كورونا
انشغال العالم بخطر حقيقى يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ولحياة الشعوب، عمل على تنحى ملفات كانت تمثل أولوية قصوى قبل ظهور الفيروس جانباً، كما ساهم فى أن تسود حالة هدوء نسبى فى مناطق الأزمات بصفة خاصة، فى ظل المخاوف المتنامية من تفشى الفيروس.
هدنة استثنائية
إن الذعر الذى يثيره الفيروس ربما يشكّل فرصة لبعض مناطق الصراع، للدخول فى هدنة استثنائية، ليتم رفع شعار "التأجيل سيد الموقف"، الأمر الذى قد ينعكس أيضاً على الوضع الميدانى. فعلى صعيد سوريا على سبيل المثال، قد يؤثر فيروس كورونا بصورة مباشرة فى خطط ومشاريع وتحركات الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة بالملف السورى.

كذلك الأمر فى اليمن الذى يعيش كارثة إنسانية حقيقية، فالأمر قد يرتبط بتوجيه منظمات دولية مساعداتها فى اليمن إلى دعم مراكز الحجر الصحى، سواء الموجودة فى مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الميليشيات، فى ظل التوجه العالمى لمحاربة الوباء.
أما على صعيد الولايات المتحدة، فسيتراجع مستوى التصعيد ضد إيران، حيث سيقوم الرئيس الأمريكى بتحليل ودراسة عواقب أى قرار بدقة وعناية شديدة لتقييم تأثيرات أى ضربة يقرر القيام بها على فرصه بالفوز بولاية رئاسية ثانية، خصوصا فى ظل انتشار فيروس كورونا القاتل فى بلاده ومحاولاته المستمرة فى تحجيم هذا الوباء من خلال العديد من الإجراءات الاقتصادية التى يقوم بها داخل البلاد، الأمر الذى قد يؤدى إلى تحول فى سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران.
أما من جهة إيران، فإن حجم الخطر أكبر استنادا إلى أن النظام الذى يواجه ما يعتبر تهديدا وجوديا على شكل فيروس سيكون أكثر مغامرة.
فى الواقع، قد تكون الضربات التى تعرض لها معسكر التاجى يومى 11 و14 الشهر الجارى عمليات تكتيكية هدفها إظهار القوة فى وقت تعانى فيه الدوائر الداخلية للنخب السياسية الإيرانية من فيروس كورونا والمرشد الأعلى فى حالة عزل كما يقال بهدف حمايته من الفيروس.

الأزمة الليبية
وفيما يخص الأزمة الليبية، دعا الاتحاد الأوروبى و8 دول غربية وعربية، بالفعل، أطراف الصراع إلى إعلان وقف فورى إنسانى للقتال، فى ظل تهديد وباء كورونا.
جاء ذلك فى بيان نشرته السفارة الأمريكية لدى ليبيا، ورد فيه الآتى: "تدعو سفارات الجزائر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وبعثة الاتحاد الأوروبى، بالاضافة إلى وزارة الخارجية التونسية، جميع أطراف الصراع الليبى إلى إعلان وقف فورى وإنسانى للقتال".
وأضاف أن البلدان المذكورة والتكتل الأوروبى دعوا أيضا إلى "وقف النقل المستمر لجميع المعدات العسكرية والأفراد العسكريين إلى ليبيا، من أجل السماح للسلطات المحلية بالاستجابة لتحدّى الصحة العامة غير المسبوق الذى يشكله كورونا".
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وأعربت السفارة عن "دعمها القوى لجهود السلطات الصحية الليبية فيى جميع أنحاء البلاد، وهى تتنادى بروح من اللحمة الوطنية، ونحثّها على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لدعم صحّة ورفاهية جميع الليبيين".
ولفتت إلى أن "مثل هذه الهدنة ستمكن المقاتلين من العودة إلى ديارهم لتقديم الرعاية اللازمة للأقارب الذين قد يكونون أكثر عرضة للخطر".
وأعربت السفارة عن أملها فى أن "تؤدى هذه الهدنة الإنسانية إلى اتفاق قيادات كلا الطرفين الليبيين على مشروع وقف إطلاق النار الذى أعلنته الأمم المتحدة فى 23 فبراير الماضى، والذى تمّ التوصل إليه فى جنيف فى إطار اللجنة العسكرية المشتركة الليبية 5 + 5، والعودة إلى الحوار السياسى".
كورونا يهدد مصادر الدخل فى العالم العربى
وبالنسبة لانتشار الفيروس فى الدول العربية الأخرى، كالسعودية والكويت والإمارات والعراق والجزائر، فتلك الدول تعتمد فى غالبيتها على النفط أو على السياحة أو على كليهما فى تحقيق إيراداتها المالية الرئيسية.
وفى هذه الدول التى تعتمد أيضا على صادرات الغاز إلى شرق آسيا بالدرجة الأولى تشكل إيرادات النفط 60 إلى 90 % من الدخل العام. وتعد الصين المستورد الأول للنفط الخليجى تليها اليابان والهند وكوريا الجنوبية.
قبل فيروس كورونا الذى تم تسجيل انتشاره أواخر العام الماضى 2019، كان الاقتصاد الصينى يستورد يوميا 1.5 إلى 2 مليون برميل نفط من السعودية، أى أكثر من ربع الصادرات السعودية. ومع توسع رقعة انتشار الفيروس توقفت عجلة الإنتاج فى آلاف الشركات والمؤسسات الصينية بشكل جزئى أوكلى. ومن تبعات ذلك حتى الآن تراجع أسعار النفط بنسبة تصل إلى نحو 25 %خلال أقل من شهرين، من نحو 65 إلى أقل من 49 دولار للبرميل بسبب تراجع الطلب والاستهلاك العالميين.

فالصين على سبيل المثال لا تستورد حاليا سوى 8 ملايين برميل بدلا من 11 مليون برميل نفط فى اليوم. ويزيد الطين بلة أن تراجع الأسعار والاستهلاك مستمر رغم استمرار تخفيض إنتاج اوبك بأكثر من 2 مليون برميل يوميا.
ويشكل هذا المنحى الذى يتوقع استمراره بسبب صعوبة احتواء كورونا تراجعا حادا فى إيرادات دول الخليج وخطرا على استقرار اقتصادياتها وعملاتها التى تعانى أيضا من استنزاف احتياطاتها المالية فى الخارج بشكل متسارع منذ التراجع الدرامتيكى الأخير لأسعار النفط عام 2014.