ثروت إمبابي
أضاف، أن الزراعة بطبيعتها نشاط اقتصادي عالي المخاطر؛ فهي رهينة لعوامل المناخ والمياه، وتقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج. ومن ثم فإن ترك عملية التسعير بالكامل لقوى العرض والطلب دون إطار منظم قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة، سواء بانخفاض الأسعار في مواسم الوفرة بما يضر بالمزارع، أو بارتفاعها في أوقات النقص بما يرهق المستهلك ويضغط على معدلات التضخم.
وأشار إلى أن للدولة دورًا تنظيميًا ضروريًا لا يمكن الاستغناء عنه عبر مؤسساتها المعنية، مثل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ووزارة التموين والتجارة الداخلية، ليس بهدف التدخل الإداري الصارم، وإنما لضبط إيقاع السوق وتحقيق التوازن بين أطرافه. فتحديد سعر ضمان عادل للمحاصيل الاستراتيجية يمثل صمام أمان للمزارع، ويشجعه على الاستمرار في الإنتاج، ويعزز الأمن الغذائي للدولة.
تابع، وفي المقابل، فإنني لا أؤيد التسعير الإداري الكامل الذي يتجاهل آليات السوق ويجمد الأسعار بعيدًا عن التكلفة الحقيقية؛ لأن ذلك قد يخلق تشوهات في السوق ويشجع على ظهور ممارسات غير رسمية أو احتكارية. والحل، من وجهة نظري، يكمن في نموذج متوازن يجمع بين سعر ضمان عادل للمحاصيل الاستراتيجية وسوق تنافسي منظم يعتمد على الشفافية، وأدوات حديثة مثل البورصة المصرية للسلع، مع التوسع في الزراعة التعاقدية لتقليل المخاطر وضمان استقرار الدخل. لكن الإشكالية الأعمق، لا تتعلق فقط بتحديد السعر عند المزرعة، بل بالفجوة الكبيرة بين ما يحصل عليه المزارع وما يدفعه المستهلك. فتعدد الوسطاء، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وضعف التنظيم اللوجستي، كلها عوامل ترفع السعر النهائي دون أن يستفيد منها المنتج الحقيقي. ومن ثم فإن إصلاح سلاسل الإمداد وتقليل حلقات التداول غير المنظمة لا يقل أهمية عن سياسة التسعير ذاتها، بل قد يكون المدخل الحقيقي لتحقيق العدالة السعرية.
وقال إمبابي، إن تسعير المنتجات الزراعية ليس قرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل هو قرار اجتماعي واستراتيجي؛ لأنه يؤثر في دخول الأسر الريفية، وفي معدلات الفقر، وفي استقرار الطبقة المتوسطة، وفي مستوى الثقة بين المواطن والدولة. وعندما يشعر المزارع بالإنصاف ويشعر المستهلك بالحماية، يتحقق الاستقرار الحقيقي للسوق.
أضاف، أن إصلاح منظومة تسعير المنتجات الزراعية يجب أن يقوم على رؤية طويلة المدى تعتمد على البيانات الدقيقة، والتحول الرقمي في سلاسل الإمداد، ودعم التعاونيات الزراعية، وتفعيل آليات الشفافية، مع ضمان حد أدنى عادل للمزارع يحميه من تقلبات السوق، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، كما قال إنه لن تتحقق تنمية زراعية مستدامة ما لم ننجح في بناء منظومة تسعير عادلة ومرنة في آنٍ واحد؛ منظومة لا تنحاز لطرف على حساب آخر، بل تحقق التوازن بين المنتج والمستهلك والدولة، لأن العدالة في التسعير ليست رفاهية اقتصادية، بل هي ركيزة للاستقرار الوطني.
واختتم بأن الزراعة لا تُبنى بالقرارات المؤقتة، بل تُبنى برؤية عادلة تُطمئن المزارع، وتحمي المستهلك، وتُحصّن الدولة.