البث المباشر الراديو 9090
الأنبا مكاريوس
قال الأنبا مكاريوس، أسقف عام المنيا وأبوقرقاص، إن الحديث ما زال يدور حول "وباء كورونا"، ولا يليق بنا أن نهوِّن من حجم الخطر المُحدِق بالعالم، وذلك بعد انتشار فيروس كورونا

وأضاف الأنبا مكاريوس، أنه إذا قامت الحروب فلا بد أن نكون مستعدين، وإذا حذّروا من الوباء فلنحذر الوباء، وإذا نبّهوا إلى الزلازل والحريق والبراكين والمجاعات فلنحذر هذه أيضًا، فقد حدثت بالفعل مثل هذه ومات كثيرون، ومنهم قديسون ماتوا بالوباء مثل القديس باخوميوس، أب الشركة، والذى راح يطوف بين المصابين بالطاعون يقدم لهم أنواعًا من العون، ومثلما مات باسيل هانسن، بالجزام وهو يحيا بين المجزومين يعالجهم، وقديسون افترستهم الوحوش، وآخرون ماتوا بطرق مشابهة، ولم ينقص هذا من قداستهم، فليس مُهمًّا كيف وأين مات الشخص؟ وكم عاش؟ ولكن المهم: كيف عاش ما عاشه من السنين؟

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

وتابع: "اجتمعنا بمندوبين عن جميع الكنائس، وشرحنا لهم ما يجب أن يعرفوه عن كوفيد 19، بالصور والفيديو، وذلك من خلال مجموعة من الأطباء والصيادلة والمتخصصين، سواء من جهة نشأته وتطوّره وخطورته، أو كيفية الوقاية من الإصابة به، ثم كيفية التعامل مع الحالات المشكوك فيها، ثم كيف نتابع باستمرار تعليمات وزارة الصحة وتقاريرها وقرارات الحكومة".

واستطرد قائلاً: "لاحظتُ خلال الأيام القليلة الماضية، أنه بينما ارتعب البعض، وخاف البعض الآخر، وتوجّس البعض الثالث، فإن هناك أشخاصًا لم يهتزّوا ولم يقلقوا، وتعاملوا مع الأمر ببساطة شديدة.. تُرى ما هو السبب فى ذلك؟ هل هى عدم المبالاة، أم الإيمان القوى والثقة فى الله، أم ماذا؟".

وأوضح أنه عندما تحاور مع بعضهم حول الأمر، قالوا: "نحن بنعمة المسيح مستعدون، لسنا قديسين، ولكننا منتبهون أننا قد نموت فى أى وقت بأسباب متعدّدة، ومع ذلك فإننا نأخذ احتياطنا، أولًا لأن أجسادنا وزنة يجب أن نحافظ عليها، كما أن إهمالها قد يُحسَب نوعًا من الانتحار، ثم إننا وإن كُنّا لا نخاف على أنفسنا، لا نريد أيضًا أن نكون سببًا فى نقل الفيروس لآخرين".

وأكد أن عدم الخوف الذى أوصانا به الرب، ليس معناه أننا لن نُصاب أو نمرض أو نُجرَّب أو نموت، فقد مات الآباء الرسل، وكذلك كل الذين كانوا يسمعون من الرب هذه الأقوال، جميعهم ماتوا، وأراد الرب أن يقول: "لا تخافوا من هذه فإنها ليست النهاية"، وبالتالى يجب ألّا تُفقِدكم الرجاء والدليل أنه نبّه المؤمنين بأن لا يخافوا من الملوك والرؤساء والولاة، فإنهم هؤلاء لا يقدرون إلّا على قتل الجسد، أى أنهم سيقتلونكم، ثم أردف: "لكن خافوا من الذى له سلطان أن يلقى فى جهنم، أى: خافوا فيما يتعلّق بمستقبلكم الأبدى".

وقال: "يمكننا أن نفهم موضوع المرض، والموت، والجوع، والآلام، والظلم، والتجارب، والخسائر، وغيرها أنها ليست المنتهى، بل هى تزكّينا، فإن الكثير من المؤمنين نالهم الكثير من هذا، بل يعلمنا الكتاب المقدس: أنه بضيقاتٍ كثيرَةٍ يَنبَغى أنْ نَدخُلَ ملكوتَ اللهِ".

وأشار إلى أنه رأى أناسًا استخفّوا بكل شئ هذا الأسبوع، المال والذهب والثياب والأراضى والممتلكات، وقالوا: "ما قيمة كل هذا أمام وبأ قد يقضى على أى شخص فى العالم خلال أيام؟! وهناك من فكّر فى الخصومات والثأر والخلافات على الميراث والقطيعة، وكيف يتحرّر من ذلك".

منوهًا إلى أنه خلال حواراته قال بعضهم: "إن الفرق بين الموت بهذا الفيروس والميتات الأخرى، هو أن هناك تحذيرًا مُسبَقًا منه، وأن الموت به ليس كصعقة الكهرباء، ولا انفجار الأوعية الدموية، ولا الجلطات والسكتات الدماغية، ولا حوادث الطرق، وإنما هناك متسع من الوقت للاستعداد بالتخلّى عن الخطايا، والتوبة والاعتراف والتناول".

وتابع: "بعضهم كان من بلد أوروبى قال لي: ذات مرة جاءنى كاهن الكنيسة بالتناول حتى البيت إذ كنتُ مريضًا، ومع ذلك اعتذرتُ عن مقابلته، فعاد أدراجه بعد أن ناول الشماس الذى معه ما كان قد أعدّه لى، واليوم اشتهيت أن أتناول من الأسرار المقدسة، وأول ما سألت عنه إن كان بإمكان الأب الكاهن أن يأتى إلى، أم أن هناك قوانين من الدولة تمنعه، أى يمنعه الفيروس ونتائجه من المجيء، لقد حزنتُ على الأيام التى ولّت منى وأنا أدير ظهرى للكنيسة وهى مفتوحة".

ولفت إلى أن الظروف التى نمّر بها ذكرته بما قاله الرب عن مثل هذه الأيام العصيبة: "وصَلّوا لكَى لا يكونَ هَرَبُكُمْ فى شِتاءٍ ولا فى سبتٍ، لأنَّهُ يكونُ حينَئذٍ ضيقٌ عظيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثلُهُ منذُ ابتِداءِ العالَمِ إلَى الآنَ ولَنْ يكونَ. ولَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلكَ الأيّامُ لَمْ يَخلُصْ جَسَدٌ. ولكن لأجلِ المُختارينَ تُقَصَّرُ تِلكَ الأيّامُ".

واستطرد قائلاً: "هناك من لا يريد مغادرة البيت، ومن لا يقدر على ذلك، وهناك فى المقابل من لا يستطيع الوصول إلى خاصته، بسبب وقف الطيران أو التنقل بين المدن، أو حظر التجوال فى بعض الأماكن ولساعات طويلة، وقال الرب فى موضع آخر من الأصحاح: حينَئذٍ يكونُ اثنانِ فى الحَقلِ، يؤخَذُ الواحِدُ ويُترَكُ الآخَرُ. اِثنَتانِ تطحَنانِ علَى الرَّحَى، تؤخَذُ الواحِدَةُ وتُترَكُ الأُخرَى".

تساءل: "إن بعض الناس كالمساجين الآن فى منازلهم يتوقعون الخطر، فكيف كان الآباء يقضون وقتهم فى السجون؟، كيف قضى مثلًا القديس بطرس ليلته فى السجن وهو يعرف أنه سيُقدَّم فى الغد يُقدَّم ذبيحة؟، ونحن نعلم أن الكثير من المحكوم عليهم بالإعدام يفقدون رشدهم أحيانًا وقد يصلوا إلى حالة نفسية سيئة، وبعضهم يموت قبل تنفيذ الحكم فيهم، ولكن القديس بطرس نام! بل أن الملاك احتاج أن يلكزه لكى يوقظه من نومه، ترى ماذا كان يدور فى قلبه وذهنه فى تلك الساعات؟! ربما كان فى سلام كامل: لأنَّهُ كانَ يَنتَظِرُ المدينةَ الّتى لها الأساساتُ، الّتى صانِعُها وبارِئُها اللهُ، كيف يكون إنسان بهذا الهدوء النفسى وهو وسط المخاطر؟! إنه سلام الله الذى يفوق كل عقل، وكما يقول الكتاب: "لأنَّ الخَوْفَ لهُ عَذابٌ".

يجب ألا ننادى ونؤكد فى هذه الظروف على أنه موعد مجيء المسيح، فإذا لم يجئ فقد تحدث انتكاسة عند المؤمنين بعد مرور هذه المحنة، مثلما حدث كثيرًا على مدار التاريخ، إن التحذير والترهيب وحده قد يقود إلى العناد أو اللا مبالاة، كما أن التهوين والتبسيط فى المقابل قد يُفضى إلى التساهل والتراخى، وإنما التعقُّل والتوازن فى مثل هذه الظروف هما الاختيار الأمثل، إن الكنيسة فى النصف الثانى من القرن الأول، عندما وجدت المؤمنين ينتظرون بشغف مجيء المسيح بين ساعة وأخرى، نادت بحتمية مجيئه وليس بسرعة مجيئه، ومن ثَمّ راحت تردّد على مدار اليوم "وننتظر قيامة الأموات، وحياة الدهر الآتى"، حيث يُقصَد بـ"ننتظر" أننا نتطلّع باشتياق، ومع كل ذلك لا تسخروا من الخائفين والذين يحرصون بزيادة على أنفسهم، بل ترفّقوا بهم، فقط طمئنوهم وشجعوهم، وصلّوا لأجلهم ولأجل الباقين أن: ارفع عنّا يا رب هذا الوباء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز