حنان أبو الضياء
ولكن باستعراض أطروحة إنسانية إطارها مشغول بإبداع مخرجة، تملك أدواتها، ومصور سينمائى، قادرعلى استخدام وسائط مرئية لاستكشاف أبعاد المآسى الإنسانية بكل وضوح.
«الرجل الذى باع ظهره» حاولت من خلاله المخرجة كوثر بن هنية، تصوير الوضع السورى، عبر رؤيتها الخاصة للأحداث السياسية، والاجتماعية، ما بين قصة حب تعلن بعفوية وقوة بين عربات القطار، ثم عودة من جديد إلى الأراضى السورية، ليعيشا قصة حبهما، وبين الموقفين تكون الحكاية الإنسانية بكل ما حملت به من وجهات نظر سياسة للعالم المحيط بنا.

الفيلم التونسى «الرجل الذى باع ظهره» للمخرجة كوثر بن هنية، فاز بجائزتين فى الدورة الـ 77 لمهرجان فينيسيا السينمائى الدولى، الأولى لبطل الفيلم يحيى مهاينى "جائزة أفضل ممثل"، كما فاز أيضا بجائزة أديبو كينج للإدماج، وهى جائزة مستوحاة من مبادئ التعاون الاجتماعى، وشارك فى بطولة الفيلم: مونيكا بيلوتشى، وديا إليان، وكوين دى بو.
نحن فى هذا العمل أمام حالة تداخل بين إدانة الحرب فى سوريا، والنظام الذى أدى إليها، وبين إدانة العالم المتحضر الذى يدعى التمدن والدفاع عن حقوق البشر، وهم يسحقون أدمية اللاجئين إليهم، من خلال رصد رحلة الشاب السورى «سامى على» وهو ليس ناشطا سياسيا ضد النظام السورى، ولكنه يرى أن حريته تبدأ بالزواج ممن أحبها قلبه.
هذا الشاب أجبر على الهجرة إلى لبنان، هربا من سوريا، وهناك يعمل فى مكان لتفريخ الكتاكيت، وكأنها إشارة إلى تدجين الإنسان ذاته، وفى إحدى المرات التى يذهب فيها إلى المعارض الفنية لمجرد الحصول على الطعام المجانى، يلتقى بـ"جيفرى جودفرا" الفنان الأشهر، فى مجال الفن المعاصر، ويتوصلا إلى اتفاق غريب من نوعه، بحيث يرسم على ظهر «سامى» عملا فنيا حيا، مقابل حصوله على فيزا للسفر للقاء حبيبته التى تزوجت وسافرت إلى بلجيكا.

لتبدأ المخرجة التونسية كوثر بن هنية، نوعا من الهجاء شديد اللهجة، إلى ما يمارس بلا رحمة متسترا فى ثوب عالم الفن، وأقرنت هذا فى خط متوازٍ بخطوات تحول اللاجئ السورى المثير للجدل، لأن يصبح قماشًا حيًا موشومًا ولوحة تعبر عن الفيزا.
ويبدأ السيناريو بكل الشجن يقفز من الرقة إلى بيروت، ومنها إلى بروكسل، طارحا مأساة الرجل الذى باع جلده، بتداخلات غاية فى الإنسانية، وخاصة مع ظهور مونيكا بيلوتشى الشقراء الجليدية ذات الدور المحورى بالفيلم، و«بيلوتشى» المساعدة جيفرى تتعامل بقسوة بداية من التوقيع على الميثاق الذى يغير الحياة، وحصوله على تأشيرة شنجن الأوروبية، والتى تتيح للزوار سهولة الوصول إلى 22 دولة فى الاتحاد الأوروبى، بعد أن فر من الاضطهاد فى وطنه، لا يستطيع سامى الحصول على المستند بشكل قانونى بنفسه، وهو واقع يعلق عليه جيفرى عن قصد.
وبالطبع ينال العمل الفنى المرسوم على ظهره شهرة كبيرة، ويقدر بمبالغ خيالية فى مزادات سوق الفن، فيثير لعاب تجار التحف الفنية، وسخط ناشطى حقوق الإنسان، ليجد «سامى» نفسه فى مأزق، يحاول الخروج منه واستعادة حبيبته.
جدير بالذكر أن الفيلم مستوحى من اللوحة البشرية تيم «الرجل الموشوم» للفنان ويم دلفوا، ومنها انطلقت المخرجة فى كتابة الفيلم، لتعطى وجهة نظرها الخاصة حول السياسة، والفن المعاصر اليوم، المقتصر على النخبة، والذى تحول إلى سوق يستثمرون فيه أموالهم، فهو أكثر وأكبر من مجرد فن، إلى جانب استعراض مصير أولئك اللاجئين فى أوروبا، وبذلك جمعت بين الموضوعين.

وتم تصوير الفيلم بالمتحف الملكى للفنون الجميلة فى بلجيكا الذى يعرض أعمال Wim Delvoye ورغم أن الأمر كان معقدًا للغاية ولكنه أعطى للفيلم مصدقية فى النهاية.
ويلعب الدور الرئيسى في فيلم «الرجل الذى باع ظهره» الممثل الكندى من أصل سورى يحيى مهاينى، إلى جانب الممثلين الفرنسيين ديا أليان وكريستيان فاديم والبلجيكى كوين دى بو، والفنانة اللبنانية السورية دارينا الجندى، والتونسيين نجوى زهير، وبلال سليم.
الرائع أن المخرجة مرت بعملية اختيار طويلة وشاهدت الكثير من الأعمال الفنية للممثلين، فلقد أرادت أن يكون بطل الفيلم ممثلًا سوريًا.
المخرجة بدأت مشوارها الفنى العام 2010، عندما أخرجت عددا من الأفلام القصيرة، فاختارت النوع الوثائقى فى «الأئمة يذهبون إلى المدرسة»، ثم أخرجت «شلاّط تونس» فى العام 2014، وبعد سنتين «زينب تكره الثلج» عن الانتقال من الطفولة إلى المراهقة، وقد صورته بين تونس ومقاطعة كيبيك الكندية.
وفي العام 2017 بلغت مرحلة مهمة ومصيرية فى مسيرتها السينمائية عندما حصد فيلمها «على كف عفريت» إعجاب الجمهور وتصفيقه الحاد لدى عرضه ضمن قسم «نظرة ما» فى مهرجان كان الدولى، ويستند العمل إلى قصة حقيقية حدثت عام 2012 تعرّضت خلالها فتاة جامعية للاغتصاب على يد رجال شرطة، وتكافح على مدى ليلة لتقديم شكوى فى حقهم، بينما الجهة التى يفترض أن تتلقى الشكوى وتحركها نحو القضاء هى ذاتها الخصم.
وكشف أول فيلم روائى طويل لكوثر بن هنية Beauty and the Dogs عن صانعة أفلام تحمل فى نفسها وعلى شخصياتها مظهرًا فريدًا ومؤثرًا، لم يترك أى شخص غير مبالٍ خلال عرضه فى عام 2017، بمهرجان كان السينمائى.
ويشار إلى أن بيلوتشى، زارت تونس فى يوليو 2019 وصورت مشاهدها فى معرض فنى فى العاصمة التونسية، وهى التى أعلنت فى وقت سابق موافقتها على المشاركة فى العمل بعدما شاهدت فيلم بن هنية «على كف عفريت» فى مهرجان كان السينمائى فى نسخته السبعين.
مونيكا بيلوتشى، ممثلة ذكية جدا، وحساسة للغاية، ورائعة تعطيك معنى خفى فى الحوار والشخصيات.

ويبقى مشهد النهاية بالفيلم ليضع المشاهد أما تساؤلات عدة حول استنساخ اللوحة التى تم من خلال الفنان عندما حصل على الحامض النووى للبطل، ليخلق منه جلدًا جديدًا، رسمت عليه اللوحة الجديدة التى عرضت فى أول وأخر مشهد بالفيلم، والمرسومة على جلد إنسان وتعبر عن تأشيرة الفيزا، والتى زادت قيمتها بعد مقتل البطل على يد الدواعش، فى مدينة الرقة التى عاد إليها.
وفى الحقيقة، مشهد قتله من الدواعش كان محيرًا لى، لأنه تم بإطلاق الرصاص، وهو أسلوب لا يستخدمه الدواعش، فهم يقتلون بفصل الرأس أو الحرق، وفسر هذا بظهور البطل لنعرف أن ثمة اتفاق تم مع الدواعش من قبل الفنان لتمثيل هذا المشهد بدون أن يذكر هذا الفيلم، وكأنه اتفاق بين عالمين، كلاهما ضد الإنسانية ولكن النتيجة كانت حرية البطل الذى أعلن وفاته أمام العالم أجمع.