوى أبقى جاهل؟
دا كلام فارغ صحيح دا مقرر مش مريح
دى متاعب دى سماجة بس لما أبقى عميد
والأمل ده مش بعيد أبقى ألغى كل حاجة